رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بشار الأسد قاتل بكل المعايير والمقاييس ووفق محددات منظومة القواعد الدينية والأخلاقية والسياسية هو قاتل بكل معنى الكلمة لم يعد ينتمي للإنسانية أو للفكر أو للسياسة، حدقت في قسمات وجهه في الصورة التي بثت للقائه مع الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والأممي لسوريا فبدت لي ملامح القاتل المجرم الدموي لم تكن عيناه تطرفان كانتا تصبان نارا تندلع من بين الأهداب والجفون. خلته واحدا من بقايا مصاصي الدماء أو محاربي البقر في الغرب الأمريكي الذين يقتلون بدم بارد.
لم تعكس لي ملامح بشار العبثية أي إشارة لامتلاكه بعدا إنسانيا. وكيف يمتلكه وهو يلقي بنيران طائراته وصواريخه ومدافعه وبنادقه وقناصيه إلى الأماكن التي يقطنها الناس، فتلك قنابل عقنودية تطارد أطفالا ونساء وشيوخا وشبابا لا يحملون السلاح وتلك براميل معبأة بالنار تقذف على الأبرياء في منازلهم التي تنهار عليهم فيلتصقون بالجدران والحوائط والنوافذ والأبواب التي تتهاوى، وتلك قذائف الدبابات ومدافع الهاون وغيرها من أنواع شتى من الأسلحة تدك البيوت والمخابز ومحطات الوقود وكل شيء يمكن أن يوفر شيئا مفقودا للبشر الجوعى والمعذبين والمرابطين في مدنهم وقراهم بأنحاء الوطن.
كانت ملامح بشار تنبئ لي عن مجرم استمرأ لعبة الذبح والقتل والإبادة والمحو، لا يمكنه أن ينام قرير العين إلا بعد أن يتلقى تقارير من عسسه وبصاصيه عن أعداد القتلى خاصة من الأطفال الرضع والنساء الحوامل وكبار السن. أظنه بات معتادا على متابعة دفتر أحوال القتل ورغم ذلك فإن القاتل بشار ما زال يبدي إصرارا على البقاء رئيسا للشعب السوري.
وأحسب أنه يتحدث عن شعب آخر غير الشعب الذي يقتله، فهو يريد أن يظل في موقع السلطة حتى نهاية فترة رئاسته في العام بعد المقبل – 2014 – ويرفض التفاوض بشأن أي نزوع لتنحيته. وكيف يتنحى وهو البطل المحبوب والقائد الهمام الذي حرر الجولان وأعاد الاستقرار للبلاد وتتحدث الأنباء القادمة من دمشق أنه يعتزم أن يلقي خطابا خلال الأيام القليلة القادمة يتحدث فيه عن شروطه لإنهاء الأزمة وتفيد التسريبات عن هذا الخطاب بأنه يريد أن يربط الحل بالقضية الفلسطينية والمقاومة في فلسطين ولبنان واستعادة لواء الإسكندرونة الذي تحتله تركيا وهذيان كثير من هذا القبيل.
ألم أقل لكم إنه قاتل ومغيب عن الواقع الذي يحيط به ويعيش فيه، ويبدو أن حاشيته المستفيدة من استمراره في السلطة تقدم له عكس الحقائق وهو يصدق أنه يحارب عصابات مسلحة وليس شعبا مسلحا وأن جيشه وشعبه يد واحدة وهي أكذوبة يرددها منذ اندلاع الثورة قبل نحو العامين إنه قاتل يداه ملطختان بالدماء.
قاتل ليس لعدو ما زال يربض على جزء غال هو الجولان التي لم تطلق طائراته المقاتلة أو صواريخه أو مدافعه أو بنادقه طلقة واحدة باتجاهه، وظل كلما تعرضت سوريا لعدوان يردد مقولة ما زالت ساكنة في مناطق السخرية: سنرد في الوقت والتاريخ الذي نحدده وهذا الوقت والتاريخ لم يحن أبدا في زمن بشار الذي نجحت آلته الإعلامية في تسويق فكرة أنه زعيم محور المقاومة والممانعة والذي ثبت أنه محور موجه ليس لمحتلي الأراضي العربية ومنتهكي حقوق الأمة. ولكنه وظف بكل طاقاته ضد الشعب السوري الذي ثار وما زال يثور من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة.. هل ثمة حل سياسي في الأفق؟
الأخضر الإبراهيمي أبلغنا نحن الصحفيين في لقاء معه رتب بشكل مفاجئ يوم الأحد الماضي، بعد لقائه بالدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية بأن لديه مقترحا لحل سياسي بناء على وثيقة جنيف التي تم إقرارها في الثلاثين من يونيو الماضي، يقوم على وقف لإطلاق النار وتشكيل حكومة وطنية موسعة تمهيدا لإجراء انتخابات دون أن يحدد الموقف من استمرار الأسد رئيسا بشكل واضح. وتلك هي المعضلة فمن يقبل من الثوار خطة للحل في ظل بقاء بشار رئيسا؟ لا أحد، وهو ما أكدته أغلبية فصائل المعارضة التي يقودها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وإن كانت بعض ما يسمى بمعارضة الداخل أبدت مرونة تجاه بشار.
وفي يقيني أن الحل لن يكون سياسيا وفي الوقت نفسه لن يكون ولا يجب أن يكون عبر آلية التدخل العسكري الأجنبي، فثمة إجماع تقريبا على رفضها سواء وطنيا أو عربيا أو حتى دوليا نظرا لكلفتها العالية والتي جربت في العراق ثم في ليبيا، ومن ثم فإن الخيار المتاح هو الحل العسكري من الداخل والذي بدأت كتائب الثوار تطبيقه منذ أشهر بكفاءة عالية وإن كانت هناك بعض الإخفاقات نتيجة القدرات العسكرية التي ما زال نظام بشار يمتلكها على نحو تفوق قدراتها.
ورغم أن التوازن العسكري من حيث الشكل لا يميل لصالح الثوار إلا أنهم تمكنوا من أن يفرضوا أنفسهم كرقم شديد الأهمية في معادلة الصراع والحرب مع النظام فقد حققوا على مدى الأشهر القليلة المنصرمة سلسلة من التحولات النوعية في مسار الصراع وأضحت مناطق شاسعة في قبضتهم وباتوا يشرفون على مختلف مناحي الحياة المدنية تنظيما وتوزيعا للخدمات واستعادة لدور مفقود لمؤسسات الدولة المنهكة بفعل ضربات قوات بشار لبنيتها التحتية ومؤسساتها وشعبها .
إذن الرهان لن يكون على حلول تأتي حصيلة توافق إقليمي أو دولي وإنما هو على شعب قرر أن يستعيد حريته وقدرته على رسم مساره وبناء دولته الجديدة بمنأى عن هيمنة آل الأسد ومن داروا في فلكهم على مدى الأربعين عاما الماضية ويقيني أنه سيمضي في هذا الاتجاه الصحيح رغم آلاف الشهداء الذين سقطوا حتى الآن وتجاوزا الستين ألفا غير المصابين والجرحى والمعوقين واللاجئين في مناف داخل البلاد وخارجها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4884
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2625
| 08 سبتمبر 2026