رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد العزيز عبدالهادي حسن الأحبابي

مساحة إعلانية

مقالات

768

عبد العزيز عبدالهادي حسن الأحبابي

اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

08 مايو 2026 , 02:29ص

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين أملٍ يمتد، وأجلٍ قد يفاجئه في أي لحظة، ولذلك جاء الإسلام ليُربي المسلم على الاستعداد الدائم للقاء الله، ومن أعظم صور هذا الاستعداد: كتابة الوصية، فهي ليست مجرد أوراق تكتب، بل أمانة شرعية، وحفظ للحقوق، ورسالة مسؤولية يتركها الإنسان بعد رحليه.

وقد اعتنى الإسلام بالوصية عناية عظمية، فقال الله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ﴾ (سورة البقرة: 180)، كما قال سبحانه في آيات المواريث: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، مما يدل على مكانة الوصية وأثرها في حفظ الحقوق ومنع النزاعات بعد وفاة الإنسان. وفي السنة النبوية يقول النبي ﷺ: «ما حقُ امرئٍ مسلمٍ له شيءُ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، وهو توجيه نبوي عظيم يدعو المسلم إلى المبادرة وعدم التسويف، فكم من إنسان خرج من بيته ولم يعد، وكم من صحيح بات بين أهله وأصبح خبر وفاته بين الناس.إن خطورة إهمال الوصية لا تتوقف عند ضياع المال فحسب، بل قد تمتد إلى ضياع الأسرة نفسها، ودخول الأبناء في الخصومات، أو وقوع الأموال في غير مواضعها الصحيحة. ولذلك ينبغي أن تكون الوصية قائمة على الحكمة والعدل والرحمة، وأن يراعي الإنسان فيها مصلحة أسرته وأبنائه، لا أن تتحول إلى بابٍ للتبذير أو صرف الأموال في الكماليات واللهو والمعاصي.

ومن المؤسف أن بعض الناس يجمع المال سنوات طويلة، ثم لا يترك لأبنائه ما يعينهم على الحياة الكريمة، بينما تهدر الأموال بعد وفاته في أمور لا تنفعه عند الله عز وجل، كالمبالغة في مظاهر الترف، أو الإنفاق في غير وجه حق، مع أن الأولى أن تكون الوصية سببًا في حفظ الأسرة، وسداد الديون، وكفالة الأبناء، ودعم أعمال الخير النافعة.

وقد كان السلف الصالح رحمهم الله يدركون قيمة الوصية، لأنها تحفظ الحقوق وتغلق أبواب النزاع. وكم نسمع اليوم عن قضايا وصلت إلى المحاكم بسبب غياب الوصية، أو بسبب الغموض في الأموال والحقوق، فتتفكك العلاقات الأسرية، ويتحول الميراث إلى خصومات وقطعية رحم، وكل ذلك كان يمكن تجنبه بوصية واضحة عادلة مكتوبة.

إن كتابة الوصية ليست تشاؤمًا كما يظن البعض، بل هي فقه في الحياة، وحسن استعداد للآخرة، ووعي بأن الإنسان راحل لا محالة. والعاقل هو من يترك أثرًا طيبًا بعد موته، ويحفظ أهله من الحاجة والاختلاف، ويجعل ماله وسيلة للخير لا بابًا للحسرة والندم. فليكتب كل واحدٍ منا وصيته قبل أن يكتب أجله، وليتذكر أن ما يتركه خلفه قد يكون رحمة له بعد موته، أو بابًا من أبواب المسؤولية التي يسأل عنها بين يدي الله سبحانه.

مساحة إعلانية