رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعرفُ توائم منذ سنوات، هم كالأبناء لي، وما زلت أخجلُ حين أخفق في التمييز بينهم، والغريب أن هذا التشابه الشديد هو مدعاة إلى قراءة الفروق الدقيقة بينهم في الوجه والصوت والضحكة. والتطابق في الشكل بينهم يحكي تطابقًا في الطباع والأمزجة والميول..
عشرات الكتب صدرت حديثًا عن علم الطباع، قرأت منها: (علم الطباع) للدكتور سامي الدروبي، ويمتاز بسرد نماذج من التراث الأدبي العربي.
الطبع يعني الاستعداد الفطري الأساسي، ويغلب عليه الثبات، ولذا يقال: (غيِّر جبل ولا تغيِّر طبع)، ولكن تغيير الجبال أصبح ممكنًا اليوم!
القبضة من طين الأرض متفاوتة في لونها وتماسكها ورائحتها وخصبها، والماء الذي عُجنت به متفاوت، وامتزاج الطين الكثيف بذبذبات الروح العالية ولَّد كائنًا معقَّدًا مختلفًا متميِّزًا عامرًا بالأسرار، قادرًا على اكتشاف نفسه متى أراد.
حين أتعرَّف على طباعي الأصلية كإنسان أولًا، ثم طباعي الخاصة التي ترسم هويتي الذاتية وشخصيتي أكون أقدر على التعامل معها بشكل أفضل، وعلى اتخاذ القرار الصحيح في وقته.
الحرية طبع إنساني: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: 35]، الأصل هو (نعم)، الأصل الإذن والإباحة، و(لا) جاءت استثناءً، ولو كانت (لا) هي الأكثر لعوقت ملكاته وأشواقه وامتداداته.
قد يكون القيد طريقًا إلى الحرية، وجدت هذا في خلوتي القسرية حين اقتربت من نفسي أكثر، واستمعت إلى بعض همسها، وتخففت من ضجيج الناس.
من الحرية أن تكون أنت أنت ولست غيرك.
التغيير طبع: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35]، ولذا قالوا لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة:61]، التنويع في المأكل والمشرب والملبس والتنقل مصدر للمتعة لدى الإنسان.
ومقاومة التغيير طبع، وهل يمكن تغيير الطبع؟
يقولون لك: (يستطيع الذئب تغيير جلده ولا يستطيع تغيير طبعه)، و(اطرد الطبع من الباب يدخل من الشباك)، و(الطبع أغلب) و:
وَكُلٌّ يَرَى طُرُقَ الشَّجَاعةِ وَالنَّدَى *** وَلَكَنَّ طَبْعَ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ قَائِدُ
جميل قطعًا أن تكون مطبوعًا على الفضائل ميَّالًا إليها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لأَشَجِّ عبدالقَيْس: «فيك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة». قال: أكانا فيّ أم حدثا؟ قال: «بل قديمٌ». قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب.
على أن (تهذيب) الطباع مقدور عليه بالمجاهدة والصبر الطويل والمعرفة، وليس طبع الإنسان كغريزة الحيوان التي لا ينفك عنها، كالافتراس في الأسد واللَّدغ في العقرب!
يحكى أن أعرابية أخذت جرو ذئب وربته وسقته من لبن شاتها فلما كبر عدا على الشاة فبقر بطنها، فجزعت لذلك وأنشأت تقول:
بقرت شويهتي وفجعت قلبي *** وأنت لشاتنا ولدٌ ربيب
جحدت جميلنا ونشأت فينا *** فما أدراك أن أباك ذيب؟!
إذا كان الطباع طباع سوءٍ *** فلا أدبٌ يفيد ولا أديب!
الأعرابية خلطت بين الغريزة الراسخة التي لا تتبدل وبين الطبع العارض القابل للتحويل والتعديل، ولعلها أخطأت من شدة الألم!
قال أبو الدرداء -رضي الله عنه- وغيره: «الحلم بالتحلُّم والعلم بالتعلُّم، ومَن يتحرَّ الخير يعطه، ومَن يتوقّ الشر يوقه».
وفي «الصحيح» عن أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَن يستعفف يعفّه الله، ومَن يستغن يغنه الله، ومَن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
الندم والتأسف على الفائت طبع: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31]، وليس هذا عائقًا عن التدارك ومدافعة القدر بالقدر.
اشتهاء الممنوع طبع: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: 121]، والممانعة شرع، قال عمر بن عبدالعزيز: (ألذ شيء هوى وافق شرعا)، وطوبى لمَن كان هواه تبعًا لما جاء به الوحي.
الأُنس بالإنس طبع: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]، فالإنسان كائن مدني اجتماعي، والبشر يتفاوتون في حبِّهم للاختلاط أو الانفراد، عاش الأبوان على الأرض ولم يكن فيها أنيس سواهما، وعيونهما على المستقبل: الذرية والإعمار.
شرَّع لنا الأبوان التعايش مع المختلف والمناقض، وتبادل المنافع والمعارف: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
العجلة طبع: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]، يُروى أن آدم عليه السلام همَّ أن يقوم قبل اكتمال نفخ الروح فيه!
التدريب والتجربة والخبرة والسِّن تمنح قدرًا من الأَنَاة لعجول مثلي!
البراءة في آدم عليه السلام طبع: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 21- 22]، لقد ظنوا أَلَّا أحد يقسم بـالله كاذبًا!
العفوية والانطلاق على السجية دون تكلف: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22]، تصرف مباشر يستجيب للحاجة الطارئة دون تطويل أو تردد.
تختفي شخصية الإنسان وموهبته حين يعتاد على لبس الأقنعة، وتطغى عليه شخصيات الآخرين من حوله.
حب الحياة طبع: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: 120]، وكلنا نكره الموت كما قالت عائشة -رضي الله عنها-، وجمال الحياة حين تستشعر معناها ورسالتها، حين تستمتع بالعطاء.
حب الاستطلاع والتساؤل طبع: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ﴾ [طه: 120]، ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: 20]، المعرفة كنز، والفضول ليس من المعرفة، أي قيمة لاشتغال الإنسان ودخوله فيما لا يعنيه.
الانفعالية والاندماج في حدث ما (مؤلم مثلًا) حتى يتوقف عن معايشة الحياة، أو التعاطي الرشيد معه دون استسلام، نموذجان إنسانيان، الأبوان عَبَرَا قصة الشجرة، فالهبوط، والغربة، ومواجهة تحديات الحياة، وخلافات الأبناء..
قضايا اليوم في عالم العروبة والإسلام فجائع لا تحكيها مفردات اللغة، والتعاطي الرشيد معها ضرورة إنسانية وواجب شرعي وانتماء وطني، وليس من ذلك أن نفقد صوابنا ونتحول إلى كائنات مكتئبة، أو عدمية، أو يائسة، أو أن نطالب بإيقاف عجلة الحياة!
الفعالية والطاقة طبع يتفاوت فيه البشر، فيهم الجَلْد القوي المولع بالحراك، ينتهي من عمل ليشرع في آخر، ويمنح الطاقة لمَن حوله، وفيهم البليد الكسول الذي إن تُرِك تَرَك.
التسامح والتعافي والتجاوز طبعٌ حسنٌ يحرِّرك من قيود الحقد والانتقام والتربص، وما أعظم أن يستطيع المرء قراءة طباعه وشخصيته، وما أجمل أن يكون كما حكى أبو ماضي:
حُرٌّ وَمَذهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبِي *** مَا كُنْتُ بِالْغَاوِي وَلَا المُتَعَصِّبِ
تَأْبَى طِبَاعِي أَن تَمِيلَ إِلَى الأَذَى *** حُبُّ الأَذِيَّةِ مِن طِبَاعِ العَقرَبِ
لِي أَن أَرُدَّ مَسَاءَةً بِمَسَاءَةٍ *** لَوْ أَنَّنِي أَرْضَى بِبَرقٍ خُلَّبِ
حَسْبُ المُسِيءِ شُعُورُهُ وَمَقالُهُ *** فِي سِرِّهِ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُذنِبِ
إِنِّي إِذَا نَزَلَ البَلَاءُ بِصَاحِبِي *** دَافَعْتُ عَنْهُ بِنَاجِذِي وَبِمِخلَبِي
وَأَرَى مَسَاوِءَهُ كَأَنِّيَ لَا أَرَى *** وَأَرَى مَحَاسِنَهُ وَإِنْ لَمْ تُكْتَبِ
وَأَلُومُ نَفْسِي قَبْلَهُ إِنْ أَخْطَأَتْ *** وَإِذَا أَسَاءَ إلى لَمْ أَتَعَتَّبِ
مُتَقَرِّبٌ مِن صَاحِبِي فَإِذَا مَشَتْ *** فِي عَطْفِهِ الغَلْوَاءُ لَمْ أَتَقَرَّبِ
هل أتاك حديث غزة!!
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق عكاشة عن غزة بعنوان "غزة في القلب". فيه قابلت بالصدفة... اقرأ المزيد
150
| 07 مايو 2026
كلمات سمو الشيخة موزا وفرحة التخرج
•جاء شهر مايو حاملاً فرحة التخرج، مع احتفالات الجامعات في دولة قطر، وفي مقدمتها حفل تخريج مؤسسة قطر... اقرأ المزيد
126
| 07 مايو 2026
بين البناء والانهيار.. المؤسسات البابلية.. التاريخ والرمز
ليست كل التجارب التاريخية تُقرأ بمعناها الظاهر، فبعض الحضارات- ومنها بابل- تُقدَّم في الوعي الإنساني على مستويين: مستوى... اقرأ المزيد
132
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2295
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
816
| 03 مايو 2026