رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشكيل الحكومة المصرية الجديدة يثير أكثر من سؤال حول وجهتها ومشروعها، الأمر الذي يحتاج إلى مناقشة ومراجعة، ذلك أن البدايات مهمة لا ريب، إلا أن المآلات أهم.
(1)
لقد رحبت بتشكيل الحكومة باعتبارها مولودا جديدا. رغم أننا لم نسمه ولم نعرف له ملامح بعد. وتمنيت أن تكون الخطوة قرينة على نقل السلطة من المجلس العسكري إلى المدنيين. كما اعتبرتها بمثابة حكومة الحد الأدنى التي كانت الخبرة العنصر الأهم في تشكيلها وليس الهوية السياسية. وإذ قدرت واحترمت تحفظات الإخوان والسلفيين وبعض ممثلي الجماعات السياسية على ما قلت، إلا أن أكثر ما أثار انتباهي في أصداء تشكيل الحكومة أن أغلب المعلقين اهتموا بلونها بأكثر من اهتمامهم بدورها. أعني أنهم شغلوا بحصة الإخوان والملتزمين دينيا ومن غاب ومن حضر فيها بأكثر مما شغلوا بمهمتها ومشروعها. الأمر الذي يعد كاشفا عن أحد أمراض البيئة السياسية الراهنة في مصر، حيث القوى السياسية مشغولة بحضورها وأنصبتها بأكثر من انشغالها بهموم المجتمع وتحدياته الحقيقية. تشهد بذلك العناوين التي ما برحت تثير الصخب واللغط طوال الأشهر الماضية، والتي ظلت تجسد مشكلات المثقفين وصراعاتهم المنفصلة عن مشكلات الناس. أعني المعارك التي أثيرت حول التعديلات الدستورية، والدستور أولا أم الانتخابات أولا، وحدود التوافق وشروطه، والدولة الدينية والمدنية، ونسب التمثيل في تأسيسية وضع الدستور. كما يشهد به سيل الطعون القانونية التي لم تسلم منها أية خطوة أو إجراء اتخذ.
لقد قلت لمن سألني إن تشكيل الحكومة يمثل نجاحا بدرجة «مقبول» في اختبار تأسيس النظام الجديد، لكننا لن نستطيع أن نرفع من تقديرنا لها إلا إذا عرفنا إلى أين هي ذاهبة وماذا ستفعل. أضفت أن التشكيل الراهن إذا كان قد تجنب بصورة نسبية إغضاب الكتل السياسية، فأتى بوزراء أغلبهم من خارج السياسة، فإن الحكومة ينبغي أن تسعى من خلال أدائها إلى استرضاء الناس وتهدئة خواطرهم، لأن تلك مسؤوليتها الحقيقية، فضلا عن أن مصيرها والحكم النهائي عليها مرهون بمدى وفائها باستحقاقات تلك المسؤولية.
(2)
لو أن مبارك أراد أن ينقذ نظامه بعدما أدرك أنه آيل للسقوط، فربما فكر بدوره في تشكيل حكومة كتلك التي أطلت علينا في مصر أخيرا. أعني أن يأتي بفريق من خارج السياسة أغلبه من الخبراء، ويطعمهم بعناصر من الإخوان، فيهدئ الشارع ويدغدغ مشاعر الأخيرين. وقد فعل اللواء عمر سليمان شيئا من ذلك، بعد تعيينه نائبا للرئيس. حين نظم جهاز أمن الدولة اجتماعا له مع بعض السياسيين وكان بينهم عدد من الإسلاميين والإخوان الذين يكن لهم الرجل بغضا شديدا. الاحتمال بعيد لأن الرجل كان غارقا في عالمه الخاص وواثقا من سيطرة الأجهزة الأمنية على كل شيء في البلد، لكنني أطرحه من باب الجدل لكي أصل إلى سؤال آخر هو، ما الفرق في هذه الحالة بين حكومة الخبراء المعدلة والمحسنة التي كان يمكن أن يأتي بها مبارك وبين الحكومة الجديدة التي أفرزتها الثورة؟ ــ ردي على السؤال أن الحكومة قد تتطابق حتما حيث الخبراء جاهزون للقيام بالواجب في الحالتين، لكن الفرق الأساسي يتمثل في مشروع كل من الحكومتين. إذ لابد أن يكون الفرق شاسعا بين حكومة خبراء في نظام تابع ومستبد وفاسد، وحكومة مماثلة في نظام يسعى للاستقلال ويقوم على أساس ديمقراطي فضلا عن أنه رافض للفساد ومتطهر منه. ثم إن هناك فرقا مهما بين نظام مهجوس بالاستمرار في السلطة ونظام آخر يتولى الرئاسة فيه عضو سابق في جماعة الإخوان التي تمثل مع إسلاميين آخرين أغلبية في برلمانه المنتخب، حيث يفترض أن له رسالة تستند إلى مرجعيته الدينية.
مثل هذه الفروق ينبغي أن تكون واضحة ومحسومة في برنامج وأداء الحكومة الجديدة. وقبل ذلك ينبغي أن تتحقق بذات الدرجة من الوضوح والحسم في خطاب الرئيس محمد مرسي. فنحن لا نريد حكومة همها الاستمرار وموصوفة فقط بجودة الأداء ونظافة اليد، وملتحية كما قال البعض، ولكننا نريد حكومة تتمتع برؤية واعية لكرامة الوطن والمواطنين ومنحازة بوجه أخص إلى عافية الوطن وفقراء المواطنين.
في الأول من شهر أغسطس الحالي نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا لمندوبها إلى القاهرة رود فوردلاند قال فيه إن حكومة الإخوان لم تتخذ أي خطوة إسلامية واحدة. إذ «لا يزال بيع واستهلاك الكحول مباحا، الأمر الذي كان يقلق المشتغلين بالسياحة. ولم يدع أحد من أركان الدوائر الحاكمة إلى فرض الحجاب أو حظر موسيقى البوب أو إعادة النظر في اتفاقية السلام مع إسرائيل».
صاحبنا هذا لم ير في الأداء الإسلامي سوى مجموعة من القيود والمحظورات في الداخل، إلى جانب خوض مختلف المعارك في الخارج، وهي ذات النظرة الاستشرافية التي يتبناها بعض المثقفين والسياسيين المصريين والعرب. الذين لم يروا في خطاب الإسلاميين سوى أتفه وأتعس ما فيه. ومنهم من لا يريد أن يرى فضيلة أو بادرة نُضج في ذلك الخطاب توحي بأن ثمة شيئا إيجابيا يمكن المراهنة عليه في مجمل مشروعهم.
لست ألوم حسني النية من هؤلاء، لكني أزعم أن اللوم ينبغي أن يوجه إلى الذين لم يحسنوا تقديم مشروعهم. وأساءوا إليه حين اختزلوه أو ابتذلوه في السعي لتغيير أشكال الناس وأزيائهم أو تطبيق الحدود ومراقبة سلوكيات الخلق، أو النضال لإحلال لافتة الخلافة محل عنوان الجمهورية أو الملكية...الخ.
(3)
انتقدني أيضا بعض الإخوان حين قلت أخيرا إنهم ليسوا جاهزين لتولي مسؤولية الحكم، وهو رأي ليس جديدا عبرت عنه أكثر من مرة. وعاتبني بعض السلفيين لأنني قلت إنهم غير مقبولين من شرائح واسعة في المجتمع، لأنهم لم يحسنوا تقديم أنفسهم. وهم بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من أفكارهم التي تصوغ علاقتهم بغيرهم. وحين شرحت وجهة نظري فيما قلت، دعوت إلى الكف عن تبادل النقد ومحاولة الالتقاء حول أرضية مشتركة تجمع ولا تفرق، وتصل ما انقطع بين عناصر الجماعة الوطنية. وأزعم أن ذلك المشترك لم يتوفر بعد، وأذهب في ذلك إلى أن مشروع «النهضة» الذي بذل فيه الإخوان الكثير من الجهد لا يلبي تلك الحاجة الملحة.
إذا جاز لي أن ألخص رأيي في ذلك المشروع فإنني أوجزه في أمرين جوهريين، الأول أنه يفتقد إلى الخيال والإبداع، بمعنى أنه في أفضل أحواله يسعى إلى تحسين ما هو موجود واقتباس خبرات الآخرين، دون أن يبلور جديدا نابعا من بيئة المجتمع وعمقه، ومستلهما قيم المرجعية الإسلامية التي يستند إليها. إن شئت فقل إنه يعتمد على الاقتباس والاستنساخ بأكثر مما يجتهد في إبداع الأفكار والتجارب (كما هو الحاصل مثلا بالنسبة للخصخصة وتحرير التجارة وتشجيع الاستثمار الأجنبي). وذلك لا يعني بأي حال القطيعة مع الآخرين، ولكنه يعني الإفادة من الآخرين في استنباط خبرات تنسجم مع الواقع وتعبر عنه.
تجسد المعنى الذي أتحدث عنه فكرة بنك الفقراء، التي نفذت في بنجلاديش واستفادت من مشروع النظام المصرفي الذي هو خبرة غربية بامتياز، ولكنه وظفها لصالح إقراض الفقراء وتحفيز طاقاتهم الإنتاجية في بلد فقير، ولم يوجهها لصالح الأثرياء والمستثمرين.
ملاحظتي الثانية على مشروع النهضة أنه لم يوجه عناية كافية لقضية العدل الاجتماعي، التي لها في المرجعية الإسلامية جذور قوية للغاية. فنصوص القرآن تعتبر المال مال الله، وأن الناس مستخلفون فيه لأجل عمارة الكون، ثم إن للفقراء فيه حقا يتعين أداؤه، في الوقت الذي يحظر فيه احتكار الأغنياء للثروة أو استئثارهم بها. إلى غير ذلك من المعاني الجليلة، التي لم نرها واضحة في أفكار مشروع النهضة.
(4)
أزعم أن قضية العدالة الاجتماعية يمكن أن تشكل الأرضية المشتركة التي تحقق لنا هدفين كبيرين في آن واحد. من ناحية لأنها محل إجماع وطني من جانب مختلف القوى باختلاف مرجعياتهم الإسلامية والليبرالية واليسارية. من ناحية ثانية، فإن عائدها يصب في صالح الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن. والهدف الأول مهم والثاني أهم.
الزكاة مهمة لا ريب وهي تستر ملايين المعوزين، والأوقاف بذات الدرجة من الأهمية لأنها ظلت إحدى الوسائل الفعالة في تحقيق التنمية الاجتماعية في التاريخ الإسلامي. لكن الضرائب التصاعدية فكرة مهمة في الخبرة الغربية لها أسهامها في تقريب الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما أن بنوك الفقراء إبداع جيد يمكن الإفادة منه، والمشروعات التعاونية إبداع آخر حبذا لو جرى تعميمه وإحسان تطبيقه. كما أن الصناعات الصغيرة والصناعات التقليدية، والتصنيع الزراعي. هذه كلها فضاءات تشمل قطاعات عريضة من المجتمع. وتحريكها وتنشيطها من شأنه أن يضفي حيوية على خلايا المجتمع، ومن ثم يحوله إلى ورشة عمل واسعة تحرك ما يعتوره من بطالة وركود وتخلف.
إن القضية التي تستحق دراسة جادة من جانب أهل الخبرة والاختصاص هي كيف يمكن أن تتحول إمكانات المجتمع إلى فرص للتنمية؟ وكيف يمكن أن ننتقل من مجتمع المستهلكين الخاملين، إلى مجتمع المنتجين المثابرين. والتفكير في الموضوع من هذه الزاوية يتطلب وعيا ورؤية وعزيمة مخلصة تسعى للنهوض بالوطن والمواطن. أما الحلول الجاهزة المستوردة ومشروعات تسليم المفتاح، فهي إذا لم تعبر عن الكسل العقلي والفقر في الإبداع، فإنها تخدم مصالح فئات من المنتفعين، الذين لا يشغلهم الوطن أو المواطن في شيء، ومصالحهم فوق كل شيء.
إن تفكيرا بهذه الطريقة هو أحد الفروق الأساسية بين حكومة الخبراء التي يشكلها مبارك وبين حكومة الخبراء التي تشكلت في ظل الثورة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3657
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3123
| 30 أكتوبر 2026