رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المبالغة في تصوير الصراعات الاجتماعية والسياسية هو شأن الروايات، فالمبالغة أداة عند المؤلف لترويج وتسويق وتشويق روايته بغية الاستحواذ على القارئ، لكن "رواية" حاضر الصراع السياسي في السودان بدت واقعية بكل دراميتها بدون تدخل، فهي ذاتية التفرد والغرابة والاحتدام والاصطراع، وكأن شياطـين السياسة هربت بعد أن كثرت أعـداد السياسيين الذين يقومون بواجبهم، فانزوت في بقايا جدران إرم ذات العماد، التي غضب الله على أهلها فهلك من هلك وهجرها من هجرها.
في سياق "الرواية" السودانية وحيث المباغتة سلاح ماضٍ يقصم ظهر الخصم قصما؛ وفي اطار مباغتة تكتيكية، طالب أحد المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بأن يمثل أمام المحكمة بدلاً من أن يمثل أمام قضاء السودان في ظل السلطة الانتقالية الحالية.
وقال أحمد هارون أحد قادة نظام الرئيس السابق عمر البشير، إنه قد يكون في المحكمة الجنائية نجاشي آخر الزمان لا يُظلم عنده أحدٌ، رغم علمه بأن تلك المحكمة مسيسة وأنشئت لمحاكمة الأفارقة ودول العالم الثالث، وقد ظل هارون يرفض المثول أمام المحكمة الدولية لنحو 20 عاما لسبب يعتبره مبدئيا، وهو عدم المثول أمام قاض أجنبي لما فيه من طعن في القضاء السوداني.
ويبدو أن هارون وهو قاض ووزير داخلية أسبق، قد وضع الجنائية الدولية تلكم العنقاء أمام حالة استثنائية تماما؛ فكيف سيتبدى حالها أمام متهم يطلب المثول أمامها، ودولته ستماطل ممانعة خوفا من أن يبقى الحبل على الجرار، فتورط افاداته شخصيات متنفذة اليوم. في ذات الوقت لن تكون المحكمة سعيدة، وهي أداة سياسية للقوى الدولية لخلط أوراق اللعبة السياسية في السودان الذي غدا دولة حليفة لتلك القوى التي تتخفى وراء لافتة المجتمع الدولي، الذي تتماهى الخرطوم اليوم مع خططه واستراتيجياته، فأي عقدة وضعها هارون في المنشار؟.
وبعيدا عن الجدل القانوني بشأن تحديات إقرار العدالة في ظل وضع سياسي هش ومضطرب، فإن هارون بدا سياسيا ماهرا رغم ظروف اعتقاله المعلومة، إذ إنه أراد أن يقول للمنظمات الحقوقية الدولية إن العدلة في السودان منتهكة ومستباحة.
ويأتي اتهام هارون متوافقا مع انتقاد مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة التي قالت الأسبوع الماضي: "في هذه المرحلة الانتقالية على الحكومة السودانية تحمل كامل مسؤوليتها في حماية المدنيين. وللسودان خطة شاملة لحماية كافة المدنيين في البلاد، لكن الخطة مجرد حبر على ورق".
لقد تحول خصوم هارون بخطوته الجريئة من وضعية الهجوم إلى وضعية الدفاع، وفقدوا ورقة ضغط طالما ظلوا يستخدمونها وهي تسليم المطلوبين للمحكمة الدولية، إذن فالرجل كما وصفه البعض، قام بعملية انزال مظلي خلف صفوف أعدائه، فأصبحوا في حيص بيص، فعلى خصومه أن يعملوا بدلا من الضغط عليه بورقة المحكمة وبعضهم كانوا قادة ميدانيين أيام استعار حرب دارفور، أن يخلصوا رقابهم، وقد يسعون لتسوية أوضاع هارون وبقية المعتقلين بتسريع إجراءات تقديمهم لمحاكمات ناجزة وعادلة.
اليوم "الرواية" السودانية غارقة في وحل تحديات عدالة مشكوك فيها، فغبار الاصطراع السياسي ران على صفاء العدالة فجعلها باكية منتحبة، ولم تكن تلك التحديات منحصرة في توفير العدالة لقادة ورموز النظام السابق باعتبارها حقا تكفله عدالة السماء قبل عدالة الأرض، وانما هذه التحديات تحاصر فترة ما بعد سقوط نظام الرئيس البشير؛ فرغم أن من مبررات الانقلاب على البشير أنه كان بصدد اصدار قرار بفض اعتصام الجماهير أمام قيادة الجيش، فإن من تسلموا السلطة منه هم من قاموا بفض الاعتصام بعد شهرين، عقب استلامهم السلطة واستمرار الاعتصام، وسالت فيه دماء كثيرة وما زال عمل اللجنة المكلفة بالتحقيق في تحديد المسؤولين يراوح مكانه.
ومن تحديات العدالة اصرار السلطة الانتقالية على تعيين رئيس القضاء، متجاوزة نص الوثيقة الدستورية، الدستور المؤقت للفترة الانتقالية التي نصت على تعيينه من مجلس القضاء العالي، كما تم تعطيل المحكمة الدستورية وحرمان المعتقلين من الاستئناف لديها. كما أن هناك تصريحات موثقة لأحد قادة الفترة الانتقالية يقول فيها إنهم يفضلون مواصلة حبس المعتقلين حتى لا ينالوا أحكاما مخففة إذا ما قدموا لمحاكمات.
لقد ظلت المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالسودان تحديدا أداة للاستخدام السياسي؛ خارجيا كانت القوى الفاعلة في المجتمع الدولي ناقمة على نظام الرئيس عمر البشير فتم استخدامها لاسقاط النظام في الخرطوم، وعندما سقط فلم يعد المجتمع الدولي متحمسا للمضي قدما في تقديم المطلوبين للمحاكمة، بل فترت همة المجتمع الدولي حينما ابدى البشير تعاونا فيما سمي بالحرب على الارهاب، وحينها اصيبت المدعية العامة للمحكمة بإحباط شديد، وأعلنت في عام 2016 في تقرير لها لمجلس الأمن أنها جمدت التحقيقات وحفظت ملف جرائم الحرب في دارفور، بسبب عدم تحرك المجلس للضغط من أجل اعتقال البشير وبقية المطلوبين للمثول أمام المحكمة.
وفي السنوات اللاحقة لم يتخذ المجلس خطوات جدية عدا التجديد الروتيني للقرارات المتعلقة بدارفور، بيد أن الأمر ترك دون حل جذري حتى تبقى المحكمة أداة ابتزاز وسيفا مسلطا على نظام الخرطوم، إذ كان بالامكان انهاء الملف بتسوية كان يمكن أن يوافق عليها البشير، ففي ظل استحالة القبض على رئيس الدولة، وهو على سدة الحكم، إذ ينافي ذلك القواعد المستقرة في القانون الدولي والسوابق القانونية المتعلقة بحصانة رؤساء الدول، كان من الممكن أن يوافق البشير على محاكمة المسؤولين الآخرين داخل السودان وعبر القضاء الوطني مع موافقة المحكمة الجنائية على ايجاد صيغة تمكنها من المراقبة أو الإشراف الجزئي أو الفني، خاصة وأن نظام المحكمة الجنائية ينص على أن دورها بمثابة دور تكميلي لدور المحاكم الوطنية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026