رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المفاجآت المصرية تجاوزت قدرات التوقع بحدوثها المتوالي، وبدا إفلاس سيناريوهات التعامل مع مصر يشي بحالة من الانزعاج تترجمها الرحلات المكوكية المتنوعة إلى القاهرة، بدأت بحديث عن طلبات لقاء لرئيس مخلوع وموضوع في مكان آمن، وانتهت إلى أن يكون لجماعة الإخوان وجود في الحياة السياسية المصرية على نقيض ما كانت تطالب به الجماهير الشعبية في 30 يونيو.
الغريب أن المطلب هو ذاته مطلب فبراير 2011، سرعة إجراء انتخابات للوصول إلى صيغة ديمقراطية لنظام الحكم، وكأنهم يلحقون بهذا القول جملة لا تغادر النوايا تقول "كما نريده ونراه وبمن نشاء"، وزادوا عليها هذه المرة تخصيصا أدق "بجماعة الإخوان".
المفاجآت المصرية كانت دلالة حيوية عالية لدى شعب يستمر في حالة من الثورة والحركة والمقاومة والتعلم ثم يعيد الكره، ليشهد العالم أضخم تحرك شعبي في تاريخه متكررا لثلاث مرات في أقل من 30 يوما، بين يومي 30 يونيو حتى 26 يوليو.
ولكن المفاجآت المصرية لم تعد مجرد حركة تنضج خلال مسيرتها، ولكنها اتسمت بالقدرة على استيعاب الدروس المباشرة خلال 30 شهرا مضت وكذلك ما هو أعمق من المباشرة، وتجاوزت حالة النضج الجماهير والحشود لتتماس مع الجيش، وما يمثله من عمود صلب للوطن والدولة، ونجح وعي الأطراف في استرداد الثورة والهوية وتحرير الدين من ادعاءات طالت قدسيته.
لم تتوقف الإدارة الأمريكية عن التحرك وبحالة من السفور الكامل، متجاوزة الأعراف الدبلوماسية، من قبل 30 يناير وبعده، للحيلولة دون تحقيق الغاية التي خرج من أجلها الشعب.
الشعب لا يريد محمد مرسي رئيسا، وأمريكا وآلاتها الإعلامية تطلق عليه انقلابا عسكريا.
والشعب يرفض الإرهاب والتكفير وجماعة الإخوان، وأمريكا تتشبث بها وكأنها طوق النجاة لشيء يتجاوز مسائل أمن إسرائيل أو ترتيبات ضرب إيران أو مصالح بترولية في الإقليم.
وكأننا بأمريكا تمسك بسيناريو "ألا يحقق الشعب نتائج يريدها"، "ويعتقد أنه حققها بهذا الأسلوب"، "وألا يتجاوز الوعي الشعبي مجرد مطلب لقمة العيش"، "ثم ما معنى أن الجيش ينضم إلى الإرادة الشعبية"، وكأن لسان حالهم يردد كلمات الخديوي توفيق في حضور ممثلي الدول الأجنبية بميدان عابدين إلى أحمد عرابي، "أنتم عبيد إحساناتنا"، ويدور حديث عن وقف تسليم دفعة من طائرات أف 16 إلى مصر، وكأنه عقاب.
ويتكشف أن أمريكا لا تريد لمصر أن تتجاوز حالتها التي كانت عليها تحت حكم مرسي وجماعة الإخوان، أيا كانت الشعارات التي ترفعها الإدارة الأمريكية أو تتجاوزها.
لم تستطع الإدارة الأمريكية أن تفهم مصر كما هي مصر، وليس كما تتصورها أو ينقل صورتها إليها العديد من أصدقائها.
وبلغ الأمر أن يشيع بين الشعب المصري وبحالة من الثقة، مقولة أن الثورة المصرية هي أول ثورة تتسبب في عدم استكمال رئيس أمريكي لمدته الرئاسية.
تحول الفشل الأمريكي في التعامل مع مصر إلى حالة اضطراب في تصرفات الإدارة الأمريكية، وكأنها إدارة ناشئة في العلاقات الخارجية، وبدا أن الإدارة المصرية في هذا الشأن حققت نتائج إيجابية.
وتنشر الواشنطن بوست حديثا للقائد العام للقوات المسلحة المصرية الفريق أول عبد الفتاح السيسي، يمثل علامة رئيسية على تاريخ العلاقات المصرية الأمريكية:
أولا: أن الرئيس أوباما وإدارته "أدار ظهره للمصريين.. وأن المصريين لن ينسوا ذلك" وهو أمر مناقض لمقولة أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا!. وإن كان هذا القول يبدو معاتبا، غير أن عتاب الجنرالات لا يتساوى وعتاب العوام من البشر، وها هو رجل يقود الجيش المصري يتحدث عن المصريين ويعنيه كيف يتم التعامل معهم، وباسمهم يقول إن المصريين "لن" ينسوا هذا، حديث ولغة جديدة على العلاقات المصرية الأمريكية.
ثانيا: "أن الجيش المصري بتاريخه لا يليق التعامل معه بمنع دفعة طائرات".. وكأننا أمام إعلان حالة إدراك لضرورة تنويع مصادر السلاح، فهل تحمل الأيام القادمة تحولا في العلاقات المصرية الخارجية في المجال العسكري، كما تحمل الكلمات من معان، خاصة أن قيمة الكرامة والشرف كانت تملأ خطابه لدعم حركة الشعب والدفاع عنه.
ثالثا: "أن تستخدم أمريكا نفوذها لدى جماعة الإخوان لنبذ العنف"، وهو ما لفت الانتباه أن هناك علاقة وطيدة تسمح لأمريكا أن تطلب من جماعة الإخوان فتنفذ، وبمعنى آخر فقد علق أجراس الإرهاب في رقبة أمريكا، وأنها هي المسؤولة عنه، وهي لغة حديث واضحة وقاطعة لم تسمعها أمريكا منذ زمن بعيد، زمن ترددت فيه معاني الاستقلال الوطني.
رابعا: "أنه لا يفكر في الترشح لمقعد الرئاسة"، وهو نفسه الرجل الذي وصف توليه منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة "بالوظيفة"، ولم يحاول أن يرتدي عباءة القائد الروماني المنتصر.
وتبرز قيمة هذا التصريح في أنه يفصل بين المؤسسة العسكرية واحتياجاتها لقيادات تدرك أهميتها وقيمتها في وطنها وتجرد تحركها عن الأطماع الشخصية، وهو تصريح يعني أن القوات المسلحة ستبقى رمانة الميزان في حركة المجتمع نحو تحقيق أهداف الثورة، وهي تحتاج إلى قائد من هذا الطراز.
ورغم هذه التصريحات ووضوحها، غير أن حالة من عدم الرضا تسود الشارع المصري، بشأن أمرين، أولهما حالة العنف غير المبرر والذي بلغ حالة الإرهاب للمواطن المصري وعدم فض الاعتصام كخطوة أولى لمواجهة الإرهاب الداخلي، خاصة أن وقائع ما يجري في سيناء تؤكد أنها مواجهة تتجاوز مدى الأحداث ولكنها تتصل لتشكل صورة الحرب.
والثاني هو الموقف من جماعة الإخوان، خاصة أن الخروج الشعبي في 30 يونيو لم يكن يسقط إدارة سلطة البلاد لأنها منحرفة، ولكنه كان يسترد الوطن والدين والهوية من حالة التشويه التي أدارتها الجماعة تجاهها، ومعها كل تابعيها من التنظيمات الموالية لها.
عدم الرضا نابع من الثمن الذي يدفعه المواطنون يوميا، وأن التفويض الذي استجاب الشعب لطلبه يوم 26 يوليو لم يكن الغرض منه أن تستفيد جماعة الإخوان وتصبح ممثل الإرادة الأمريكية فوق الأرض المصرية، ولكنه كان تفويضا لإنهاء حالة القتل والتعذيب تحت دعاوى الشرعية، واستخدام الأطفال كموانع بشرية في مواجهة أي عملية تستهدف فض الاعتصامات، غير السلمية قولا ودعوة.
عدم الرضا كاد أن يحول محمد البرادعي من أيقونة الثورة كما يطلق عليه البعض إلى مشكلة الثورة، وبلغ الأمر إلى وصفه بالخلية الإخوانية النائمة رغم معانات الرجل مع تلك الجماعة والأحزاب الموالية لها، ولكن حديث البرادعي عن المصالحة لم يلق ترحيبا وخرج الرجل في حديث استغرق ساعة على فضائية مصرية ليجد فسحة من الوقت لتفسير ما يعنيه.
وبدا الأمر كما لو أن هناك لعنة في مصر لمن يحمل جائزة نوبل، السادات قتله الإسلاميون وسط جنوده، ونجيب محفوظ اعتدى عليه أحد الإسلاميين بطعنة في الرقبة، وأحمد زويل انزوي في أمريكا لعلاج مرض سرطاني، ثم ها هي الفتاة اليمنية كرمان توكل يتم منعها من دخول مصر بعد أن كشفت عن انضوائها سياسيا تحت لواء الإخوان، وترديدها لمقولات اعتبرت وبحق تجاوزت فيها حدود اللياقة بين العرب، وليس كما يتحدث البعض عن حقوق الإنسان كما يراها الأمريكيون وتمارسها السفيرة الأمريكية في مصر آن باترسون والتي تكاد تضع جماعة الإخوان تحت جناحيها.
وعادت إلى الأذهان حالة التردي الأولى في فبراير 2011 عندما كانت الأقوال ثورة والأفعال مضادة للثورة، وخرجت أصوات تتهم الحكومة الانتقالية بالتخاذل وأنها ترعى الخارج أكثر منها تنظر لإرادة شعبها.
فهل ستفاجئ مصر العالم بحركة تصحيح جديدة؟، إن الشعب سيتولى أمر مواجهة الإرهاب في وادي النيل بنفسه دون الاعتماد على الحكومة.
الحقيقة أن الحرب على الإرهاب لن تنتهي بفض الاعتصامات المؤيدة لمرسي، ولكنها ستبدأ على نحو آخر بعد الانتهاء من فض الاعتصامات.
قد يكون إطالة أحبال الصبر، وحل الأمر دون استخدام القوة، ووضع القواعد المنظمة لممارسات الدعوة الدينية، وإنشاء الأحزاب السياسية، والحيلولة دون كل من أتي جرما في حق الوطن أو المواطن، والهروب بجريمته، واعتبار أن الداخل هو صاحب الحق الأصيل في الوطن، وأن من يستمد قوته من الخارج ويتصالح مع الوطن على مائدة أمريكية، هو بالحساب والمنطق جسم غريب على الوطن.
إن ما يجري في مصر الآن يزيد من عزلة السياسيين والنخبة عن المجتمع، وهي مشكلة ممتدة سواء في وضع الدستور الجديد، أو في الانتخابات التي ستنتهي إليها الفترة الانتقالية.
يجب الثقة أن تفويض الجيش لن يضيع سدى، لأن القائد العام للجيش هو من طلبه، ولعل الأيام القادمة تكشف عما يدور خلف الغرف المغلقة، وحجم التحديات والخطط التي توضع لمواجهتها.
ادعت جماعة الإخوان أنها حامية للدين، فمارست الكذب والتعذيب بالشوارع والقتل، ومدهم الله ومن والاهم في طغيانهم، وانكشف أمرهم أمام الشعب، فكيف يعاند أولئك الذين يتحدثون عن عدم إقصائهم، ويتحدثون عنهم كفصيل سياسي، يعاندون الشعب والحقيقة، ولا يملكون مبررا منطقيا واحدا غير أن الجماعات تهدد وتتوعد إن لم يجر تمكينها فهو الدمار والقتل.
الشعب المصري خاض في مواجهة قوى الظلام حربا للدفاع عن دينه، ونصره الله فيها، وكشف ما يتعرض له الأمن القومي، وخرج لاسترداد إرادته والدفاع عن أرضه، وهو في مواجهته كان يسترد هويته ويسترد الثورة، ويجب الآن التوقف عن مفاوضات الانصياع للتهديد الأمريكي بالإرهاب، وإقامة حالة توازن للقوى في مواجهة غطرستها.
إنه الصبر والاصطفاف واليقين بالله والوطن والمستقبل، وكل دم وأي دم هو فداء للوطن شريطة أن يكون العائد للشعب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026