رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعلمنا الثورات الجارية أن الشعوب العربية لا تختلف في طموحاتها، وتغري بعقد مقارنات أولا لاكتشاف كيف استفادت المجتمعات بعضها من بعض، وكذلك لرصد الظروف الخاصة بكل بنية والاجتهادات التي فرضتها التحديات على كل منها، وحيث وصلت موجة الاحتجاج أو لم تصل وجدت الأنظمة والحكومات أن الأحداث تفرض عليها التساؤل والبحث ومحاولة استباق الشارع، من دون أن يعني ذلك أن أي نظام ترتسم فوقه علامات استفهام سيبادر تلقائيا إلى التخلي عما في يديه من سلطة وصلاحيات غالبا ما يكون منحها إلى نفسه غير عابئ بما يريده الشعب.
ينبغي ألا يتوقع أحد أن تكون الحراكات نسخة متطابقة، ما يمكن توقعه، بل ما يجب أن يكون، هو التصميم والعناد لإحداث التغيير مهما كانت الأكلاف، إذ إن الفشل أو التراجع قد يكلف أكثر فالأسوأ من الحكم السيئ أن يتمكن من سحق ما يعتبره تمردا وأن ينطلق من الانتصار التي يحققه لاستئناف سطوته كالمعتاد، مستخلصا أن منطق القوة وحده يملك الكلمة الأخيرة حتى لو تعلق الأمر بشعبه، وكلما كان دمويا وقاسيا كان أفضل.
إذا كان التوق إلى الحرية هو المطلب الوحيد لهذه الحراكات، فإنه سيبدو كافيا وشاملا وهو ما كان واضحا في مجملها، بما فيها تلك التي ظهرت كأنها مطلبية بحتة لا تشي شعاراتها بطموح تغيير النظام أو إسقاطه، فالمنطقة العربية الموجودة تحت الأضواء منذ عقود، وصفت بالنعوت كافة، وانتهت الأحكام إلى اعتبار أن الحرية لا تنتمي إلى ثقافتها، وأنها أقرب إلى مجتمعات صمت وخنوع، وإذا حدث أن خرجت عن الصمت فإلى الإرهاب والانتحارية وكلاهما وليد انفعال وفوضى، فلا يبني تجربة ولا يراكم خبرة ولا ينتج عنها أي تطور.
لعل هذه الفكرة الثابتة هي الآيلة الآن إلى السقوط، إذ تبني الأحداث بنوعيتها وتفاصيلها، أن وعيا مختلفا قد اجتمعت معالمه، وأن الجيل المحرك للثورات قد تشبع من معاينته للتجارب العربية وتماسها مع السياسات الدولية غير المنصفة طوال العقود الأخيرة.
هذا جيل ولد من رحم الهزائم والإحباطات وعانى الإخفاق المتمادي في إقامة دول عربية على قواعد القانون والمؤسسات، فمن كان في سن العاشرة عندما اكتملت الهزائم العربية واندلعت الحرب الأهلية في لبنان، أصبح الآن في الخمسين وعايش التخبط العربي والتيه في صحارى اللا حرب واللا سلم، ومن كان في العاشرة حين بدأ مسلسل السلام – الاستسلام العربي لإسرائيل، أصبح الآن في الأربعين وشهد إخفاق السلم بعد إخفاقات الحرب، ومن كان في العاشرة يوم غزا عراق صدام حسين الكويت مدمرا التضامن العربي ومدشنا عصر الذل العربي، أصبح الآن في الثلاثين وشاهد بأم العين شظيات النظام العربي وموته البطيء، ومن كان في العاشرة يوم 11 سبتمبر 2001 حين اختصرت أمريكا والغرب كل العالم العربي والإسلام في مجموعة إرهابيين هامشيين، أصبح الآن في العشرين ويعاني هو في حد ذاته من تبعات تلك الهجمات في نيويورك وما تبعها في كل مكان تقريبا، بل أصبح مطلوبا ومطاردا ومتشبها به فلا احترام له في بلده ولا في أي مطار في العالم، وتساوت عنده الصعوبات طالما أن أحدا لا يريد الاعتراف به أو إعطاءه فرصة، ولعله في أعماق وجدانه شعر بأنه مختلف عن واقعه، وبأنه بشكل ما قد غير ما في نفسه فلابد إذن من أن يغير الواقع المتكلس الجاثم على صدره.
ربما كان ينظر إلى هؤلاء الشباب على أنهم سطحيون تهمهم المظاهر ولا شيء سواها، أو متواكلون غير مبادرين لا يمكن الاعتماد عليهم، أو حتى جهلاء كونهم غير مسيسين بالمعنى المتعارف عليه، فإذا بهم فجأة يصبحون قلب الأمة وبوصلتها، بل يحظون بتشجيعها وإعجابها، لم يسبق أن تحصله فئة من هذه الأمة بالمصداقية التي تمتعوا بها حتى إنهم بعد إنجاز ما اعتبر غاية الغايات، والأصعب، مثل إسقاط النظام، ظلوا ساهرين لئلا يسرق أحد ثورتهم، ولئلا تنخدع بقية الشعب بأن ما تحقق على أهميته كاف ومضمون وبعدما اخترقوا الأحزاب التقليدية وبالأخص المعارضة منها وهمشوها وتجاوزوا قدراتها، استطلعوا أيضاً أن يعطلوا نهج التسويات بين أطراف اللعبة السياسية.
ففي نهاية المطاف أسقطت في تونس ومصر الحكومتان اللتان مثلتا استمرارا للنظام السابق، وذلك بفضل إصرار الشبان ومثابرتهم، إذ يبدو كأنهم يعرفون تماما وبدقة ما يريدون، وللسائل من يحكم؟ يمكن القول إنه ميدان التحرير في القاهرة، أو أنه الشارع التونسي، وحتى العسكر الذين شكلوا ضمانا للتغيير في هذين البلدين أدركوا أن الشبان يفكرون من دون أغراض ولا مصالح، وبالتالي فإنهم أقرب إلى الصواب، وقد حصل في مصر، كما في تونس، بعد سقوط النظام، أن العسكر ضبطوا مجموعات تتغلغل بين الشبان الذين واصلوا التظاهر وتبين أن فلول النظام السابق لا تزال ترسل بلطجية بغية الإيقاع بين الثوار والجيش، وأمكن اكتشاف تلك المجموعات بعدما رصد أفرادها في مناسبات يبادرون إلى مهاجمة الجنود واستفزازهم خلافا للآخرين الذين يحافظون على الطابع السلمي للتظاهرات.
يوحي هذا الجيل الثائر بأن لديه لغة جديدة يتكلم بها ومفهوما مختلفا للسياسة لم تستطع الأنظمة أن تتعامل معه، لا تكليفا ولا تطويقا فهو يرفضها ويدعوها إلى الرحيل ولا يتوقع منها شيئا، لماذا؟ لأن معظمها أمضى وقتا طويلا في الحكم، أي انه اخذ وقته ووقت سواه، وحصل على فرصته مرة تلو المرة، ولو كان لديه ما يمكن أن يبرهنه لفعل، لذا لم يعد هناك معنى لبقائه ولا مصداقية لما يمكن أن يعد به هي أنظمة منتهية الصلاحية منذ زمن وكان عليها أن تجدد نفسها أو ترضخ للواقع ففي اليمن كما في ليبيا، يحاول النظامان مقاومة الطبيعة ومنطق التاريخ، وبات الأمر يتوقف على إرادة رجلين يريدان أن يتحكما بنهايتيهما ما استطاعا إلى ذلك سبيلا، والفارق بينهما وبين سبقاهما أنهما تحوطا لإمكان أن ينحاز الجيش إلى الشعب واختارا أن يجازفا بعلاقة هذا الجيش مستقبلا مع الشعب والوطن من أجل شخصيهما، لكن هذا ليس خيارا، ولن يكون كذلك مهما طال الدقة.
استثمارك الحقيقي
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر:... اقرأ المزيد
2184
| 29 يونيو 2026
لا أبرح حتى أبلغ
من أعظم أوهام النفس أنها تجعل طول الطريق دليلا على خطأ الطريق، وأن تحاكم الحق إلى الزمن؛ فهي... اقرأ المزيد
156
| 29 يونيو 2026
الشرق الأوسط الجديد بين الحلم السياسي والواقع الجغرافي
منذ عقود طويلة يتردد مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" في الأوساط السياسية والإعلامية، وتحديداً كلما شهدت المنطقة حرباً أو... اقرأ المزيد
321
| 29 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5781
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4308
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2181
| 29 يونيو 2026