رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشغلتنا الأزمات الخليجية والعربية عن الالتفات إلى قضايا داخلية في مجتمعنا الخليجي عامة والقطري خاصة، وراح كُتَّاب الأعمدة الصحفية يتناولون تلك الأزمات بالشرح والتحليل، واليوم استأذن القارئ وأصحاب القرار أن أتناول مواضيع محلية غاية في الأهمية من الناحية الأمنية والوطنية والإنتاجية.
❶
في هذا العام 2018 أصدرت القيادة السياسية مجموعة من التشريعات الهامة، وأهمها قانون الإقامة الدائمة، وكفالة غير القطريين، والآن تُجرى دراسة تملك غير القطريين للعقار.
الملاحظ أن كثيرا من المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص تزايدت احتياجاتها إلى العمالة الماهرة؛ وأقصد بذلك من يحمل مؤهلاً جامعياً أو مهنياً وتذهب هذه المؤسسات إلى طلب استقدام تلك العمالة من خارج البلاد علما بتوفرها في داخل الدولة. أضرب مثلا مؤسسة رسمية ذهبت إلى خارج الدولة لاستقدام موظفين في علم الحاسوب، ومؤسسة مصرفية راحت خارج البلاد لاستقدام عمالة في الأعمال المصرفية وقس على ذلك. ولعلم الكاتب فان هذه المهارات متوفرة في داخل البلاد ولم يلتفت لها من أي جهة رسمية أو قطاع خاص. والسؤال الواجب طرحه أمام الجهات المختصة، لماذا لا يكون لدى إدارة العمل والهجرة والجوازات « بنك معلومات » لجميع التخصصات المقيمة في البلاد التي لا تعمل ومن ثم تشغيل تلك القوى عند طلب أي جهة رسمية أو خاصة لاستقدام عمالة من الخارج؟. أعرف عدداً لابأس به من المقيمين العرب مؤهلين في الأعمال المصرفية والحاسوب « نظم المعلومات» والصيدلة ويعيشون في قطر وتلقوا تعليمهم في جميع مراحل التعليم في داخل الدولة وبعضهم يحمل مؤهلات جامعية عالية وبعضهم مولود في قطر ولا يعرف وطنا له غير قطر، لماذا لا يتم دمج هذه الكوادر في المؤسسات القائمة بدلا من الاستقدام من الخارج؟.
إن استخدام هذه القوى، أصحاب المؤهلات العلمية، يعود بالنفع على الوطن أذكر بعضا من تلك المنافع: أنه يعرف اللغة العربية وما تيسر له من لغات أخرى ويعرف العادات التقاليد لأهل البلاد ولن يتجاوزها، وهو سيكون حريصا على أمن وسلامة واستقرار البلاد إلى جانب أمور أخرى وهي الاستهلاك؛ المقيم الأجنبي « غير العربي » قليل الاستهلاك بمعنى أن دخله الشهري يحوّل إلى بلاده شهريا ويبقي القليل بالكاد يكفيه أي أن تراكم الدخل بالنسبة له يتم في موطنه وليس في بلادنا وذلك يشكل استنزافا نقديا ومن هنا تقتضي الضرورة الوطنية الالتفات إلى هذه القوى المعطلة من قبل القطاعين الخاص والعام.
➋
يقيم معنا على أرض قطر الطيبة جالية يمنية البعض منهم يحمل الجنسية القطرية والبعض الآخر يرجو الله أن يحصل على الجنسية القطرية أسوة بإخوانه من الجالية اليمنية؛ علما بان لهم في هذه الأرض الطيبة عشرات السنين بل معظمهم مولود في البلاد وكلهم منتجون وتكاد نسبة الجريمة أو مخالفة القوانين واللوائح من أحد منهم تصل إلى الصفر مقارنة بجاليات أخرى، وفي تقدير الكاتب أن هذه الفئة من المقيمين يمكن الاستفادة منهم في الأمن والجيش فهم أكثر وفاء وانتماء لهذا البلد «قبلة كل مضيوم». وأذكّر كل مهتم بالشأن الأمني في هذه البلاد بان من تصدى لجيش شاه إيران عندما غزى جزر الإمارات عام 1971 (طنب الصغرى، وطنب الكبرى، وجزيرة أبو موسى) كانوا مجموعة من المجندين اليمنيين، لقد استبسلوا في الدفاع عن تلك الجزر رغم قلة تسليحهم ولاقوا حتفهم على أيدي جنود شاه إيران، لم يستسلموا ولم يساوموا على نجاتهم، إن طبيعة الرجل اليمني تختلف عن طبائع كثير من المقيمين، ومن هنا أرجو أن يتم الالتفات إلى هذه الجالية العربية الأصيلة أصحاب النخوة والرجولة، وأن تسهل الإجراءات الإدارية والتنظيمية على استقدام عمالة يمنية بكفالة أقاربهم المقيمين في البلاد منذ أكثر من ثلاثين عاما أو أكثر.
لقد تكرَّمت القيادة السياسية بمنح الأردن 20 ألف فرصة عمل، وألف فرصة عمل للمقيمين الأردنيين، ومن هنا يتمنى إخواننا اليمنيين أن يتساووا بإخوانهم الأردنيين، فالشعبان الأردني واليمني أكثر إخلاصا ومعرفة بعادات وتقاليد بلادنا الحبيبة وكذلك الأخوة العراقيين.
➌
نشرت الصحافة المحلية بالأمس تقريرا مؤداه أن مجلس الشورى يدرس تملك المقيمين لعقار في الوطن، وأن المجلس مناط به تحديد الأماكن التي يمكن للمقيم امتلاك عقار في ذلك المكان، وهنا استأذن الكل في أن أنبه إلى خطورة هذا الأمر، أي تحديد أماكن لتملك المقيم، إن الهدف من تمكين المقيم من امتلاك عقار له هو تشجيع على الاستثمار وتمكين المقيم من الشعور بأنه أصبح جزءا من هذا المجتمع وبالتالي سيكون حريصا على أمنه واستقراره.
إن التفكير في عزل هؤلاء المقيمين في كنتونات خاصة بهم يحرم المجتمع من اندماج هؤلاء في المجتمع، وان ضرر المعازل هذه أكبر من النفع.
إن إدماج هؤلاء في المجتمع القطري ضرورة قومية ووطنية وأمنية. إن سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كل لقاءاته يشيد بالمقيمين وما يفعلون ارتفاعا بمكانة الوطن فكيف نحدد لهم أين يقيمون وأين يملكون. قد يفكر البعض في محاولة فرض أماكن لتملك هؤلاء الناس مرتفعة الأثمان كما هو الحال في اللؤلؤة قد يحد من التملك إلا لفئة صغيرة جدا وهؤلاء لا يحتاجون إلى الإقامة الدائمة فبعضهم يحمل أكثر من جنسية عربية وأوروبية أو غير ذلك، لكن المدرس البسيط والطبيب والمهندس في حاجة ماسة لإيجاد موئل يحتمي به ويربي نسله على قيم قطرية عربية أصيلة. وهنا نقول طالما أعطيت الحق للتملك فدعه يختار المكان الذي يتوافق وإمكانياته ومن ثم سرعة اندماجه في الوطن القطري.
◄ أخر القول:
نحتاج إلى وعي وطني أمني من أجل اندماج هؤلاء في الوطن ليكونوا أداة قوة له بعيدا عن مشروع المعازل، أو التعجيز للحد من تملكهم.
الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيون ودعاة الانفصال
شُغِل الإنسان العربي الغيور بحال أمته الذي يسير من سيئ إلى أسوأ. في أقصى بلاد المغرب العربي ثبّتت... اقرأ المزيد
1311
| 03 يونيو 2025
بركان سياسي أوروبي يثور ضد إسرائيل والعرب يتفرجون !
تتسع دوائر الرفض العالمي لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد في قطاع... اقرأ المزيد
1350
| 27 مايو 2025
سورية الشرع والعراق السوداني وفلسطين محمود عباس
سورية الجديدة بقيادة الشرع ورفاقه ما برحت تواجه عواصف داخلية وخارجية واقليمية وهي صامدة تعمل ليل نهار من... اقرأ المزيد
2175
| 29 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5013
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3825
| 30 أكتوبر 2026