رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل ما هو مطلوب الآن أن يفتح ملف التحقيق في قضية الغارة الإسرائيلية على مكامن ثروة الغاز الهائلة التي تقع داخل الحدود المصرية. فالأمر أجل من أن يسكت عنه وأخطر من أن يتم التهاون فيه.
(1)
هو خبر طيب لا ريب، أن تشير التقارير العلمية إلى أن منطقة شرق البحر المتوسط تحفل بثروة هائلة من الغاز الطبيعي، وأنه يتم الإعلان عن اكتشافات في تلك المنطقة تجاوزت احتياطاتها 1.22 تريليون متر مكعب قدرت قيمتها الحالية بنحو 220 مليار دولار، لكن المفاجأة في الأمر أن تقع تلك الثروة في داخل حدود مصر الاقتصادية، وأن يتم الاكتشاف لحساب بلدين هما إسرائيل وقبرص. والمؤسف، بل الصادم والمفجع، ألا تحرك مصر ساكنا، وأن تقف متفرجة على ما يجري، بل وأن تبدي استعدادا لتمريره وغض الطرف عنه.
رويت القصة في الأسبوع الماضي، واستندت فيما ذكرت إلى تقارير وشهادات لثلاثة من أهل الاختصاص بالموضوع هم الدكتور نائل الشافعي خبير الاتصالات المصري المقيم في نيويورك، والدكتور خالد عبدالقادر عودة رئيس قسم الجيولوجيا بجامعة أسيوط والسفير إبراهيم يسري مدير الشؤون القانونية الأسبق بوزارة الخارجية، وقد سبق أن رفع مع آخرين قضية فسخ عقد بيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل.
خلاصة المعلومات الأساسية في القضية أن ثمة جبلا غاطسا في شرق البحر المتوسط يرتفع أعلى قاع البحر بنحو ألفي متر، يعرفه الجيولوجيون باسم إراتوستنيس. وهو العالم السكندري الذي كان ثالث أمناء مكتبة الإسكندرية في عصرها الذهبي (نحو 200 سنة قبل الميلاد) وكان أول من أشار إلى خصوصية تلك المنطقة في شرق المتوسط، التي تمثل سفوح الجبل. ومنذ الستينيات بدأ التنقيب في المنطقة ومسحها جيولوجيا، إلى أن تحدثت التقارير التي ذاعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن أنها تضم احتياطات من الغاز هي الأكبر في العالم، وأنها تبشر بنقلة كبرى يمكن أن تحدث في المنطقة المحيطة، لا تقل أهمية عن النقلة التي حدثت في منطقة الخليج إثر اكتشاف النفط فيها خلال القرن الماضي.
(2)
في ختام مقاله الأسبوع الماضي وقفت عند السؤال: ما العمل؟ لم يكن ذلك هو السؤال الوحيد، لكنني اعتبرته عنوانا لقائمة الأسئلة الفرعية التي ينبغي أن تثار عند فحص القضية. ولا أظن أننا يمكن أن نختلف حول أهمية التثبت من المعلومات الأساسية الخاصة بالموضوع. وأبرزها ما يتعلق بموقع الاكتشافات التي تم الإعلان عنها وما إذا كانت تدخل حقا في نطاق المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة لمصر. إذ المعلوم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة في عام 1982 قدرت الحدود الاقتصادية البحرية بمسافة 200 ميل بحري. وإذا ما ثبت ذلك فإننا نصبح بإزاء عدوان صريح على حدود الملكية المصرية يزعم للغير حقوقا وأطماعا في محيط الغير بالمخالفة للقانون الدولي.
أدري أن من يسرق وطنا لا يجد غضاضة ولا يستغرب منه أن يسرق بئرا، لكننا نتحدث عن تحرير الوقائع من الناحية القانونية لإثبات الحقوق، إلى جانب ذلك فإن جهدا يتعين أن يبذل لتحديد حجم الاحتياطيات من الغاز الكامنة في تلك المنطقة وما هي الدول التي لها أن تستحوذ عليها أو تتشارك فيها. صحيح إسرائيل تتصرف في الوقت الراهن كما لو أنها الجهة المسيطرة والمسؤولة عن حقول غاز المتوسط، بدليل أنها منخرطة فعليا في عمليات بيعه وتصديره، إلا أن ذلك يعد من قبيل الاغتصاب والقرصنة الذي أرادت به أن تقيم أمرا واقعا تفرضه على الآخرين، مستلهمة في ذلك خبرتها و«نجاحاتها» في اغتصاب فلسطين وتهديد الأرض المحتلة.
يتفرع عما سبق سؤال آخر عن ترسيم حدود مصر البحرية الاقتصادية، سواء فيما خص الجهة التي تتولى هذه العملية أو ما خص اتفاقات الترسيم الجزئية التي حدثت، ذلك أنني فهمت مما أجريته من اتصالات أن وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر ليست لها علاقة بهذه العملية، وقيل لي إن هيئة العمليات بالقوات المسلحة هي التي تتولى الترسيم، ثم تبعث به إلى وزارة البترول لكي يتولى خبراؤها التحرك في الحدود المرسومة. وهو ما يثير بدوره عديدا من علامات الاستفهام والتعجب حول أسباب انفراد هيئة العمليات بتلك المهمة. ذلك أن هناك فرقا بين أن تكون القوات المسلحة طرفا في العملية وبين أن تنفرد بها مستبعدة الجهات الفنية الأخرى التي ينبغي أن يكون لها كلمة في الموضوع. والحالة التي نحن بصددها نموذج يشهد بأن ترسيم الحدود البحرية مع الجيران مهمة أكبر من أن تنفرد بها القوات المسلحة.
الثابت أن مصر وقعت اتفاقية لترسيم الحدود مع قبرص اليونانية في عام 2003. لكن تلك الاتفاقية لم تحدد نقطة البداية من الشرق مع إسرائيل، وكانت نتيجة ذلك أن إسرائيل قامت في عام 2010 بحفر حقل «ليفياثان» على السفح الجنوبي لجبل إراتوستنيس، حيث اعتبرت قبرص أن لإسرائيل حقا في تلك المنطقة، رغم أن ملكية السفح ثابتة لمصر منذ 200 سنة قبل الميلاد، وهو يبعد مسافة 190 كيلومترا في حين يبعد عن ميناء حيفا بمسافة 235 كيلومترا.
الأمر يتجاوز إعادة النظر في اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص التي كانت مدخلا لإهدار حقوق مصر في غاز شرق المتوسط، لأن التعامل الجاد مع الموضوع يقتضي إعادة ترسيم حدود مصر في المنطقة الاقتصادية البحرية بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة، كذلك الحدود الاقتصادية الخالصة لتركيا واليونان المقابلة للساحل الشمالي من الإسكندرية للسلوم، ولا بأس من ترسيم الحدود مع جمهورية شمال قبرص التركية، وهو جهد لاشك أنه سوف يحظى بتأييد ومساندة من تركيا.
(3)
اعتمد في استخلاص هذه النقاط على دراسة الدكتور خالد عبدالقادر عودة والدكتور نائل الشافعي. وعلى التقرير الذي أعدته لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى. وقد لاحظت اتفاقا بين الأطراف الثلاثة على ضرورة إجراء مجموعة من التحقيقات لاستكشاف ملابسات التفريط في حقوق مصر والاستهانة بمقومات وعناصر أمنها القومي. من تلك التحقيقات ما يلي: < تحري ملابسات إعلان الحكومة المصرية إنهاء التعاقد على إمداد إسرائيل بالغاز الطبيعي في 22 أبريل من العام الحالي وبين إعلان شركة ATP للنفط والغاز الأمريكية بعد ثمانية أيام فقط (في 30 أبريل) عن بدء تطويرها لحقل شمشون البحري لحساب الحكومة الإسرائيلية وما يثير الحيرة في هذا الصدد أن التزامن بين القرارين لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة. وأن الحكومة المصرية التزمت الصمت حينذاك، رغم أن حقل شمشون يقع داخل الحدود المصرية. أيضا لابد أن يستوقفنا أن إسرائيل سكتت بدورها عن إلغاء عقد الغاز مع مصر رغم أنه يمثل نحو 43٪ من احتياجاتها. وهو سكوت ليس مألوفا ومريب أيضا، الأمر الذي يثير السؤال التالي: هل تمت العملية من خلال صفقة بين الطرفين، بمقتضاها سكتت الحكومة المصرية على عدوان إسرائيل على حقوقها، كما سكتت الحكومة الإسرائيلية عن فسخ مصر لعقد إمدادها بالغاز؟
< التحقيق في ملابسات الانسحاب المفاجئ لشركة شل من امتياز شركة المتوسط المصري (نمييد) الممنوح لها في شمال شرق البحر المتوسط، الذي يشمل السفح الجنوبي لجبل إراتوستنيس في شهر مارس عام 2011. بعد مضي سبع سنوات على إعلان الشركة في شهر فبراير عام 2004 عن اكتشاف احتياطيات للغاز الطبيعي في بئرين على عمق كبير في شمال شرق البحر المتوسط. وحديث الشركة عن أنها ستبدأ المرحلة الثانية من عملية الاستكشاف ــ التي تستمر أربعة أعوام ــ لتحويل المشاريع المكتشفة إلى حقول منتجة. لم يكن الانسحاب مفاجئا فقط لكنه كان مريبا بدوره أيضا، لأن الشواهد دلت على أن الشركة ظلت تعمل في المنطقة لمدة سبع سنوات، وأنها حققت نتائج إيجابية مبشرة جراء النجاحات التي حققها الحفر، إلا أنها تخلت عن دورها بعد كل تلك الجهود والتكاليف، الأمر الذي يشي باحتمال التواطؤ مع إسرائيل لكي تستولي على نفس الموقع الذي توقعت مصر أن تتحول آباره إلى حقول منتجة.
< التحقيق في تقاعس البيروقراطية المصرية عن متابعة الرسائل والاتصالات التي وجهتها كل من اليونان وتركيا إلى القاهرة، لاتخاذ موقف إزاء التغول الإسرائيلي والتواطؤ القبرصي معها الذي استهدف نهب الغاز الواقع داخل الحدود البحرية المصرية. وقد بلغ ذلك التقاعس حدا دفع بعض المسؤولين المصريين إلى الإعلان عن تمسكهم باتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية مع قبرص، رغم ما فيها من إجحاف، بل إن وزير البترول المصري السابق صرح ذات مرة بأن الاكتشافات القبرصية للغاز لا تقع ضمن الحدود البحرية المشتركة. وهو تصريح تكذبه الخرائط، فضلا عن أن الموضوع خارج عن اختصاصه.
(4)
أنهي هذه الجولة بالتأكيد على عدة نقاط هي: < أن ما حدث من جانب إسرائيل في موضوع الغاز يمثل عدوانا على السيادة المصرية، وإخلالا باتفاقية السلام المبرمة مع مصر.
< أن مصر من حقها أن تطالب إسرائيل وقبرص بحقها ونصيبها من الغاز المستخرج من بئري ليفياثان وأفروديت الواقعين في سفح الجبل الغاطس إراتوستنيس بالتداخل مع المنطقة البحرية الاقتصادية المصرية التي تمثل جزءا من امتياز شركة شمال شرق المتوسط المصري (نيميد) وقد منح لشركة شل عام 1999 وانسحبت منه الشركة بعد ذلك.
< إن الاتصالات الدبلوماسية والتحكيم الدولي خياران متاحان لمصر لكي تحصل على حقوقها أو لكي تثبتها عند الحد الأدنى.
< إن بوسع مصر أن توسع دائرة التحرك بالتعاون مع تركيا لإقامة محور يضم لبنان وغزة وقبرص التركية للحفاظ على حقوق تلك الدول والأطراف في الثروات الاقتصادية الموجودة في باطن شرق البحر المتوسط. وإنشاء ذلك المحور ضروري لمواجهة محور إسرائيل ــ قبرص اليونانية.
< أثبتت التجربة أن ثمة ضرورة عاجلة لأن تسعى مصر لامتلاك القدرة على تصوير أراضيها ومياهها عن طريق قمر صناعي خاص من تصميمها، وهو مشروع يستحق اكتتابا شعبيا يؤسس لنواة وكالة الفضاء المصرية.
أن النخبة المصرية مشغولة بمعاركها وحساباتها وحصصها، ولا أعرف إن كان بينها من هو مستعد لأن يفكر في مستقبل الوطن وما يحيط به، لكنني أزعم أن هناك ضرورة لتقصي حقائق هذه القضية، لأننا إذا لم نعرف بعد إلى أين نحن ذاهبون، فينبغي ألا يستكثر أحد علينا أن نفهم ما يجري حولنا وفي محيطنا.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3630
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3123
| 30 أكتوبر 2026