رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

279

د. فاطمة سعد النعيمي

حين تسمو الهمم تزكى الأخلاق

08 مايو 2026 , 06:09ص

ليست الأخلاق في الرؤية القرآنية سلوكًا عابرًا يُكتسب بالمجاملة أو يُفقد بالظروف، بل هي ثمرة عميقة لحقيقةٍ باطنة: علوّ الهمة وخشوع النفس. فحين يرتفع الإنسان عن سفاسف الأمور، وتتجه روحه نحو المعاني العليا، تنقاد جوارحه تلقائيًا إلى مكارم الأخلاق، وكأن السلوك مرآة صادقة لما في القلب.

لقد رسم القرآن الكريم هذا الارتباط الدقيق بين الداخل والخارج، فبيّن أن تزكية النفس هي الأصل الذي تتفرع عنه الفضائل، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9]. فالفلاح هنا لم يُعلّق بكثرة الأعمال، بل بصفاء النفس وسموّها، لأن النفس إذا سمت، أشرقت فيها معاني الرحمة، والصدق، والعفو، والإحسان.

وعلوّ الهمة في التصور القرآني ليس مجرد طموح دنيوي، بل هو توجّه القلب إلى معالي الأمور، والارتفاع عن الدنايا، كما في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، فهذه الأخلاق لا تصدر إلا عن نفسٍ ارتفعت عن الانتقام، وتخلّت عن حظوظها الضيقة، واختارت طريق السموّ.

أما خشوع النفس، فهو ذلك الانكسار النبيل أمام عظمة الله، الذي يورث سكينةً في القلب، واتزانًا في السلوك، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]. إنهم ليسوا ضعفاء، بل بلغوا من القوة ما جعلهم يملكون أنفسهم، فلا يستفزهم الجهل، ولا تستدرجهم الخصومات.

ومن هنا تتكامل الصورة: علوّ الهمة يدفع الإنسان إلى طلب الكمال، وخشوع النفس يمنعه من الكبر والعجب، فيجتمع في قلبه السموّ والتواضع، وهما أساس كل خلق جميل. فالمتكبر لا يُحسن، وصاحب الهمة الدنيئة لا يثبت على خلق كريم، أما من جمع بين علوّ القصد وخشوع القلب، فقد تهيأت له أسباب الاستقامة.

إن حاجتنا اليوم ليست إلى مظاهر أخلاقية مؤقتة، بل إلى إعادة بناء الداخل؛ إلى تربية الهمم على معالي الأمور، وتليين القلوب بذكر الله، حتى تصدر الأخلاق عفويةً صادقة، لا تكلّف فيها ولا تصنّع.

فإذا أردنا مجتمعًا يسوده الصدق والرحمة والعدل، فلنبدأ من حيث بدأ القرآن: من النفس. نرفع همتها، ونزكّيها، ونربطها بالله، وحينها فقط، تزهر الأخلاق كما تزهر الأرض إذا أصابها الغيث.

مساحة إعلانية