رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر بحاجة إلى ائتلاف بين الجميع لا يقصي أحدا ويرفع شعار الوطن أولا
لا خشية من كثرة الأحزاب في مصر بعدما تجاوزنا زمن المحظوظ منها والمحظور، لكن ما ينبغي أن يقلقنا أن يصبح ذلك بابا للاختلاف وليس الائتلاف.
(1)
في صحف الأسبوع الماضي أن مائة ائتلاف لشباب الثورة شاركوا في الحوار الذي تم مع أعضاء المجلس العسكري (الأهرام 2/6) وفي قول آخر إن 23 ائتلافا رفضوا الحوار وإن 70 حركة أبدت ملاحظات على الدعوة التي وجهها المجلس (المصري اليوم 2/6).
وفي صحيفة «الأهرام» التي صدرت في الأول من شهر يونيو الحالي أن بعض الائتلافات فرخت أجنحة انشقت عنها. فعرفنا أن «اتحاد شباب الثورة» خرج من جناح عبدالرازق عيد الذي أيد المشاركة في الحوار في حين أن جناح حمادة الكاشف في الاتحاد ذاته قاطعه. وإن حملة دعم الدكتور البرادعي خرج من عباءتها أحمد عزت الذي شارك في الحوار أما جناح زياد العليمي فقد قاطعه، وإن جبهة أحمد ماهر التي خرجت من حركة 6 أبريل تحفظت على الحوار في حين أن جناح عمرو عزت المنسوب إلى الحركة ذاتها قاطعه.
في إشارة الأهرام إلى المجموعات التي أيدت الحوار وشاركت فيه وقعت على العناوين التالية: جبهة اتحاد الطلاب الديموقراطية - تكتل الجمهورية لدعم الثورة - اتحاد المناطق الشعبية - مجلس أمناء الثورة - جبهة الثوار الأحرار - ائتلاف الشباب الأحرار - تحالف ثوار مصر - ائتلاف ثورة مصر الحرة - ائتلاف الوعي المصري - الجبهة الحرة للتغيير السلمي... الخ (الأهرام 1/6).
إلى جانب مجموعات الشباب الذين يتبنون مبادئ الثورة وأهدافها، فهناك قائمة أخرى تضم أحزابا جديدة تتمحور شعاراتها حول الديموقراطية والليبرالية والاشتراكية، وهذه القائمة تضاف إليها أحزاب جديدة كل حين، ومن الأسماء التي تم تداولها حتى الآن أحزاب العدل - المصريون الأحرار - المصري الاجتماعي الديموقراطي الحر - الحضارة - حزب التحرير - إضافة إلى 3 أحزاب يسارية هي: التحالف الشعبي الاشتراكي - حزب العمال الديموقراطي - الحزب الاشتراكي المصري.
(2)
الاندفاع نحو تشكيل الأحزاب بدا أكثر وضوحا في محيط ذوي المرجعية الإسلامية، خصوصا تلك التي عانت من الحظر وظلت تعمل في الظلام أو مدفونة في السجون طوال الثلاثين سنة الماضية.
إذ إضافة إلى حزب الإخوان (الحرية والعدالة) وحزب الوسط وحزب النهضة الذي خرج مؤسسه (الدكتور إبراهيم الزعفراني من عباءة الإخوان) وحزب التوحيد العربي الذي خرج مؤسسه محفوظ عزام، من عباءة حزب العمل، فإن اللافت للنظر أن مجموعة الجهاد التي كانت قد أعلنت عن مراجعة برنامجها الفكري قررت تأسيس حزب «السلام والتنمية»، والجماعة الإسلامية التي من أبرز قادتها عبود الزمر وعصام دربالة وصفوت عبدا لغنى انتخبت مجلسا للشورى، وقررت إنشاء حزب لم يتفق على اسمه بعد (الأسماء المرشحة: مصر أولا - البناء والتنمية - الصحوة الشعبية).
السلفيون في الإسكندرية قرروا إنشاء حزب «النور». والسلفيون في القاهرة، وبعض المحافظات الأخرى قرروا إنشاء حزب آخر باسم «الفضيلة». بل إن الطرق الصوفية شاركت في المشهد، فأنصار الطريقة «العزمية» قرروا إنشاء حزب للمتصوفة أطلقوا عليه اسم حزب «التحرير المصري». بالمقابل فإن أتباع الطريقة «الرفاعية» قرروا بدورهم إنشاء حزب آخر لم يتفق على اسمه وبرنامجه بعد.
ليس ذلك فحسب، وإنما نشر في الأهرام في 2/6 أن قناتي الناس والرحمة الدينيتين قررت كل منهما أن تقدم مرشحين عنهما لانتخابات مجلس الشعب القادم.
هذا الذي حدث يعد تطورا مثيرا. أن يتخلى تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية عن العنف ويقرران المشاركة في العمل السياسي والتغيير السلمي. وأن يشكل السلفيون حزبين بعد سنوات من طباعة رسالة في الإسكندرية كان عنوانها «القول السديد في أن دخول البرلمان مناف للتوحيد». وألا يكتفي المتصوفة بحلقات الذكر ليخوضوا غمار حلبة السياسة.
(3)
إذا وضعنا في الاعتبار أن في مصر 23 حزبا من مخلفات النظام السابق، فسنلاحظ أن الساحة المصرية أصبحت تعج بالأحزاب، وأن ما يميز شريحة الأحزاب الجديدة هو حضور الأحزاب الإسلامية واليسارية التي كانت توصف طوال السنوات الماضية بأنها «محجوبة عن الشرعية». ولأن المجال لا يزال مفتوحا، فربما يتعذر الوقوف على حصر للأحزاب في ظل النظام الجديد، وإن كان زميلنا الأستاذ ضياء رشوان الخبير في الموضوع يقدر الأحزاب الراهنة بنحو 50 حزبا. وإذا صح ذلك في بلد يضم نحو 84 مليون نسمة، فإن الرقم يبدو متواضعا نسبيا. وللعلم فإن تونس التي يسكنها عشرة ملايين نسمة أصبح عدد الأحزاب فيها بعد الثورة 81 حزبا. وكنت قد ذكرت في مقام سابق أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية تشكل في اليابان 400 حزب، وبعد انقلاب البرتغال في سبعينيات القرن الماضي تأسس هناك 90 حزبا.
تعدد الأحزاب يمكن أن يقرأ من عدة زوايا. فهو دال على اندفاع الناشطين إلى محاولة «التنفيس» عن مخزون طاقاتهم التي ظلت محبوسة أمدا طويلا. كما أنه دال على شيوع الرغبة في المشاركة بالعمل السياسي، في بلد دأب الباحثون على القول بأن الناس فيه عزفوا عن السياسة واستقالوا منها. ثم إنه يشكل مناخا مواتيا لبسط مختلف الأفكار وإنضاجها مما يصب في صالح استقرار المجتمع وأمنه.فحين تشارك في العملية مثلا جماعات انحازت في السابق إلى فكرة التعبير بالقوة والعنف فإن ذلك يعد تطورا بالغ الأهمية ينبغي ألا يقلل من شأنه.
ثم لا تنس أنه في الممارسة الديموقراطية فإن كثرة الأحزاب لا تستمر طويلا. من ناحية لأن صناديق الانتخاب هي التي تقرر ما هي الأحزاب التي ينبغي أن تستمر، أو تلك التي ينبغي أن تختفي أو تندمج مع غيرها، ومن ناحية ثانية، فإن من شأن كثرة الأحزاب تشتيت الأصوات وإضعاف الجميع، ولذلك فليس أمام الأحزاب المتشابهة في برامجها ومقاصدها سوى أن تندمج أو تأتلف مع غيرها من خلال المشاركة في قائمة موحدة تعالج التفتت وتلملم المشرذم. وللعلم فإن الـ400 حزب في اليابان تم اختصارها إلى 12 حزبا في نهاية المطاف.
(4)
الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح. ذلك أن ثمة تحديات تواجه كل اللاعبين الذين نزلوا إلى ساحة العمل السياسي في مصر، بعضها يخص الأحزاب المدنية، والبعض الآخر يخص الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، بين الفريقين.
إذ لست أخفي توجسا من الغوايات التي تنتظر الأحزاب والائتلافات المدنية، وهذه الغوايات تتمثل بالدرجة الأولى في عمليات الاختراق الخارجي التي تجرى تحت ستار دعم الديموقراطية. ذلك أنه ليس سرا أن الدول الغربية ومعها أو من ورائها إسرائيل تتابع ما يجرى في مصر بدقة شديدة ويوما بعد يوم، ذلك أن مصر الحقيقية لها تأثيرها المشع في العالم العربي كله، كما أن مصر الديموقراطية تستفزها الهيمنة الأمريكية والعربدة الإسرائيلية. ولذلك فإن أولئك الذين يرصدون ما يجرى في مصر يهمهم للغاية أن يظل منسوب الديموقراطية، والوطنية فيها عند الحدود التي لا تتعارض مع المصالح الغربية أو تتقاطع مع الطموحات الإسرائيلية. وهناك أساليب كثيرة لتسليم هذه الرسالة من بينها ذلك الاختراق الذي أحذر منه. ولا يتوقعن أحد بالمناسبة أن توجه الإدارة الأمريكية 150 مليون دولار لدعم الديموقراطية في مصر بالصورة التي يتمناها المصريون، لأن المطلوب هو ديموقراطية «المانحين» التي تباركها وترضى عنها واشنطن.
هذا الذي أحذر منه ليس مجرد تحليل أو استنتاج، لأن ثمة معلومات لدى الجهات المختصة تشير إلى أن التمويل الأجنبي وصل إلى مصر، وإن بعض الانشقاقات التي حدثت في أوساط الناشطين لها أسبابها السياسية الوجيهة أحيانا، لكن لها أسبابها المتعلقة بالتمويل في أحيان أخرى، وقد سبق أن أشرت في مقالة سابقة إلى واقعة دعوة بعض شباب الناشطين إلى فرنسا والحديث الصريح معهم عن التمويل وشروطه - «الشروق» 14/5.
(5)
الجماعات والأحزاب الإسلامية تواجه أكثر من تحد. إذ بعدما توافقت فصائلها «الجهادية» على الالتزام بالتغيير السلمي والمشاركة في الممارسة الديموقراطية، فإن التحدي الآخر الذي يواجهها هو كيفية التفاعل مع الواقع المعاش بخطاب أكثر نضجا وأفكار أكثر تطورا. وفيما خص الخطاب فلا مفر من الاعتراف بأن أغلب تلك الأحزاب والجماعات لا تجيد التعبير عن نفسها، وأن بعض ما يصدر عنها يقلق الناس أو يخوفهم منها بأكثر مما يجذبهم إليها. وما تلقيناه في الأسابيع الأخيرة من تصريحات منفرة صدرت عن قياديين في الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والسلفيين خير دليل على ذلك.
لست أتحدث عن تغيير لغة بقدر ما أدعو إلى تطوير الأفكار. وتلك نقطة أشدد عليها بعدما بلغني من لغط وجدل مثار في أوساط الجماعات الجهادية والسلفية حول برامج الأحزاب الجديدة، ومواقفها إزاء بعض قيم الديموقراطية التي حسمها وتجاوزها معها الفكر الإسلامي المعاصر منذ عدة عقود، في حين لم تصل أصداؤها بعد إلى الخارجين من السجون والقادمين من السراديب. وفي حدود علمي فإنهم لا يزالون يتناقشون حول تقنين الشريعة والمواطنة ومدنية المجتمع وحقوق غير المسلمين وقضية المرأة. وللعلم فإن أحد القياديين السلفيين اعتذر عن مقابلة صحافية أجنبية في نقابة الصحافيين لعدم وجود محرم معها:
التحدي الآخر المهم الذي تواجهه الجماعات الإسلامية يتمثل في كيفية المواءمة بين ما هو دعوى وما هو سياسي. ذلك أن تلك الجماعات يفترض أنها رسالية بالأساس. بمعنى أن التربية المبنية على القيم الإسلامية تشكل حجر الأساس في مشروعها، ولكن انخراطها في العمل السياسي يجرها إلى ساحة أخرى قد تبعدها عن جوهر مقصودها. ناهيك عن أنه يقصيها عن مجالات العمل الاجتماعي والتنموي. وفتنة العمل السياسي أشد لأنها محفوفة بالغوايات والوجاهات، في حين أن مردود العمل الاجتماعي والتنموي أكبر وأعمق. والمتابعون لأنشطة الجماعات الإسلامية التي لم تنجح في المواءمة بين الدعوي والسياسي يعرفون أكثر من غيرهم كيف أضر ذلك بدور الحركة الإسلامية في كل من الجزائر والأردن. وكيف نجحت الخبرة التركية في حل الأشكال، وكان تشكيل حزب العدالة والتنمية في عام 2001 وفوزه في الانتخابات البرلمانية في العام التالي مباشرة نموذجا جديرا بالدراسة في هذا المجال، علما بأن ما حصده حزب العدالة ليس ثمرة جهد عام، ولكنه حصاد خبرة وممارسة ديموقراطية استمرت نحو ثلاثين عاما (منذ عام 1970).
بقى التحدي الكبير الذي ينتظر الجميع بمختلف انتماءاتهم، حين يتحول التعدد من ثراء للفكر والممارسة إلى تشرذم واستقطاب يقسم المجتمع بين إسلاميين وعلمانيين، وهو ما ظهر هذه الأيام في الساحة التونسية التي تنادي فيها البعض إلى تشكيل تجمع علماني سمي بـ«القطب الديموقراطي» لمواجهة التيار الإسلامي. وهي دعوة ليست بعيدة تماما عما يلوح به البعض في مصر، الأمر الذي يفتح الأبواب لتأجيج الحرب الأهلية التي لم تتوقف بين العلمانيين والإسلاميين، التي أزعم أن الوطن هو الخاسر الأكبر فيها، علما بأن العلمانيين سيكونون في موقف لا يحسدون عليه.
أدرى أن الغلاة لا يمانعون في استمرار تلك الحرب، لكنني أزعم أن مصر لم تعدم عقلاء ووطنيين يسعون لإطفاء نارها، داعين إلى ائتلاف بين الجميع، لا يقصى ولا يخون أو يكفر، ويرفع شعار الوطن أولا. وليس لنا في ذلك خيار، لأن الغلاة والحمقى يجب أن يخسروا هذه المعركة، وبغير ذلك تكون الثورة قد فشلت في تحقيق أهم أهدافها.
استثمارك الحقيقي
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر:... اقرأ المزيد
1878
| 29 يونيو 2026
لا أبرح حتى أبلغ
من أعظم أوهام النفس أنها تجعل طول الطريق دليلا على خطأ الطريق، وأن تحاكم الحق إلى الزمن؛ فهي... اقرأ المزيد
150
| 29 يونيو 2026
الشرق الأوسط الجديد بين الحلم السياسي والواقع الجغرافي
منذ عقود طويلة يتردد مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" في الأوساط السياسية والإعلامية، وتحديداً كلما شهدت المنطقة حرباً أو... اقرأ المزيد
297
| 29 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5775
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4281
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
1875
| 29 يونيو 2026