رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال يا قوم اتبعوا المرسلين.. هكذا قال حبيب النجار، كما في كتب التفاسير، من بعد أن سار سيراً حثيثاً، وكان من أهل القرية التي قص الله قصتها في سورة ياسين، القرية التي أرسل الله إليهم رسولين، وما وجدا غير التكذيب منهم، على عادة أهل القرى في تلك الأزمنة الغابرة، فأرسل الله رسولاً ثالثاً يعززهما، فلعل وعسى يثمر تعزيزه، وتتغير آراء ونظرة أهل قرية أنطاكية، التي قال كثير من المفسرين إنها المقصودة في السورة، لكن الوضع لم يتغير.
كان حبيب النجار يعيش على أطراف المدينة بعيداً عن الناس، ولعل عزلته كان سببها وضع أهل الديرة من حيث الشرك والكفر بالله، فآثر الانعزال، شأنه شأن كثير من الذين كانوا على دين الخليل إبراهيم، أو على أقل تقدير، كان بعيداً عن عبادة الأوثان والشرك بالله، فلما سمع بقصة الرسل وتكذيب قومه لهم، قام مسرعاً كما في الآية (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)، والسعي هنا إشارة إلى السرعة في المشي، رغبة في معرفة ما يدور بين الأهالي والرسل.
لما وصل مركز المدينة وسمع من المرسلين دعوتهم، صدقهم على الفور واقتنع بما عندهم، ولم يكتف بذلك، بل بادر من فوره وبدأ يدعو قومه لتصديق خبر السماء الذي جاء به المرسلون (قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون..)، ثم أعلنها في النهاية أمام الجميع، وقال للرسل (إني آمنت بربكم فاسمعون) فكانت صدمة قومه كبيرة، ومن شدتها قاموا من فورهم بقتله، كما في سياق الآية، فاستحق بذلك الشهادة وما يتبع الشهادة من تكريم إلهي لا محدود، بدءاً بدخول الجنة وإلى ما شاء الله له من التكريم بعد ذلك، ودخل الجنة ورأى جميل جزاء تصديق المرسلين، كما أخبرتنا الآية، حتى (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين).
لكن بالمقابل، ما كان جزاء العناد والتكذيب؟
لقد كان جزاؤهم كجزاء القرون السابقة، قوم نوح وأصحاب الرس وثمود، العذاب والفناء، جزاء التكذيب والعناد الشديد المتصلب، العناد غير السوي ولا في موضعه، عناد لم يأت بخير على من اتصف به في تلك الحقب التاريخية، وهو بكل تأكيد لن يأت بخير على من يتصف به اليوم وغداً.. ثم يذكر الله عقاب أهل القرية المكذبة بثلاثة رسل، الذين أرسلهم الله إليهم في فترة وجيزة، ولم تزدد القرية غير عناد وتصلب واعتداد بالرأي، فعاقبهم الله بالصيحة (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) وانتهت القرية للأبد.
العناد.. حركة في دائرة مغلقة
إن عقلية العناد تؤدي بصاحبها في النهاية إلى مساحات من التفكير عقيمة لن تكون عواقبها سليمة مطلقاً، إنها عقلية أشبه بمن يسير في دائرة مغلقة، يبدأ من نقطة ليعود إلى النقطة التي بدأ منها، في حركة مستمرة لا فائدة منها، بل ربما عواقب استمراريتها غير سارة ولا محمودة.
لاحظ مثلاً قوم نوح - عليه السلام - وكيف أن العقلية العنيدة العقيمة والمستهترة في الوقت نفسه، جلبت لهم الأذى، وأي أذى، طوفان أغرقهم وأهلك الحرث والنسل وأبادهم للأبد، وهكذا هي عقلية العناد، التي يمكن أن تؤذي صاحبها دون أن يدرك ذلك.
بعد أن طالت مدة دعوة نوح - عليه السلام - لقومه إلى دين الحق، واجهوه بقسوة، واعتبروا أن دعوته تلك ما هي إلا نوع من الجدال الذي طال عن اللازم، وعليه أن ينتهي منها، بل عنادهم جعلهم يطلبون منه أكثر من ذلك، إن كان صادقاً فعلاً في دعوته، وأنه مرسل من عند الله، حيث طالبوه أن يسأل الله أن يأتيهم بالذي كان يخوفهم منه (فأتنا بما تعـدنا إن كنت من الصادقين) أي العذاب والنقمة الإلهية كما كنت تزعم يا نوح!،
ربما يتساءل أحدكم ها هنا: لماذا طلبوا العذاب والنقمة؟، لماذا لم تدفعهم عقولهم العنيدة المتكلسة أن يطلبوا من رسولهم أمراً طيباً غير العذاب؟، ماذا لو أنهم طلبوا سعة فورية في أرزاقهم، أو أن تتحول بعض الحجارة حولهم إلى ذهب وفضة مثلاً، أو غيرها من نعم الله الكثيرة؟، لا شك أن وصولهم لذلك المستوى من الغباء حتى في الطلبات، إنما هو نتاج طبيعي لعقلية العناد التي ما وصلت إلى تلك المستوى عندهم، إلا بسبب فراغ روحي عاشوه وتوارثوه جيلاً بعد جيل.
الأمر أو المشهد نفسه تكرر بعد آلاف من السنين في عهد النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – مع قريش، الذين كانت عقلية العناد عند صناديدهم وكبار الرؤوس فيهم، وصلت حداً ربما فاقت عقليات الأقدمين من القرون الأولى، قوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم، سأل أحد كبرائهم ضمن معرض العناد والاستهزاء في الوقت نفسه، النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - أن يثبت لهم أن ما يقوله حق وصدق وأنه نبي مرسل من عند الله، بأن يسأل الله نزول العذاب عليهم، كأن تمطر السماء عليهم حجارة!.
لولا عقلية العناد التي أغلقت كل منافذ التدبر والتفكر عند ذاك الجاهلي، لكان طلب من الله أن يمطر عليهم ذهباً وفضة بدلاً من حجارة، فإنها بكل تأكيد ستفيدهم وتزيدهم غنى، لكن كما أسلفنا، الخواء أو الفراغ الروحي الذي عاشه أولئك القوم ورفضهم الحق، نتجت عنه عقلية عنادية لمجرد العناد.
العنيد لا يرى غيره ولا يسمع إلا صوته ولا يعتقد أن هناك من يفكر سواه، أو هكذا هو غالباً، عقلية العناد منشؤها الرئيسي في البيت، فربما طريقة التربية أو القدوات الأساسية هناك كانت على تلك الشاكلة من الأخلاق، فيكبر الطفل عليها، ثم تلزمه الصفة وهو خارج إلى مجتمعات المدرسة ثم الجامعة فالعمل وبقية مجتمعات حياته، وتتعاظم الصفة معه يوماً بعد آخر، وما لم يتداركه أحد بواجب التنبيه والعلاج، فالاحتمال الأكبر أن يخرج فرعـون بصـورة ما، لا يتردد لحظة في تكـرار المشاهد الفرعونية، ومنها مشهد (ما أريكم إلا ما أرى)، وما أكثر الفراعنة حولنا اليوم، فادع الله ألا تتورط مع أحدهم.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
210
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
468
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
396
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3156
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1107
| 28 سبتمبر 2026