رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقتضي الأهمية الاقتصادية للمشاركة والتنسيق في إدارة النشاط المالي والاقتصادي بين القطاعين العام والخاص من جهة ضمن تبني سياسات الإصلاح الاقتصادي على أساس حشد وتعبئة كل الطاقات والموارد للقطاعين معا، وجنبا إلى جنب بوسائل وأساليب متنوعة منها التحول إلى نوعية الشركات المساهمة العامة التي يتم فيها فتح المجال ليساهم فيها الأفراد والشركات والمجتمع ككل، لذلك حظي أسلوب تحول الشركات (الخاصة- المختلطة) إلى مساهمة عامة باهتمام كبير من قبل الاقتصاديين والحكومات يتم ذلك بالطبع بعد إجراء الاختبار والتقييم والتأكيد بأن عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية تعتمد على كل من القطاعين العام والخاص في إنشاء وتشغيل المشاريع المتنوعة.. فالسمة المميزة لاقتصاديات معظم الدول هو الاتجاه نحو تحديد دور القطاع العام في إدارة النشاط المالي والاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المشاريع القومية خاصة الدول التي تتجه حديثا لتحرير الاقتصاد واقتصاديات السوق والتي تتصف بالأسواق الناشئة لأسواقها المالية بها، فالتطوير الاقتصادي يتطلب تبني الإصلاحات الاقتصادية لكلا القطاعين معا والتي تتمثل إحدى آلياتها هو أسلوب التحول من الشركات الخاصة إلى مساهمة عامة مدرجة بالأسواق المالية خاصة وما يعود من فوائد كبرى لهذه الأسواق على اقتصاد الدول وفق آلياتها ونظمها المعتمدة بالدول، فتسمح بأن يساهم القطاع الخاص بخبراته وموارده في تنمية الاقتصاد الوطني من خلال فكرة التحول إلى الشركات المساهمة التي تعد من الأساليب المهمة في خلق الإجراءات التي تسمح للقطاع الخاص بتعزيز دوره في النشاط المالي والاقتصادي الوطني بجانب القطاع العام وهدف تحقيق التنمية المستدامة خاصة الدول التي يحتل بها القطاع العام الهيمنة الكاملة على إدارة النشاط المالي والاقتصادي.. وفي ضوء الأهمية الاقتصادية لتحويل الشركات المساهمة الخاصة والمختلطة إلى عامة ومدرجة بالأسواق المالية يعمل على تخفيض تكاليف الإنتاج ومصاريف التشغيل مما يؤدي بالطبع إلى زيادة العوائد النهائية والإيرادات المتحققة التي تصب في النهاية لروافد وموارد الاقتصاد الوطني وهو موضوع هذا التقرير:
أولا: تعريف شركة المساهمة العامة
تمثل الشركة التي ينقسم رأسمالها إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول ولا يكون كل شريك فيها مسؤولاً عن ديون الشركة إلا بقدر ما يملكه من أسهم ولا تقترن باسم أحد الشركاء، وإنما يكون لها اسم يشتق من الغرض من إنشائها.
ثانيا: شركة المساهمة العامة في فقه المعاملات الإسلامية
شركة المساهمة ذات الأعمال المباحة والتي لا تتعامل بالربا جائزة شرعاً وتنطبق عليها قواعد شركتي العنان والمضاربة في الفقه الإسلامي، لأن تقديم الحصص بالأسهم واختلاط الأموال وقيام مجلس الإدارة المنتخب من المساهمين بالتصرف في أموال الشركة بصيغة الوكالة عن الشركاء واشتراك المساهم في الجمعية العمومية ومناقشة نتائج الأعمال ومراقبة مجلس الإدارة وعزله إذا اقتضى الأمر كل هذا شرعيا مع ضرورة الأخذ في الاعتبار:
* الغرض الذي قامت من أجله الشركة مشروعاً ووسائل تمويلها مشروعة، فإذا تعاملت في محرم بيعاً أو شراءً أو بالفائدة (مدين –دائن) فإنه يحرم الاشتراك فيها من خلال تملك أسهمها.
* النصوص والإجراءات تتوافق مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية التي تحرم الظلم وأكل أموال الناس بالباطل مثل تحمل الشركاء لخسائر تفوق ما يملكونه من أسهم وطريقة إجراء التصويت في الجمعية العمومية للمساهمين على القرارات التي يتخذها مجلس الإدارة ليكون لكل مساهم صوت واحد مهما بلغ عدد الأسهم التي يملكها.
ثالثا: الخصائص الرئيسية لشركات المساهمة العامة
للشركة المساهمة خصائص رئيسية تميزها عن غيرها من الشركات فرأسمال شركة المساهمة ينقسم إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول كما أن كل شريك لا يكون مسؤولا عن ديون الشركة إلا بمقدار ما يملكـه مـن أسهم، وعليه لا يُسأل الشركاء عن ديون الشركة في أموالهم الخاصة، وهو ما يعني أن لشركة المساهمة ذمة مالية مستقلة عن ذمة الشركاء، وبالتالي لا يترتب علي انقضاء الشركة المساهمة وفلاسها إفلاس الشركاء فيها كما لا تعنون الشركة المساهمة باسم الشركاء ولا باسم أحدهم وذلك لأن شخصية الشريك ليس لها اعتبار في تكوينها، والشركاء فيها مجهولون ولا يعرف بعضهم بعضاً، وأخيرا للشركة المساهمة مجلس إدارة مفوض في إدارتها، ويخضع هذا المجلس لإشراف الجمعية العامة العادية للمساهمين التي تنعقد مـرة على الأقل في السنـة، والتي تناقش المركز المالي ونتائج الأعمال، وتناقش السلبيات، وتقرير مراقبي الحسابات، وتنتخب أعضاء مجلس الإدارة وتراقب أعماله والنظر في عزل أعضائه إذا اقتضى الأمر ذلك، والمصادقة على الميزانية والحسابات الختامية والموافقة على الأرباح.
رابعا: متطلبات التحول لشركات مساهمة عامة
لأجل دعم القطاع الخاص وفسح المجال أمامه في التحويل لشركات مساهمة عامة ومدرسة بالأسواق المالية والعمل بدون مشكلات لابد من إقرار مجموعة من الإجراءات المالية والاقتصادية والقانونية لتشجيع القطاع الخاص وشركات المساهمة الخاصة الفعالة ومنها:
* مجموعة من السياسات والإجراءات المحفزة التي تحقق تكامل القطاعين العام والخاص مع الأهداف العامة للمجتمع في تحقيق العوائد والأهداف المجتمعية والاستثمار والتنمية..
* مجموعة من التشريعات والقوانين المنظمة للعلاقة بين القطاع الخاص والعام والمساهمين وأفراد المجتمع مع إجراء التعديلات المطلوبة وفقا للمتغيرات السياسية والاقتصادية وفقا للنظام العام.
* رسم خطط وبرامج خاصة بالتنمية وتأمين ما يتطلبه القطاع الخاص لتعزيز دوره الفعال في النشاط الاقتصادي.
* تأمين وتخفيف تكلفة المخاطر المصاحبة للأعمال والعمل على معالجتها وتحمل نتائج الأنشطة.
* تهيئة المناخ المالي والاقتصادي المناسب للاستثمار فيما يسمى البيئة الجاذبة للاستثمار مثل الاستقرار الأمني والسياسي وتحرير الأسواق وتشجيع المنافسة والضمانات والدعم الآمن للمستثمر الخاص لتشجيع الاستثمارات.
* تهيئة البنية التحتية بصورة عامة للشركات المطلوب تحويلها والتي تحتاج لاستثمارات لغرض تمويلها وتطويرها وتجديدها بما يتلاءم بالهيكلة الجديدة للشركات المساهمة.
* معالجة أي تحديات تشريعة واقتصادية وقانونية واجتماعية تعارض مشاركة القطاع الخاص للمساهمة في الاستثمار بهذه الشركات العامة.
خامسا: معايير التحول لشركات مساهمة عامة
معايير اختيار الشركات العامة لغرض تحويلها إلى شركات مساهمة عامة لابد من توافر مجموعة من المعايير حتى تكون مهيأة لعرض تحويلها من حيث دراسة كل ما يتعلق بالشركة من ناحية الطلب المستقبلي والتكاليف والإيرادات المتوقعة ومدى مساهمتها في تحقيق الأهداف التنموية ومن هذه المعايير
* تكون الشركات في حالة إنتاجية وتشغيلية جيدة نسبيا وذات إيرادات جاذبة للمستثمرين.
* تكون أصول الشركة العامة ذات قيمة عالية جدا مما يستوجب استثمارات كبيرة مما يضر المستثمر الخاص بالاستثمار في مثل هذه المشاريع من حيث صعوبة وطول مدة استرداد رأسمالها.
* الخدمات والمشاريع التي لا يمكن للدولة إنشاؤها لأسباب تتعلق غالبا بالخبرة والتمويل التي تتوفر بالشركات الخاصة.
* التحول إلى شركات مساهمة يتوقع أن تؤدي إلى زيادة مستويات الخدمات والسلع وجودتها مقارنة من ذي قبل.
* الشركات والمشاريع الربحية التجارية والتي تدار على أسس تجارية تتوافق واتجاهات القطاع الخاص التي تعتبر عوامل جذب للمستثمرين.
* الشركات ذات الأهداف الاجتماعية التي تتعلق بالخدمات الأساسية ومستوى تقديم الخدمات ومواصفات المستثمر
* اختيار المستثمرين وفق مبادئ الكفاءة الاقتصادية والمركز المالي والأعمال المماثلة وأي صفات أخرى تعزز قوة المستثمر كشريك محتمل.
* قابلية المستثمر الخاص على تقديم السلع والخدمات ضمن الشروط والمواصفات المطلوبة ومدى المعرفة والخبرة المتوفرين.
* توافر الحافز والرغبة لدى المستثمر الخاص وأفراد المجتمع للمساهمة في هذه الشركات .
سادسا: المزايا والمنافع نتيجة التحول إلى شركات مساهمة
مما تقدم يتضح أن تحول الشركات الخاصة والمختلطة إلى شركات مساهمة عامة يحقق كل متطلبات التطوير من جهة، وتعبئة الادخارات المحلية باتجاه تكوين كيانات اقتصادية كبيرة قادرة على المنافسة في السوق من جهة ثانية، ويضمن في الوقت نفسه صيغة جديدة للإدارة تقوم على مبدأ الفصل بين الملكية والإدارة كما يضمن فرص استثمار للمستثمر الذي يريد الربح بدلاً من الفائدة المصرفية الربوية المحرمة وأيضا يؤدي جذب الاستثمارات الأجنبية الخاصة وما تحمله من خبرات إدارية ومعرفة فنية فضلا عن استقطاب كفاءات بشرية عالية وخلق فرص عمل جديدة وتوسيع القاعدة الاقتصادية بالمحافظة على استمرارية المؤسسات الاقتصادية، ثم تعزيز البناء المؤسسي للقطاع الاقتصادي ومفهوم العمل الجماعي مع تنظيم القطاع الخاص وقطاع الأعمال إضافة لدعم السوق الأولية التي تعد ركيزة نمو الأسواق المالية وتطورها والأهم من كل ذلك حشد موارد القطاع الخاص بما في ذلك صغار المستثمرين والمدخرين وتوظيفها في عملية التنمية المالية والاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟
مع انتشار الذكاء الاصطناعي، كثرت التساؤلات حول استبدال الذكاء الاصطناعي لوظائف البشر. إلا أن الإجابة ليست بسيطة بـ"نعم"... اقرأ المزيد
69
| 30 يوليو 2026
العدل وإن تأخر لا يموت
ليس كل ظلم يُوثَّق في الأوراق، ولا كل مظلوم يستطيع أن يرفع صوته مطالبًا بحقه. فهناك أنواع من... اقرأ المزيد
57
| 30 يوليو 2026
في الشعر الموهبة وحدها لا تكفي
حسب تجربتي المتواضعة في الشعر لا أرى أن هذا الأخير ينحصر في الموهبة فقط، والتي يظن البعض أنه... اقرأ المزيد
33
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7482
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1248
| 30 يوليو 2026