رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثقافة التعايش والقبول بالآخر تميز التجربة العمانية عن الدول الخليجية
التجربة العمانية تعمير البنيان وتنمية الإنسان وزرع روح المواطنة
هل تجاوز المشهد العماني الحراك الشعبي والاعتصام والمظاهرات؟!
الدليل السياحي العالمي "لونلي بلانيت" (lonely Planet)، نشر قائمة عام 2011 لأفضل المدن التي ينصح بزيارتها، وكانت المفاجأة أنها جمعت مسقط في سلطنة عمان مع نيويورك ولندن. لقد تغيرت ملامح هذه المدينة التي كانت تعيش قبل أربعة عقود محاطة بمناطق جبلية بعيدة عن المدنية والتطور والعمران وباتت اليوم بتاريخها وتراثها وجمالها وحيوية شعبها تنافس دبي والمنامة والرياض والدوحة ومدينة الكويت وقد اختيرت عاصمة للسياحة العربية للعام 2011، ورسمت لها مكانا في قلب الموسوعات السياحية العالمية بكل جدارة.
(1)
المشهد العماني كغيره في الدول العربية شهد حراكا شعبيا من الدخول في الاعتصامات والمظاهرات. ولكن حين اعتمد الإعلام الرسمي في الدول العربية: تونس، مصر، ليبيا، اليمن وما يزال في سوريا، تغطيته للحراك الشعبي داخل بلدانه على ما يمكن تسميته بـالـ «تاءات الأربع»، وهي تجاهل لما يحصل، وتكذيب لما يردده المحتجون، وتشويه لرموز الحركات الاحتجاجية، وتأليب ضد المحتجين، إلا أن الإعلام الرسمي العماني، كما، يشير الدكتور زكريا المحرمي، قد وعى الدرس الذي فشل فيه الإعلام الرسمي في الدول الأخرى، حيث بادر وبصورة مدهشة في تغطية الأحداث العمانية ساعة وقوعها، كما فتحت الإذاعة والتلفزيون سلسلة من البرامج المفتوحة التي كانت تتعاطى مع الحدث بكل أريحية وحرية وهو أراد استيعاب المشاهد حتى لا يتوجه إلى الفضائيات ومواقع الانترنت، وقد نجح في المهمة بشكل كبير بحسب شهادات المتابعين في الداخل والخارج. إلا أن ذلك أخذ في التراجع بعدها، لكن الإعلام التجاري أخذ زمام المبادرة وواصل مسيرة الانفتاح الإعلامي من خلال مساحة الحرية الكبيرة التي توفرها الصحف غير الرسمية وبعض القنوات الإذاعية والمنتديات الاجتماعية. لكن رغم الأحداث التي لم تستقر وتتضح بعد على الساحة، إلا أن ابرز ما في التجربة العمانية هو الثقافة الإنسانية الغزيرة التي رسخت عبر العقود الطويلة من التاريخ العماني السياسي والاجتماعي. وابرز ما فيها هو التنوع والتسامح والقبول والتعايش مع الآخر وهو ما يميز التجربة العمانية عن الدول الخليجية المحيطة بها. وهي ثقافة تجاوزت مسألة التفلسف والتنظير إلى الرسوخ في عمق المجتمع ويبدو ذلك واضحا في التعامل مع المذاهب الإسلامية المختلفة السنية والشيعية والمذهب الرسمي الإباضي بالإضافة إلى الإسماعيلية والصوفية وغيرها. وهي إحدى الإشكاليات الكبيرة في الدول الخليجية التي لديها أقليات دينية ومذهبية والتي دخلت في الاختلافات الفقهية والتكفير والإخراج من الملة، وصولا إلى الاشتباكات والصدامات السياسية والاجتماعية وتطور الحل ليصل بالمطالبة بإسقاط النظام وتغيره جذريا مثل البحرين. في التجربة العمانية هناك مكان أيضا للآخرين من أصحاب وأتباع الديانات من بوذيين وهندوس، ومسيحيين كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وأقباط، والجميع يقوم بممارسة طقوسه العقائدية في ديره ومعبده وكنيسته دون تعصب أو تزمت أو رفض وممانعة. الدكتور وليد خالص يشير إلى أن السلوك الإباضي «شعرا ونثرا» يكرس «الحرية الفكرية»، فهو لا يدعي انه يملك الحقيقة كما ادعى غيره، وهناك قصيدة طويلة تقع في 75 بيتا للشيخ جاعد بن خميس الخروصي، يتحدث فيها عن «تحولاته الفكرية» والتي يسميها أهل السلوك والتصوف بـ«الأحوال»، التي تؤدي إلى المقامات والترقي، وفيها يقول أنه مرة يرى نفسه سنيا، ومرة أخرى شيعيا، ومرة إباضيا، ومرة حنفيا، ومرة شافعيا، وهو لا يستهزئ بها أبدا، إنما كأنه يأخذ بأقوالها ويتبنى فكرها، لكنه بعد ذلك يقول: «صرت أشبه بذلك النور الذي ينبثق من الشهاب»، فقد جمع هذا كله، مستشهدا بالبيت العربي القديم: «وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر».
(2)
تشير المراجع الأكاديمية أن التاريخ والثقافة العمانيين يقومان على أساس ثلاثة مبادئ أساسية ثابتة اولا: مبدأ السلطة، أي نظام الإمام القائم على الإجماع والتعاقد، والانتخاب الحر للإمام والشورى. وهذا المبدأ هو بحق القاعدة الأساسية للديمقراطية العمانية، الديمقراطية ذات النفحة الروحية والأخلاقية والتي تستأهل أن توصف بالديمقراطية الإسلامية العمانية. ثانيا: إن مفهوم الوطن لدى العمانيين تكوّن مبكراً، وذلك بعد أن تحولت عمان إلى "الوطن الروحي" للإباضيين وأصبحت ملاذاً للفارين من اضطهاد السلطات العباسية. ثالثا: مبدأ الاستقلال والسيادة. وقد ثبت هذا المبدأ عملياً مع انفصال عمان عن الدولة الأموية أولاً، ثم عن الدولة العباسية في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. صنع تلك المبادئ الثلاثة خلال أثني عشر قرناً من الممارسة والتطبيق، التاريخ والثقافة العمانيان، وصاغت الثقافة السياسية للبلاد. وقد مثلت "الديموقراطية الإسلامية العمانية" أحد أهم محاور التاريخ العماني، وخاصية ميّزت الثقافة السياسية العمانية. ولقد وجدت الحركة الإباضية هويتها العقائدية والفكرية في زمن مبكر من تاريخها السياسي، إن مبدأ الإمامة الذي تبنته الإباضية والقائم على مبدأي الشورى والانتخاب الحر للأئمة، مبدأ الإجماع والتعاقد، يمكن أن يصنف في خانة الوريث الحقيقي لتقاليد نظام الخلفاء الراشدين ولكن تبقى مسألة التوافق بين النظرية والتطبيق والتغيير وعامل الزمن وتطوير تجربة الإمامة الإباضية التي كانت رائدة بكل المقاييس ولكن تجاوزها الزمن وفرض وقائع مستجدة. بالإضافة إلى أن تطوير المسار الديمقراطي ومؤسساته المدنية والشعبية هو اكبر التحديات التي تواجهها التجربة العمانية في عصر الثورات العربية. لقد خرجت التجربة العمانية قوية بعد أحداث الستينيات وبالتحديد فى عام 1963 حين تجمعت ثلاث منظمات صغيرة هى " حركة القوميون العرب"، و"الجمعية الخيرية العمانية"، و"منظمة الجنود الظفاريين"، ليندمجوا معا مشكلين (الجبهة الشعبية لتحرير ظفار)، وخاضت حربا لا هوادة فيها ضد نظام الحكم، إلا أن جاء التغيير من داخل المنظومة العمانية في بداية السبعينيات وبدأت مسيرة النهضة العمانية وما زالت تتقدم رغم العوائق والمنغصات.
(3)
لقد احتفلت سلطنة عمان قبل مدة بعيدها الوطني الحادي والأربعين في عمر مديد من القدرة العمانية السحرية في التركيز على تعمير البنيان وتنمية الإنسان وزرع روح المواطنة وتعزيز الحقوق والواجبات والأمن وسلامة الوطن واللحاق بركب الحضارة والابتعاد عن الدخول في الصراعات والحروب والنزاعات الحدودية والترويج للانجازات والانتصارات الوهمية والمزيفة التي يتملق بها القادة العرب ويغطون بها على إخفاقاتهم. وقد آن الأوان في الدخول في مرحلة قطف الثمار والقيام بالقفزات الكبرى من خلال ترتيب البيت الداخلي في الحكم والخلافة، ومعالجة التمركز الشديد للسلطة وتوزيع الصلاحيات، وتطوير مسيرة مجلس الشورى في البلاد وتوسيع صلاحيته التشريعية والرقابية لمعالجة القضايا الرئيسية والمصيرية، وتعزيز دور المجتمع المدني ومؤسساته الأهلية. المؤشرات كلها تدل على إمكانية العمانيين الكبيرة على عشق التغيير والركض للحاق بركب القطار الذي غادر المحطة قبل قليل، وعدم انتظار القطار القادم لآن الزمن لا ينتظر.
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2064
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026