رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كُفي الملامَ وعلّليني...
فالشكُّ أودى باليقينِ...
وتناهبتْ كبدي الشجونَ...
فمَنْ مُجيري؟ مِن شجوني...
وأمضّني الداءُ العياء...
فمَنْ مُغيثي؟ مَنْ معيني؟...
هكذا تكلم الشاعر الكويتي فهد العسكر وهو يروي معاناته وألمه ويشكو وحدته وعزلته بعد أن لفظه مجتمعه وأعرض عنه وفرض عليه عزلة اجتماعية ووحدة قاتله، ولقد وافت المنية الشاعر العسكر المولود في الكويت في عام 1917 وهو يناهز الرابعة والثلاثين من عمره، بعد أن كف بصره وأنهكته الأمراض، ولم تكن لتصلنا أشعاره وسيرته ورحلة معاناته بعد ان أحرقت قصاصات أوراقه، لولا أن صديقه الشاعر عبدالله زكريا الأنصاري استدرك الأمر وجمع شتات ما استطاع أن يجمعه من بقايا أشعاره وضمنها كتابا يتناول سيرة الشاعر العسكر أصدر في عام 1956.
إن المعاناة التي عاشها فهد العسكر كانت نتاجاً حتمياً لرفضه للمألوف وخروجه عن السياق الاجتماعي الذي كان يعتبر في حينها ثوابتَ لا تُمَسُّ، فضلاً عن تساؤلاته وحيرته التي اختلجت في نفسه وبثها في أشعاره وخطها في قراطيسه البالية، الأمر الذي جرعه قسوة الوحدة والرفض والإقصاء، ودفع ثمنها من شبابه، فلم يستوعب المجتمع في حينها ما يتفوه به الشاعر فهد العسكر ولم يكن مستعداً للتعامل مع تساؤلاته وشكوكه ودعواه للتغيير والاصلاح تعاملاً موضوعياً، وقد سطر العسكر ردود الأفعال التي تصدت له في ذلك الوقت وصاغها شعراً يبين المدى التي آلت إليه الأمور قائلاً:
رقصوا على نوحي وإعوالي وأطربهم أنيني
وتحاملوا ظلماً وعدواناً علي وأرهقوني..
فعرفتهم ونبذتهم لكنهم لم يعرفوني..
وهناك منهم معشر أف لهم كم ضايقوني..
هذا رماني بالشذوذ وذا رماني بالجنونِ..
وهناك منهم من رماني بالخلاعةِ والمجونِ..
وتطاولَ المتعصّبونَ وما كَفرتُ وكفّروني..
وفي تلك الأبيات يصرّح شاعرنا العسكر انه لم يكفر، ورغم ذلك تم تكفيره، ولنا أن نتصور ما يستتبع التكفير من نبذ وجحود وإقصاء في يومنا الحالي، فكيف به وهو الذي عاش في حقبة لم يكن فيها الاختلاف أمراً مقبولاً أو مطروحاً حتى، ليواجه وحده طوفاناً عاتياً لا يُبقي ولا يذر.
لم يكن لفهد العسكر أن يتجرع الألم ويواجه المعاناة التي واجهها لو أنه ولد في زمان غير زمانه، وعلى افتراض أنه عاش بيننا الآن لربما كان أديباً مخضرماً وشاعراً مقدّراً، وكان من الممكن التعامل مع فكره بطريقة مختلفة والتعاطي معها بشكل أفضل، ما يعطينا دليلاً على أن ثوابت المجتمع نسبية ومتغيرة مع تغير الزمان والمكان، وأن رقعة الثوابت قد تتسع وتضيق تبعاً لظروف عديدة في حين أن تلك الثوابت في حقيقتها قد تكون مقتصرة على جوانب محددة، سواءً فيما يتعلق بالدين أو غيره. ولكن.. هل يمكنننا اعتبار تجربة فهد العسكر كتجربة جاءت في سياق غير متسق مع الزمن؟ وبعبارة أخرى، هل يصح القول إن الشاعر فهد العسكر كان سابقاً لزمانه، أم أن السياق الذي مر به العسكر لازال يتكرر ولكن بصور مختلفة؟
تعاني مجتمعاتنا من عدم القدرة على التعامل مع السياقات الفكرية الخارجة عن المألوف، فضلاً عن صعوبة التعامل مع التساؤلات الكبرى والشكوك، واعتبارها خروجاً على الثوابت والقيم، دون النظر بتفحص للتاريخ واستقاء العبر منه، وإدراك النسبية التي تؤطر تلك الثوابت، وعلى الرغم من أننا نعيش حياة متقدمة ومتطورة، إلا أن المنظومة الفكرية التي تغلب على مجتمعاتنا لم تأخذ بالأسباب الموضوعية للتقدم، الأمر الذي يولد فجوة بين الواقع المادي والواقع الفكري للحضارة.
لقد أدى هذا الوضع إلى جمود فكري وخوف من فقدان المكتسبات التي تسيطر على تصوراتنا، واستخدام الموعظة في حين، والتقريع والتحذير في أحايين كثيرة لمواجهة الأسئلة والتي يطرحها الشباب في مسائل حساسة نتيجة احتكاكهم بالآخر، والاطلاع على أفكار لم يعهدوها في مجتمعهم، ومع عدم سعينا لتجاوز تلك الإشكالية سنلجأ إلى الانكماش والانكفاء نحو الداخل ولن نحاول تجاوز تلك العقبة ومواجهة الانفتاح الذي نعيشه ويفرض نفسه علينا فرضاً ولا مناص لنا منه، الأمر الذي يتطلب منا الاستعداد والمواجهة عوضا عن التقهقر والانغلاق.
من الإشكاليات التي تواجه التجربة الفكرية في مجتمعاتنا الإشكالية المتمثلة في القدرة الكبيرة على التدمير الذاتي، وأعني بها وجود ما يشبه الآلية التي تقوم بتدمير أي محاولة لتصحيح مسار النظام واعتبار تلك المحاولة بمثابة "برمجة خبيثة"، كما في نظم الحاسوب أو"الفيروس" بالنسبة للجهاز المناعي في جسم الإنسان، الأمر الذي يؤدي لاستجابة فورية لمقاومة ذلك "الدخيل" وإقصاء من ينتقد المألوف أو من يمتلك رؤى تخالف آراء المجتمع، وتحجيمه بكافة الوسائل وإخراجه من السياق المجتمعي، وهو ما يحرم المجتمع من نقد الذات وتصحيح المسار، كما تؤدي تلك المعضلة إلى شلل المجتمع وحرمانه من تحديث نفسه وتجاوز عقباته والانفتاح على الآراء إلى أقصى حد واستيعابها والتعامل معها، كما ينتج هذا الواقع أفراداً يخشون الاختلاف ويسعون للاتساق مع المجتمع مهما كانت أخطاؤه خوفاً من الإقصاء والنبذ.
وبجانب ذلك الخوف من الإقصاء والنبذ وخشية الإفصاح عن الآراء غير المتسقة مع المجتمع، وما يترتب على ذلك من جمود، تتبلور إشكالية أخرى أمام هذا الواقع ذات وجهين، أحدهما أقبح من الآخر، الأول أننا سنواجه حالات من التمرد والخروج عن السياق الاجتماعي ولكن بصورة ممجوجة غير ناضجة، وهو أمر مفهوم وغير مستغرب، فالضغط لا يولد سوى الانفجار، أما الوجه الآخر فيتمثل في سعي الآخر لتغييرنا وخلخلة ثوابتنا والتشكيك فيها والحط من مكانتها عبر أساليب كثيرة ومتنوعة. وأحد أهم تلك الأساليب هي دعم المتمردين من مجتمعنا وإعلاء شأنهم وتلميع صورتهم،"وهو ما نلاحظه بكثرة" وفرض التغيير علينا فرضاً، وبطبيعة الحال فإن التغيير عبر تلك الأساليب لن يعطينا نتائج تؤدي لنضوج التجربة والخروج من حالة الجمود ولن تقذف حجراً في المياه الراكدة، بل ستنتج تغييراً مشوهاً وواقعاً ممسوخاً دون أن نلحظ ذلك.
عندما نستقي الدروس من التاريخ ونعيد الاعتبار لمن أقصاهم المجتمع في حينها ونظن جازمين أنه لم ينصفهم ونسرع في الحكم عليهم، لا نلحظ أننا نعيد الكرة ونمارس ما مارسوه مع المختلفين والخارجين عن المألوف، ولا ندرك أن الوضع ما يزال مستمراً. لقد مرت تجربتنا الفكرية بمآس ٍ عديدة دون التوقف عندها ومراجعتها، و آلية التدمير الذاتي لازالت فعالة، وقد مورست على كل من تجرأ على التغيير وتحقيق النقد الذاتي وتقييم التجربة، والشواهد لدينا كثيرة بدءاً بالعلماء الذين نفخر بأن الغرب استقى منهم علومه وأسس لنهضته، في حين أنهم نُبذوا و أُخرجوا من سياق مجتمعهم في وقتهم، مروراً بمن حاول قدح شرارة التجديد كأمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم كثيرون انتهاءً بالشاعر فهد العسكر.
ينبغي أن ندرك أنه ليس من الضرورة بمكان أن نوافق ونتفق مع من يختلف معنا أو من ينتقد الثوابت النسبية، ولكن لابد لنا من تغيير طريقتنا في التعامل مع هذا الواقع وتغيير تصوراتنا عن الثوابت وإدراك أنها نسبية ومتغيرة، وأن نتعاطى مع الشكوك كأمر إيجابي يُحيي المجتمع ويخرجه من حالة الجمود ويجنبه تكرار الأخطاء، وليست كلعنه ينبغي التحذير منها وتجريمها، فلولا الشكوك لما تساءل الأنبياء والصالحون عن جدوى ما تمارسه أقوامهم من ضلال وشرك، ودون تحقيق النقد الذاتي وتفعيل الشك المنهجي لتحقيق المعرفة سنصبح كمن قال "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ".
توازن التهدئة وفرص السلام
برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى... اقرأ المزيد
183
| 24 مارس 2026
أنت لها يا سمو الأمير
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل... اقرأ المزيد
1416
| 24 مارس 2026
اللهم أخرجنا منها سالمين
أحدثكم اليوم من مكتبي وقد عدنا إلى مقار أعمالنا بعد أن أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء عودة العمل... اقرأ المزيد
153
| 24 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3030
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1407
| 24 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1266
| 18 مارس 2026