رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عسكرة الاقتصاد ملف مسكوت عليه في مصر. ليتنا نفتحه قبل فوات الأوان، لنزيل ما أصابه من غموض والتباس ومحاذير
(١)
انطلاقا من متابعة القوات المسلحة لكل ما يشغل الرأي العام المصري، ومن منطلق حرصها على توضيح الأمور وإزالة اللغط لدى المواطنين فيما يتعلق بقضية أزمة نقص لبن الأطفال لزم التنويه على الآتي: (١) لاحظت القوات المسلحة قيام الشركات المختصة باستيراد عبوات لبن الأطفال باحتكار العبوات للمغالاة في سعرها.
(٢) تقوم القوات المسلحة انطلاقا من دورها في خدمة المجتمع المدني، بالتنسيق مع وزارة الصحة بالتعاقد على نفس عبوات الألبان، ليصل سعر العبوة للمواطن المصري إلى ٣٠ جنيها بدلا من ٦٠ جنيها، أي بنسبة تخفيض تصل إلى ٥٠٪.
ما سبق جزء من بيان أصدره يوم السبت ٣/٩ المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية العميد محمد سمير أوضح فيه الموقف إزاء الالتباس الذي جرى في أزمة ألبان الأطفال. تلك التي دفعت بعض الأمهات إلى التظاهر وقطع الطريق في بعض المدن تعبيرا عن الاحتجاج والغضب بسبب عدم توافر السلعة، وفي نص البيان إشارات إلى دور القوات المسلحة في «ضرب الاحتكار الجشع» انطلاقا من «شعورها باحتياجات المواطن البسيط أسوة بما تقوم به من توفير لجميع السلع الأساسية من لحوم ودواجن وغير ذلك في منافذ البيع بجميع المحافظات» «وصولا إلى بذل قصارى الجهد لتخفيف العبء على المواطن البسيط».
(٢)
بيان المتحدث العسكري عن الدور الذي تقوم به القوات المسلحة ليس فريدا في بابه، لكنه مجرد صفحة في سجل المرحلة، والدور الذي تحدث عنه العميد سمير، نوه إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في حواره مع رؤساء تحرير الصحف القومية (في ٢٣/٧/٢٠١٦) حين قال إن دور القوات المسلحة هو أداء عمل شركات المقاولات الوطنية بمعنى أنها ليست شركة لكنها عقل يدير العمل ويشرف على التنفيذ: في هذا الصدد أشار الرئيس إلى أن ٢٠٠٠ شركة وطنية تعمل في المشروعات التي تشرف عليها القوات المسلحة، منوها بالدور الذي تقوم به في ضبط الأسعار من خلال استيراد اللحوم الحية والمجمدة والدواجن بغير وسطاء، إلى جانب دورها في توفير الزيوت والسكر والألبان والأرز.
موقع «مدى مصر» بث في الثالث من سبتمبر الحالي تقريرا إضافيا كتبه الزميل محمد حمامة عن القطاعات الاقتصادية التي دخلتها القوات المسلحة خلال الاثنى عشر شهرا الأخيرة فقط. وهو تقرير حافل بالتفاصيل التي تسلط ضوءا أكبر على القضية التي نحن بصددها، وليس في مقدوري عرض تلك التفاصيل لسبب يتعلق بالمساحة المتاحة، إلا أنني أقرر أن مضمونه كان مفاجئا لي على الأقل. ذلك أنه جمع المعلومات المتناثرة التي يجرى نشرها في بعض الصحف المتخصصة والمواقع التي تخص الجهات الرسمية في الدولة. ومن التفاصيل المنشورة نرى كيف توغلت القوات المسلحة من خلال أذرعها المختلفة في مجالات التموين والأوقاف وتصنيع عدادات المياه وميكنة بطاقات الحيازة وإنشاء المحال التجارية وتصنيع أدوية الأورام وتوريد صمامات ودعامات القلب وشق الطرق وإدارتها والإعلان فيها. إضافة إلى الدخول في مجالات إنتاج الطاقة الشمسية والاستزراع السمكي على مساحات قدرت بألوف الأفدنة نقلت من ملكية الدولة إلى ملكية القوات المسلحة. وأخيرا إنتاج أجهزة تكييف الهواء وترميم معهد القلب، وصولا إلى تطوير قصر الثقافة في كل من المحلة الكبرى وطنطا إلى جانب إنشاء المدارس الدولية التي تطبق النموذجين البريطاني والأمريكي.
في زوايا وأرجاء تلك المساحة الهائلة تتواجد القوات المسلحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأكرر أننا نتحدث عن صورة عام واحد من الأعوام الثلاثة التي أعقبت قيام نظام الثالث من يوليو ٢٠١٣.
إلى جانب الانتشار في مجالات الإنتاج والخدمات فإن أنشطة القوات المسلحة تمتعت بوضع خاص تمثل في الإعفاء من الضرائب العقارية. ذلك أن القائد العام للقوات المسلحة أصدر قرارا بإعفاء بعض مؤسسات القوات المسلحة من تلك الضرائب، وحسب القرار الذي نشرته الوقائع المصرية في ٣ يونيو عام ٢٠١٥. فإن قائمة الإعفاء شملت ٩ قرى سياحية و٥٢ ناديا إضافة إلى ٢٩ فندقا في القاهرة والإسكندرية. كما ضمت ٨ دور للسينما والمسرح، إضافة لمجموعة شركة «دهب» للسياحة و٤ معاهد للغات ومجمعات خدمية وعشرات المصايف والعقارات والفيللات والمحال الكبرى (سوبر ماركت) والحدائق.
(٣)
ما حكاية قيام الجيش بأنشطة خارج مهمته في حماية أمن البلاد (نص المادة ٢٠٠ من الدستور) وتوغله في أنشطة اقتصادية آخرها توفير لبن الأطفال الذي هو من مهمة إحدى شركات القطاع العام؟ وما حكاية إقامته لمدارس مدنية بمصروفات؟ وهل التعليم المدني وتطويره من مهام الجيش؟ وهل تخضع هذه المدارس ماليا وإداريا لرقابة وزارة التعليم، أم أن هذه الوزارة الأخيرة بلا لزوم؟ ــ وما حكاية ما نسب إلى الرئيس من أن تسليح الجيش يأتي من خارج ميزانية الدولة؟ من أي ميزانية يتم التسليح إذن، وهل للجيش موارد منفصلة عن ميزانية الدولة؟ ــ ما حكاية قيام الجيش بمشروعات الطرق وإدارته لها وتقريره لرسوم المرور فيها وملكيته للأراضي المحيطة بها؟ ما حكاية إعفاء العقارات التي يملكها الجيش من الضرائب العقارية بقرار من وزير الدفاع، وهل يملك سيادته إصدار مثل هذا القرار؟ هل يدفع الجيش ضرائب للدولة عن أنشطته الاقتصادية والتجارية؟ وهل يخضع لرقابة أجهزة الرقابة والمحاسبة الدستورية؟ وما حكاية تصريح مساعد وزير الدفاع في مجلس النواب بأن الجيش ينفق على البلد منذ قامت الثورة؟ هل الجيش شيء والبلد شيء آخر، وأليست ميزانية الجيش من ميزانية البلد؟
حزمة الأسئلة السابقة ليست لي، ولا هي صادرة عن طرف معارض، لكن صاحبها يقف في قلب معسكر الموالاة ضمن ائتلاف ٣٠ يونيو، فقد سجلها الدكتور نور فرحات أستاذ القانون المرموق على صفحته يوم السبت الماضي، وفضلا عن كونه أستاذا للقانون فإنه أحد قياديي الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وكان مرشحا لقيادة الحزب، وقد ذكرت ذلك الإيضاح حتى لا يسارع أحد المتشنجين إلى إطلاق سلسلة الاتهامات المعروفة لصاحب أي رأي مخالف، بدءا من الإساءة إلى القوات المسلحة وانتهاء بدعوى إسقاط الدولة ومرورا بالانضمام إلى الطابور الخامس والانخراط في المؤامرة العالمية على النظام المصري التي تستهدف منع السيسي من الترشح لولاية ثانية.
ليس ما ذكره الرجل رأيا شاذا أو استثنائيا، ولكنه غيض من فيض يشهر علامات الاستفهام والتعجب إزاء ما يجرى، خصوصا ما يتصل منه بمكانة القوات المسلحة ودورها في حماية الوطن والحفاظ على حدوده وكرامته. ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي يجد أن أسئلة الدكتور فرحات هي من أكثر الملاحظات موضوعية واحتشاما وغيرة على الجيش والوطن.
سمعت تسجيلا للدكتور حازم حسني الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عبر فيه عن القلق من المسار ذاته، ومما قاله أنه يقطع الطريق أمام الاستثمار لأن المستثمر لن يجذبه شيء في بلد تسيطر فيه القوات المسلحة على الاقتصاد، ثم إن هذا التوجه يقطع الطريق أمام القطاع الخاص ويؤدي إلى ضموره، ومما قاله لي الدكتور إبراهيم العيسوي أستاذ الاقتصاد وخبير التخطيط إن مصر بذلك دخلت في طور عسكرة الاقتصاد بعد عسكرة السياسة...إلخ.
(٤)
هل يحمي الجيش الدولة أم يحمي النظام؟ وهل هو جيش الدولة أم أنها دولة الجيش؟ ليس السؤال نظريا لكنه مستخلص من الخبرة العملية. فالجيش يحمي الدولة في النظم الديمقراطية، بمعنى حماية حدودها وكيانها. أما في النظم غير الديمقراطية فإن الجيش الذي يسخر لخدمة النظام وليس المجتمع. والحاصل في سوريا الآن يشهد بذلك، إذ يفتك الجيش وزبانيته بالمجتمع حماية لنظام الأسد. وفي مجال العلوم السياسية يستشهد بالنموذجين التركي والجزائري. إذا اعتبر الجيش التركي نفسه منقذ الدولة الذي حال دون سقوطها إبان الحرب العالمية الأولى. وبسبب دوره فإنه أصبح مسؤولا عن الدفاع عن الجمهورية والنظام الكمالي، وانطلاقا من ذلك فإنه قام بثلاثة انقلابات ونصف بدعوى حماية النظام الجمهوري. وهو ما فعله جيش التحرير الجزائري الذي خلص البلاد من الاحتلال الفرنسي حتى اعتبر نفسه صانع الدولة وحارسها. ومنذ التحرير في الستينيات فإن دارسي العلوم السياسية يتداولون فيما بينهم أن لكل دولة جيشا لكن الجيش له دولة في الجزائر. كان ولا يزال حتى الآن، بدرجة أو بأخرى.
السؤال صار مثارا في مصر منذ عام ٢٠١٣، ولا تستطيع أن تصنف وضعها الراهن ضمن القائمة التي تضم تركيا والجزائر وسوريا، لكن ذلك لا يعني أن الأمر صار ملتبسا ومحيرا لكثيرين، بحيث غدا بحاجة إلى مناقشة تضبط الحدود وتزيل مظان الالتباس. إذ رغم أن بعض تدخلات القوات المسلحة يمكن أن تكون مبررة ومفهومة فإن بعضها الآخر ليس كذلك. فضلا عن أحدا لا يعلم ما إذا كان الانتشار الحاصل للقوات المسلحة في مجالي الخدمات والإنتاج مؤقت أم أنه مستمر. وإذا كان مؤقتا فلأي أجل، وإذا كان مستمرا فهل يعني ذلك أن القوات المسلحة صارت بديلا عن القطاع العام. وكيف يمكن أن توفق بين مسؤولياتها العارضة في الداخل ومسؤولياتها الأصيلة والكبيرة في الدفاع عن الوطن والأمة والتصدي لأعدائها المتربصين، وإن ارتدوا ثياب «الحملان» الآن.
أدرى أن الموضوع دقيق وحساس، وربما كان ذلك سببا لعزوف البعض عن الحديث فيه. لكن ذلك الحديث لابد أن يفتح يوما ما، وليتنا نبادر إلى ذلك طائعين، بدلا من أن نتطرق إليه مضطرين ومكرهين، وفي ظل الأحوال فليت المنافقين المتشنجين يمتنعون ويخدمون الوطن والمستقبل بسكوتهم الذي هو من ذهب في هذه الحالة.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1033
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
678
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3663
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026