رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من حق الرئيس محمود عباس أن يستقيل من رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن رئاسة السلطة الفلسطينية، وشكره على ذلك، وقبول الاستقالة على ظاهرها، ونتخادع ولا نعتبرها مناورة سياسية، وأن نشجعه على المضي فيها وعدم سحبها. يعرف الرئيس عباس ومؤيدوه ومعارضوه أيضاً أن الوضع الفلسطيني دخل حالة من التكلس القاتل، وأن أحد أهم أسباب هذا التكلس هو تعفن الطبقة القيادية التي ظلت على رأس الهرم السياسي والنضالي الفلسطيني منذ أن انطلقت الثورة الفلسطينية بشكلها الحديث في أواسط الستينيات من القرن الماضي.
يعرف الجميع أيضاً أن متوسط أعمار هذه الطبقة يتجاوز الثمانين عاماً، وأن جلهم ممن كانوا في العشرينيات من العمر ورافقوا بدايات النضال الفلسطيني، آن لهم أن يترجلوا ويتركوا لغيرهم قيادة المشهد. لا يخترع أحد العجلة من جديد عندما يقول إن استمرار القيادات لعشرات السنين في مواقعها لا يعني سوى التعفن، فهذه ملاحظة انتقلت من مربع التنبؤ الاجتماعي والسياسي وصارت قاعدة تنتمي إلى قوانين الفيزياء والرياضيات. حتى القادة التاريخيين العظام الذين غيروا مسارات ومستقبلات بلدانهم تنحوا جانباً، وتركوا للدماء الجديدة أن تجري في عروق بلدانهم ومجتمعاتهم وناسهم.
في الطبقة القيادية السياسية الفلسطينية الثمانينية العمر والتي تعاني من كل أنواع الأمراض السياسية والجسدية أيضا، ليس هناك وينستون تشرتشل هزم النازية وأنقذ بلاده من كارثة الوقوع تحت احتلالها، وليس هناك شارل ديغول أيضا، ولا نيلسون مانديلا بعظمته التاريخية والنضالية والإنسانية. هؤلاء جميعا قاموا بنصيبهم في القيادة ثم ودعوا كراسيها الأثيرة برفعة ورجولة. على الرئيس عباس أن يقتدي بهؤلاء ويسلم الأمانة مشكوراً.
من ناحية سياسية بحتة وبتحليل بارد تحولت السلطة الفلسطينية ومشروع أوسلو برئاستها الحالية إلى منحة سماوية لإسرائيل، لأنها تحقق ديمومة الوضع القائم بشكل مذهل، وهو وضع تعتاش عليه إسرائيل الآن بحبور وارتياح، ويمكن أن تعتاش عليه إلى ما لا نهاية. الوضع القائم يعني أن إسرائيل لا علاقة لها بأكلاف الاحتلال الكولونيالي الذي تفرضه على فلسطين والفلسطينيين وبكونها القوة الاحتلالية من وجهة نظر القانون الدولي، بل تحيل تلك الأكلاف إلى الشعب الواقع تحت الاحتلال ليقوم بالوظائف الحياتية، ولتتصارع فئاته على من يقوم بتلك الوظائف. في الوقت نفسه تبقى القضايا الكبرى مثل السيادة، والقدس، والحدود، واللاجئين، معلقة في سقف المستقبل والأوهام المزروعة في الهواء. هذه القضايا كان من المُفترض أن تكون قد حسمت سنة 1999 مع انتهاء المرحلة الانتقالية من اتفاق أوسلو، وأن تكون قد قامت بعدها الدولة الفلسطينية. عوضا عن ذلك لنتأمل ما حدث ومن منظور تحليلي واسع، يقارن الحالة الفلسطينية بحالات التحرر والاستقلال الوطني التي أعقبت مرحلة التخلص من الاستعمار في آسيا وإفريقيا وغيرها.
أولاً، في كل عملية تفاوض بين حركة تحرر وقوة استعمارية كان الهدف واضحا وكان الإطار الزمني واضح، بحيث لا تبقى عملية التفاوض قائمة إلى الأبد، ولا يتغير الهدف. فلسطينيا، وأوسلوياً، لم يكن هناك هدف واحد واضح هو التحرر الوطني وعودة أمور ما قبل الاحتلال إلى نصابها، بل تم تفكيك ذلك إلى مجموعة من الأهداف، القضايا الأساسية التي تم ذكرها، والتي تليها الدولة المفترضة. أتاح هذا للعدو أن يفاوض على كل هدف من الأهداف، ويتلاعب بها، ويعد بتقديم تنازل هنا، مقابل تخل عن هدف هناك. وهذا ورط الحالة الفلسطينية في مسألة التفاوض اللانهائي التي شهدناها.
ثانياً، لم يكن هناك أي سقف زمني للتفاوض، بل ثبت أن لا سقف هناك أساساً، واكتشف الفلسطينيون أن القيادة الفلسطينية تفاوض تحت شعار "الحياة مفاوضات". وفي حالة كهذه يسعد الخصم طبعا ولا يكون هناك أي ضغط حقيقي. مقابل ذلك أجهضت كل مشروعات مقاومة الاحتلال أو تحولت طاقتها إلى قتال داخلي.
ثالثاً، تمكنت إسرائيل خلال سنوات أوسلو العقيمة من ربط الاقتصاد الفلسطيني والطبقة المنتجة فلسطينيا فضلا عن الجزء الأكبر من القيادة السياسية نفسها بمنظومة السيطرة والامتيازات الإسرائيلية، وبالتالي تم شل هذه الأجزاء الفاعلة من المجتمع الفلسطيني وصارت مرتبطة حكماً وعضوياً بالمحتل نفسه.
رابعاً، بسبب تعدد الأهداف ثم غموضها ثم وقوعها في لعبة التنازلات والتخلي والمبادلات، انشق الصف الوطني الفلسطيني رأسياً، وقدم الغباء الفصائلي التنافسي على فتات السلطة الوظيفية، وتحديداً الحمساوي ـ الفتحاوي، هدية سماوية أخرى لإسرائيل تمثلت في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وخلق انقسام ظلت شقته تتسع مع السنوات، وتخدم إسرائيل يومياً.
خامساً، انخرطت السلطة الفلسطينية التي كان من المفترض أن تكون مؤقتة ولمدة خمس سنوات فقط في الشرك الإسرائيلي الذي كان يغريها بسراب الأهداف الجزئية التي يمكن أن تحققها، أن أثبتت حسن سلوكها. وبهذا انفصل مسارها عن مسار كل حركات التحرر السابقة التي لم تقبل أن تُمنح شهادة حسن سلوك من مستعمرها تؤهلها لأن تكون قيادة لبلدها وشعبها. الشرك الإسرائيلي في نظام أوسلو تمثل في وضع تفاحة معلقة بالهواء ودرجات سُلم على السلطة أن تصعده كي تصل إليها. كلما صعدت السلطة درجة، أحرقت إسرائيل تلك الدرجة فما عاد بإمكان السلطة العودة إلى الوراء والهبوط على الأرض. بقيت السلطة تصعد في الهواء الفارغ بحثا عن السراب، ودرجات السلم تُحرق من تحتها. كانت إسرائيل تريد أن تصل بالسلطة إلى ما وصلت إليه الآن، جزء لا يمكن خلعه من حقيقة الوضع القائم، حتى لو قرر القائمون عليها التخلي عنها. لهذا، أصبحت الدعوة إلى حل السلطة الفلسطينية والتخلي عنها تُقابل إما بالاستهجان، أو بالتحليل "الموضوعي" الذي يقول باستحالة ذلك بسبب اعتماد ثلث الفلسطينيين عليها أو ما إلى ذلك من تبريرات.
خامساً، وكصورة تقريبية فعالة أكثر لها علاقة بتشتت الأهداف، فإن نظام أوسلو قاد السلطة في نهاية المطاف إلى وضع يشبه وضع فريقي كرة قدم يلعبان من ناحية افتراضية ضد بعضهما البعض، السلطة وإسرائيل. إسرائيل تسجل أهدافا يومياً في مرمى السلطة، والسلطة العتيدة تجري وراء الكرة في طول وعرض الملعب من دون تسجيل أهداف، والسبب ببساطة أن إسرائيل لم تسمح أساساً ببناء مرمى في ملعبها! هكذا هو وضع السلطة ورئاستها وعلى رأسها الرئيس عباس في المعركة مع إسرائيل، ركض باتجاه ملعب العدو الذي ليس فيه مرمى للتسجيل أصلا!.
سادساً، خلال تلك المسيرة المريرة، عبر أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، وعلى خلاف مع كل نواتج حركات التحرر والاستقلال في العالم الحديث، أنتج الوضع الفلسطيني حالة فريدة تتمثل في "الفساد قبل الدولة". في معظم حالات التحرر قامت الدولة ثم جاء الفساد، وبعده انخرطت القوى المحلية في إعادة بناء الدولة المستقلة على أسس ديمقراطية ومشاركة سياسية تقضي على الفساد الذي دب بعد الاستقلال. في الحالة الفلسطينية جاءنا الفساد قبل أن تقوم الدولة، وهذا جانب آخر من جوانب عبقرية أوسلو، التي شلت الشعب واستنزفت طاقاته في كل الاتجاهات التي ليس فيها أهداف حقيقية.
بسبب النقاط تلك، وهي جزء من قائمة أطول، يكثف جون كيري وزير الخارجية الأمريكية ضغوطه على الرئيس عباس كي لا يستقيل، ويصرح نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه مستعد للقاء عباس. كل ذلك كي يرجوه في البقاء صاعدا على السلم في الفراغ، والركض في ملعب كرة القدم الذي لا مرمى فيه. سيادة الرئيس "خيب آمالهم واستقيل!".
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1450
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
547
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3192
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1233
| 01 أكتوبر 2026