رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحت شعار مكافحة الإرهاب بدأت روسيا الأسبوع الماضي في توجيه ضربات جوية لأهداف سورية، في خطوة تصعيدية خطيرة ليس فقط بالنسبة لأنظمة وبلدان الشرق الأوسط، ولكن بالنسبة للقوى الأوروبية وأمريكا أيضاً. فالتدخل الروسي يشير بوضوح إلى تخطي الروس لحدود القوة المعترف بها، كما يتضمن الشروع في تغيير ملامح نظام دولى استقر على أسس معينة منذ نهاية الحرب الباردة، الأخطر أن مخاض هذا التغيير ينطلق هذه المرة من الشرق الأوسط، معمل السياسة الدولية، ومحل اختبار مقدرة أى قوة تطمح إلى تعديل موقعها في هيكل النظام الدولي.
هذا وقد أخذ التدخل الروسي شكل استعراض القوة وليس فقط مواجهة من تسميهم روسيا الجماعات الإرهابية، فوفقا لما نشرته وكالات الأنباء أرسلت موسكو العديد من الأسلحة المتطورة وأسراب المقاتلات التي تستخدم في القصف الجوي الجوي، فضلاً عن صواريخ لمواجهة بطاريات المضادات الجوية، ومن المعلوم أن تنظيم الدولة الذي تدعي روسيا تدخلها من أجل القضاء عليه، لا يمتلك قوات جوية ولا طائرات، الأمر الذي يثير التساؤل حول الغرض الذي من أجله ترسل موسكو بهذه الترسانة المتطورة إلى المنطقة.
ورغم خطورة الخطوة الروسية إلا أنها قوبلت بموقف أوروبي مفكك، ورد فعل أمريكي ضعيف. وعلى حد البعض فإن ردود الأفعال الأوروبية تبدو في هذه الأزمة شبيهة بردود أفعال العالم العربي إزاء الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين، فهي تعكس نفس الحالة من العجز والتردد وقلة الحيلة. وتكاد تتمحور حول الاستنكار والشجب، على سبيل المثال، اكتفى حلف شمال الأطلنطي بالتنديد بالخطوات الروسية، داعيا روسيا إلى الوقف الفوري لهجماتها ضد المعارضة السورية والمدنيين. أما بريطانيا فوصفت السلوك الروسي بأنه يهدد النظام الدولي، مضيفة بأن روسيا لا تحترم الأعراف الدبلوماسية. أما فرنسا فلم تستطع إلا أن تطالب بتركيز الضربات الروسية بحيث تستهدف فقط تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات التي تعتبر إرهابية مثل جبهة النصرة، أما الحكومة الألمانية فقد أعربت عن "تشككها" إزاء صحة البيانات الروسية بشأن أهداف الهجمات التي يشنها السلاح الجوي الروسي في سوريا، مطالبة بأن تطابق روسيا بين أقوالها وأفعالها!
أما الموقف الأمريكي، والذي يستحق مقالاً منفردا لما يثيره من علامات استفهام، فقد اكتفى بالتحذير من أن تؤدي الحملة العسكرية الروسية في سوريا إلى "كارثة مؤكدة"، نظرا لأن موسكو لا تفرق بين تنظيم الدولة "والمعارضة المعتدلة". ولكن رئيس الدولة الأقوى في العالم سارع بالاستدراك بأن واشنطن وموسكو لن تخوضا "حربا بالوكالة" بسبب هذا الخلاف.
بالنسبة لدراسي العلاقات الدولية ترسم هذه التفاصيل جزءا كبيرا من ملامح النظام الدولي في المرحلة المقبلة، فمن راهنوا على إمكانية تشكل قطب أوروبي يبدون الآن أكثر اقتناعا بأنهم قد بالغوا قليلاً، فأوروبا الموحدة مازالت بعيدة عن أن تشكل قطبا دوليا فاعلاً. حيث يبدو أن تبعيتها لأمريكا قد سلبتها الكثير من عناصر قوتها. فرغم رفض بعض الأطراف الأوروبية للتدخل الروسي، إلا أن هذه الأطراف أضعف من أن تؤثر على سلوك موسكو أو أن تردعه.
عدم تأهل أوروبا أوروبا لمواجهة مشاكل النظام الدولي يظهر أن مشاريع الوحدة الإقليمية لا تترجم على نحو تلقائي إلى ممارسة للنفوذ العالمي ما لم تصحبها رؤية واضحة لطبيعة الدور الذي يتعين القيام به. فأوروبا الموحدة صاحبة أحد أقوى الاقتصادات في العالم، لا تستطيع الاستفادة من قوتها الاقتصادية لردع الاستقواء الروسي الذي لم يتوقف عند الحدود الأوكرانية، كما هي عاجزة عن أن تمنع الروس من زيادة فوضى الشرق الأوسط، وهي الفوضى التي ثبت بالتجربة (من خلال أزمة اللاجئين) أنها قابلة للتصدير إلى الغرب. ما يؤكد أن القوة الناعمة التي تبنتها النخب الأوروبية اختيارا أو اضطرارا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد لا تجدي نفعا مع سياسات القوة التي تمارسها موسكو.
من الدروس المستفادة أيضاً أن الدول الكبرى لا تكتسب مواقعها في هيكل النظام الدولي من مجرد حيازة مقدرات القوة، ولكن من رغبتها واستعدادها لاستخدام هذه المقدرات لتحقيق مصالحها، وبتطبيق هذا على السلوك الأمريكي الحالي يظهر أنه يعاني من تراجع واضح. والتراجع الأمريكي لا يشير إلى تراجع في القوة العسكرية، فمازالت أمريكا صاحبة أقوى جيش في العالم، ولكن إلى تراجع في قدرتها على بلورة استراتيجية محددة في الشرق الأوسط، فأمريكا لا تبدو قادرة على تحديد طريقة مناسبة لاستخدام قوتها. وهو ما حاولت الإدارة الحالية أن تعوضه من خلال الانكفاء على الداخل طوال فترتين رئاسيتين.
أما روسيا فرغم كونها ليست الأقوى بمعايير القوة المجردة إلا أنها تبدو صاحبة الصوت الأعلى بفعل نوعية السياسات التي تتبناها، صحيح أن هذه السياسات تقيم جدارا من الريبة بينها وبين دول العالم الأخرى. ولكنها تمثل أسلوب روسيا المفضل للحركة الخارجية. فلم يعرف عن الروس التشدق بحقوق الإنسان، وهم لا يجيدون ذلك حتى إذا أرادوه، كما لا يستطيع بوتن أن يظهر بمظهر مكافح الإرهاب، فقط اعتبارات المصلحة الجيوستراتيجية هي التي تحكم القرار الروسي. وفيما يتعلق بالأزمة الأخيرة فإن ما تفعله روسيا ببساطة هو أنها تحاول الحفاظ على مجالها الحيوي ومصالحها، حتى لو ترتب على ذلك أن تتورط فيما يشبه الحرب الأهلية.
من المهم في النهاية تذكير من كانوا يعولون على روسيا للوقوف ضد المخططات الأمريكية لتفكيك المنطقة، ويستشهدون بموقفها الرافض للتدخل الأمريكي في الأزمة الليبية بخطأ حساباتهم. فاليوم تتدخل روسيا بقوتها المباشرة، وبدون تفويض دولي في نزاع إقليمي، يساهم في زيادة الفوضى بالمنطقة، ما يؤكد على أن عناصر الاستمرارية تفوق عناصر التغير فيما يتعلق بطبيعة منظومة العلاقات الدولية، وأن قواعد اللعبة الدولية مازالت تجري وفقا للمنطق البسيط الذي أرسته المدرسة الواقعية أو مدرسة القوة.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2326
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
942
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
834
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026