رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في ختام زيارته لمصر عن اتفاق لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين بلاده ومصر معتبرا أن "مصر تظل بلدا محوريا للعلاقات والاستقرار في المنطقة برمتها بينما أكد نظيره شكري أنه لا توجد خلافات كبيرة بين بلاده والولايات المتحدة ورغم تحفظ الولايات المتحدة على ملف حقوق الإنسان إلا أنها عادت لبرجماتيتها وغلبت مصالحها ومضت قدما في تطوير هذه العلاقات وقد قال كيري صراحة "إن الولايات المتحدة مهتمة بملف حقوق الإنسان في مصر، وإن هناك كثيرا من الخلافات من بينها أنه لا بد من التفرقة بين من يلجأون للعنف ومن لا يقوم به مضيفا "نتفهم أن هناك أعمال عنف بالنسبة لبعض القيادات من الإخوان والبعض الآخر ينتهج السلمية ونعلم أن هناك تحديات تواجه مصر " لكن هذه الملاحظات لم تمنع الولايات المتحدة من تأكيد وتمتين علاقتها بمصر ورغم عدم ثبات سياسة الرئيس أوباما في الفترة التي تلت ثورة 25 يناير نحو مصر وقوله ذات مرة مصر ليست عدوة ولا حليفة إلا أنها ارتأت أن تطوير هذه العلاقة ومد مصر بالمعونة العسكرية وتسليمها ما تعهدت به في السابق هو الأفضل لها ولذلك أفرجت إدارة أوباما فى أوائل شهر أبريل المنصرم عن الشحنات العسكرية المتوجهة للجيش المصري التي سبق تعليقها لمدة طويلة والمتمثلة بمجموعة دبابات M1A1 وصواريخ هاربون وطائرات F-16 المقاتلة وقطع غيار متفق عليها من قبل.
فما الذي دفع الولايات المتحدة إلى تمتين علاقتها بمصر وجعلها تغض الطرف عن ملف حقوق الإنسان فيها؟
أسباب كثيرة تدفع لهذا النهج منها أن مكاسب الولايات المتحدة من هذه العلاقة أكبر مما تدفعه فما تدفعه لمصر هو 815 مليون دولار معونة اقتصادية جرى خفضها حتى استقرت عند 200 مليون دولار و1.3 مليار دولار معونة عسكرية. وتمثل المعونات الأمريكية لمصر 57% من إجمالي ما تحصل عليه من معونات ومنح دولية، من الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهما من الدول، والمعونة لا تمثل إلا نحو 2 % من الناتج المحلي الإجمالي لمصر والبالغ 256 مليار دولار ويعتبر بعض المحللين هذا الدعم تجارة وليس مساعدة ومع ذلك فهي تقدمها لأسباب عديدة منها أنها مكافأة لمصر لعقدها سلاما مع إسرائيل ولالتزامها المتواصل باتفاقية كامب ديفيد كما تدفعها نظير خدمات لوجستية بحرية وجوية وتعاون استخباراتي لاسيما بعد 11 سبتمبر كما دعمت مصر عمليات عسكرية أمريكية مصيرية كعملية عاصفة الصحراء التي تم من خلالها تحرير الكويت من الاحتلال العراقي والتي شارك فيها نحو 35 ألف جندي مصري وتنتظر منها الآن أن تساهم بقوة في مواجهة الإرهاب ليس فقط في سيناء وإنما أيضا في خارجها ومن ناحية أخرى فإن المعونة العسكرية وهذا المدى من التعاون الإستخباراتي يجعل أمريكا عالمة بما يجري في مصر ثم إن مصر بدأت تناور وتعيد حساباتها وتلعب بأوراق في أيديها وبدأ الأمريكيون يدركون أهمية توجه مصر إلى أسواق السلاح الروسية والأوروبية وعقد صفقات مؤثرة وفاعلة كصفقة طائرات الرافال الفرنسية حتى ولو لم تكن بديلا عن التعاون العسكري الأمريكي المصري. وقد عبرت صحيفة نيويورك تايمزعن هذا التوجه الأمريكي نحو مصر فقالت " إن هناك أسبابا قوية لإدارة أوباما، للحفاظ على هذا التحالف الوثيق مع مصر، حيث إنه يوفر مرور السفن الحربية الأمريكية عبر قناة السويس وتحليق السلاح الجوي في المجال الجوي المصري، كما أن مصر تعد حليفا مهما فى المعركة ضد داعش" وترى الولايات المتحدة بعد توقيعها للإتفاق النووي مع إيران ضرورة تحقيق توازن استراتيجي في المنطقة خاصة بعد انهيار ليبيا وسوريا فلم يعد في مصلحة أحد انهيار مصر وتحولها إلى دولة فاشلة .
بالإضافة إلى ما ذكرناه فإن اللوبي اليهودي " الأيباك" يدفع بإدارة أوباما لتوثيق تحالفها مع مصر مكافأة لها على تعاونها الأمني المتطور والمستمر مع إسرائيل وقد ارتفعت أصوات كثيرة داخل الكونجرس وخارجه حاثة أوباما على تطوير علاقته بمصر بغض النظر عن تجاوز الأخيرة لحقوق الإنسان المصري وتناولها لجميع القضايا تناولا أمنيا فقد كتب الكاتب الأمريكى الشهير ديفيد أغنايتوس في الواشنطن بوست يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لديها خيار آخر سوى دعم مصر فى كل المجالات إذا أرادت الإدارة الأمريكية تحقيق التوازن بالمنطقة، ويوضح في مقاله، أن دور مصر في المنطقة شديد الأهمية بسبب تصاعد خطر الشيعة والجماعات السنية المتطرفة، وهو ما يجعل مساعدة مصر اقتصادياً وعسكرياً وسياسيا أمرا واجبا على الرئيس أوباما. وارتفعت أصوات أخرى في الكونجرس تطالب أوباما بدعم مصر مثل النائبة الجمهورية كاي جرانجر والنائبة كويز فرانكل وغيرهما وقال ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي السابق إن أهمية مصر الاستراتيجية الآن أكثر مما كانت عليه في الماضي لتحقيق الاستقرار بالشرق الأوسط، وهو أمر بالغ الأهمية، ونحن لا نملك الكثير من الشركاء لمساعدتنا في ذلك، وفي حالة انتشار الفوضى في مصر فسيتسبب ذلك في تفاقم المشكلة.
أما السيناتور الأمريكي السابق جيب بوش أو بوش الثالث كما يحلو للبعض تسميته والمرشح لخوض سباق انتخابات الرئاسة في 2016 فقد حث أوباما على توثيق تحالفه مع مصر السيسي واتهم إدارة أوباما بالتخبط في كثير من الملفات وقال " إدارتكم ليست لها سياسة واضحة تجاه مصر، مما يجعل حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة حائرين بشأن الأولويات الأمريكية في حربها ضد داعش والإرهاب في المنطقة".
وأيا كانت الأسباب وراء زيارة كيري لمصر ومهما كانت أسباب توثيقها لتحالفها القديم مع مصر فإننا نعتقد أن دولا عربية عديدة باتت هي الأخرى تعتقد أن سلامة مصر وقوتها ضرورة حتمية لإحداث توازن استراتيجي في الإقليم ولمواجهة الحركات والتنظيمات المتطرفة وأن هذه القوة لا يمكن أن تتأتى لمصر دون مصالحة حقيقية بين النظام ومعارضيه وعلى رأسهم الإخوان المسلمين ودون تدشين ديمقراطية حقيقية تسمح لكل أطياف المشهد السياسي المصري بالمشاركة وهذا ما أشار إليه أيضا كيري في زيارته الأخيرة لمصر وما تحاول دول عربية إقناع مصر به فهل تلقى هذه المساعي آذانا صاغية في مصر.
خطاب كيري وحل الدولتين
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); في خطاب الوداع الذي استمر ساعة أعلن جون كيرى عن مبادئه الستة لحل... اقرأ المزيد
979
| 02 يناير 2017
النظام المصري وقرار مجلس الأمن الأخير
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مهما قيل في الأسباب التي دفعت النظام المصري لتقديم مشروع قرار إلى مجلس... اقرأ المزيد
1097
| 26 ديسمبر 2016
حلب والمغول الجدد
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); اعتبر هولاكو الجديد بشارالأسد تهديم حلب على رؤوس أهلها وتدمير مبانيها وإرثها المعماري... اقرأ المزيد
1586
| 21 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026