رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«سأعود مُعافَى من الشعارات المخزونة في طيات لساني، أترك التعصب الذي يستولي عليَّ ويحيلني ببغاء تكرر المحفوظات. تطرفت في الولاء للمبدأ حتى اقتراف الشرور. ارتكاب الجرائم».
هذا المونولوج يأتي في الصفحات الأخيرة لرواية «صيف سويسري» للكاتبة العراقية أنعام كجه جي، لكني فضلت أن أبدأ به المقال.
إنعام كجه جي تعيش في باريس، لها روايات رائعة منها «الحفيدة الأمريكية» ومجموعة قصصية وكتب في السيرة، واختيرت أكثر من رواية لها في القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية «البوكر» وعرفتها الترجمة للغات عالمية. وروايتها الأخيرة «صيف سويسري» منشورة في أكثر من دار نشر آخرها الدار المصرية اللبنانية.
ما افتتحت به المقال، كان الأمل لأربعة من العراقيين، حصلوا على اللجوء إلى سويسرا، التي وضعتهم في مدينة بازل، في مصحة للعلاج من إدمان التعصب، للأفكار الشمولية التي عاشوها في العراق. الأول هو حاتم الحاتمي ضابط الأمن القومي، الذي كان يلقب بـ «الرفيق سور الصين»، وكان ضمن مؤسسة السلطة. مدمن القومية العربية الذي ارتكب في العراق كثيرا من الجرائم في حق من يسمونهم أعداء الوطن ومنهم أصدقاء له، وفقا لشعار «نفِّذ ثم ناغش» أي ثم ناقش وحاور. اسمه يوحي بالكرم الحاتمي، لكن الكرم الأكبر كان جرائمه! الثانية هي بشيرة حسون اليسارية التي تعرضت للتعذيب والحبس واغتصبت، وحملت ابنتها سندس التي استطاعت أن تهرب بها. الثالث هو غزوان البابلي، المتدين المتطرف والمعتقل السابق في سجون دولة البعث.
الرابعة هي «دلالة شمعون» الآشورية المبشِّرة الدينية بشهود يهوه، الإله المختلف عن دين طائفتها. معهم الطبيب النفسي المعالج لهم وهو الشاب العراقي «بلاسم» الذي يعيش في مانشستر وتم استدعاؤه لعلاجهم.
أسماؤهم جميعا ذات دلالة حتى لو كانت معاكسة، تدهشك فكرة العلاج النفسي من الأفكار المتطرفة، لكن بالنقاش بينهم والاعترافات تعود كقارئ إلى العراق يوما. ويدهشك أكثر أن العلاج يكون بتناول كبسولات «بونبوني» ملونة، ضمن البرنامج الذي يشمل جلسات البوح والاعتراف.
تظهر مدينة بازل في رحلات خروجهم، وتظهر سويسرا وأسواقها في صور مجسدة. يطل بعضهم على مجمع البنوك فيتذكرون من يقومون بتهريب الأموال من بلادهم إليها. يرون المبنى الذي عقد فيه تيودور هرتزل أول لقاء للبحث عن وطن لليهود، فتتذكر ما جرى في فلسطين بعد ذلك، ويبدو كأنه علامة مبكرة على فشل التجربة في هذا البلد. بالفعل تكتشف في النهاية أنهم رغم اعترافاتهم، بدأوا يخفون «البونبوني» عن الطبيب بلاسم، ثم في جلسة على شاطئ نهر الراين يلقون به. خلال ذلك يبدو اللقاء بين بلاسم وسندس ابنة بشيرة حسون، مبشرا بقصة حب من ناحيته على الأقل، فهو يخرج بها إلى معارض فنية وغيره، لكن في النهاية تزوجت نرويجيا. لا تريد عراقيا فهي لم تعرف غير الضحايا أو الجلادين. من أبرز الشواهد الفنية في بناء الرواية أن حاتم الحاتمي يشغل المساحة الأكبر منها، هو الذي وراءه كثير من الجرائم، إلا حبه المكتوم لبشيرة حسون، الذي جعله يبعدها عن الحبس والتعذيب، ويعيدها إلى بيتها. يشغل سرده أكثر من خمسة عشر فصلا من الرواية بينما لا يشغل سرد الآخرين غير فصلين أو ثلاثة. هل لهذا معنى؟ ربما فأنا لا أحب التفسير النهائي للأدب، لكن المعنى الذي قفز إليَّ هو تسلط الأقوياء بالحكم حتى في رواية يكتبها آخرون. تفاصيل كثيرة في الرواية، تجعلها صورا سينمائية مرئية، وتتعدد فيها لغة الشخصيات في الحوار أو الاعترافات بشكل فاتن، وحين تنتهي تدرك معنى العنوان، فصيف سويسرا هو أقل المواسم ولن يغير الأحوال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتب وروائي مصري
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1671
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1191
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
960
| 07 يناير 2026