رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدأ تاريخ المكتوم مع وصول شخص مجهول النسب يسمى فلاح وعائلته (الذي تنتسب إليه عائلة آل نهيان) إلى الظفرة العمانية (انظر جريدة الشرق 4 /3 /2018). وكان أجداد المكتوم من أتباع فلاح وخدمه. وفي 1759 قام بنو قتب بشن حرب على تحالف بني ياس الذين تشتت شملهم وهربوا إلى جزيرة صير بني ياس. وفيها قام ذياب بن عيسى، بدعم من سعيد بن راشد بن شرارة بتجميع بني ياس من جديد، ومنها تحركوا، في 1761، إلى جزيرة أبوظبي. حارب ابن شرارة قبيلة النعيم والتقى معهم في منطقة السمحة (شرقي مدينة أبوظبي)، ودارت الدائرة على ابن شرارة فأجبر، في سنة 1826، على الالتجاء بجزيرة هنجام (تلفظ هنيام وهي من جزر دبي تقع مقابل السواحل الإيرانية احتلتها إيران عام 1928). كان يحكم دبي، في 1810، هزاع بن هزاع بن زعل السعدوني الذي عينه حاكم أبوظبي والياً على دبي، ولكن الحاكم الفعلي كانت امرأة وتدعى فاخرة بنت هزاع. وكانت فاخرة تسعى لتوطيد حكم أسرتها في دبي مع استقلالها عن أبوظبي. وفي 1820 أرسلت فاخرة شقيقها الصغير محمد إلى رأس الخيمة للاجتماع باللواء الإنجليزي كرانت كير برسالة توصية من سلطان عمان يوصي فيها بتثبيت محمد في حكم دبي. وفعلاً تم ذلك وأصبح محمد حاكماً لإمارة دبي رغم صغر سنه (كان بعمر تسع سنوات). قام بطي بن سهيل الياسي، بعد هروب ابن شرارة، بأخذ قيادة الرواشد في أبوظبي، وأنجب ابنين هما مكتوم وسعيد. قام مكتوم الفلاسي الياسي (يطلق عليهم لقب البوفلاسة نسبة لأمهم فلاسة بنت هلال الياسي) بتمييز ربعه بأن نسبهم إليه فأصبحوا يعرفون "بآل مكتوم"، ولكنه ظل تابعاً لطحنون بن شخبوط آل نهيان حاكم أبوظبي. قام مكتوم، في 1833، وبإيعاز من شقيقي طحنون، خليفة وسلطان، بقتل طحنون، ونزع خاتمه من اصبعه، وفر إلى دبي. وفي الطريق إلى دبي كتب كتاباً باسم طحنون إلى سلطان بن ماجد السويدي، نائب طحنون في دبي، يأمره فيه بتسليم الحصن إلى مكتوم بن بطي وأن يصل مسرعاً إلى أبو ظبي. صدق السويدي، وهو لا يعلم بمقتل طحنون، وسلم الحصن إلى مكتوم وغادر إلى أبوظبي. قام مكتوم بالاستيلاء على حصن دبي، وشرد أصحابه الأصليين من قبائل السودان والمرر وغيرهم، وأعلن استقلاله عن أبوظبي. خاف مكتوم من قيام خليفة بن شخبوط بقتاله فطلب المساعدة من سلطان بن صقر القاسمي. قام خليفة بن شخبوط بشن عدة غزوات على دبي، فما كان من القواسم إلا أن قاموا بمحاصرة أبوظبي لمدة عام تقريباً. تدخل والي لنجة (من القواسم) وأصلح بينهم، وبهذا اعترفت أبوظبي باستقلال إمارة دبي. أصبح حكم دبي مشتركاً بين عبيد بن سعيد بن شرارة ومكتوم بن بطي حتى وفاة عبيد (خال مكتوم) في 1836. قام مكتوم، بعد مقتل خليفة بن شخبوط حاكم أبوظبي، بإيواء زوجته وولديه، زايد (الذي سيعرف لاحقاً بزايد الكبير) وذياب، نكاية في سعيد بن طحنون الذي يطالب برأسه بسبب قتله لأبيه. وبعد وفاة مكتوم، في 1852، تولى حكم دبي أخيه سعيد بن بطي، ولكن حشر وسهيل أبناء مكتوم عارضا عمهما واستوليا على الحكم في فترة سفره، وأصبح حشر هو حاكم دبي. ولكن سعيد عاد واسترجع الحكم، وهرب حشر وسهيل ولجأوا إلى سلطان القاسمي. توفي سعيد، في عام 1859، بوباء الجدري، فعاد حشر إلى دبي، وأصبح حاكماً لها. قضى معظم سنين حكمه في قتال القواسم، الذين نصروه سابقاً على حاكم أبوظبي، حتى توفي في عام 1886. تولى الإمارة من بعده راشد بن مكتوم. وقد أخذ على راشد أنه عاد بدبي إلى أيامها السابقة عندما كانت تابعة لحاكم أبو ظبي. سقطت بندر لنجة في يد الإيرانيين في عام 1887 وبه تحولت التجارة ووكلاء الشركات إلى دبي. وفي عام 1888 شارك راشد بالغزو على قطر مع زايد الأول، حاكم أبوظبي، وقتل في هذه الغزوة جوعان ابن حاكم قطر. ورد عليهم القطريون بأن قاموا بتسوية أكثر من 20 قرية بالأرض، وسمحوا للظبيانيين، الذين تنكروا بلباس النساء، بمغادرة أراضي المعركة. وفي 1891 قامت قبيلة المرر بالخروج عن طاعة راشد فقاتلهم وهربوا إلى الشارقة. وفي 1893 اشتدت الأزمة بين الشارقة ودبي بسبب قبيلة المرر. وفي 1894 عقد المقيم السياسي البريطاني اجتماعاً ضم حكام دبي وأبوظبي والشارقة وأنهى المشاكل بينهم. وبعد عودة راشد من الاجتماع مرض ومات. تولى بعده ابن أخيه مكتوم بن حشر. وقام سعيد وبطي أبناء راشد بإثارة الناس ضده ولكنه قبض عليهما وسجنهما، وبعد عدة شهور أطلق سراحهما بشرط أن يغادرا دبي إلى الشارقة، على أن يصرف لهما مرتبات مجزية. وفي سنة 1899 سقطت بندر لنجة مرة أخرى بيد الإيرانيين مما جعل ميناء دبي يزدهر، ونشطت حركة تجارة اللؤلؤ. فرض مكتوم رسماً جمركياً قدره 5 % على السفن الداخلة إلى ميناء دبي، وفتح أبواب الإمارة أمام الهنود والإيرانيين لدعم مركزه العسكري والاقتصادي. توفي مكتوم في 1906 وتولى بعده ابن عمه بطي بن سهيل الأمر الذى لم يعجب الابن البكر سعيد بن مكتوم الذي تحالف مع المقيم البريطاني كوكس ضد ابن عمه. قام كوكس وسعيد بتلفيق تهمة لأهل دبي بقيامهم بتهريب السلاح وبيعه للبدو. طلب كوكس تفتيش منازل أهل دبي، ولكن بطي رفض ذلك، فقامت بريطانيا بقصف ساحل ديرة، فتدخل مشايخ ساحل عمان لحل الخلاف. وافق المقيم السياسي كوكس على الصلح ولكنه فرض شروطاً قاسية رضي بها بطي. وعلى إثر ذلك سقط حكم بطي وتوفي في عام 1912. تولى من بعده سعيد بن مكتوم، الذي لم ينس أن البوفلاسة، وزعماء القبائل في دبي قد فضلوا بطي بن سهيل عليه، لذا قرر عند توليه الحكم ان يستفرد بالسلطة، وأن يحتكر مع عائلته معظم الأنشطة التجارية والاقتصادية، مع انفراده بعوائد اتفاقيات النفط، وأموال امتياز تسهيلات الطيران والبرق والبريد وغيرها. وفي 1929 احتج أهل دبي وقاموا بخلعه إلا أن بريطانيا أعادته للحكم. وفي 1938 قامت مظاهرات ضد سعيد، وقامت مجموعة من البوفلاسة باحتلال قلاع دبي مما أجبر سعيد على تلبية مطالبهم بإنشاء مجلس استشاري، ووضع بيد هذا المجلس كافة الصلاحيات. لجأ سعيد إلى الغدر لحسم الموقف لصالحه، فانتهز فرصة زواج ولده راشد لينفذ المؤامرة. فقام بدعوة وجهاء دبي لحفل الزواج، وعندما وصلوا قام بإلقاء القبض على أبناء عمه، وقام المعرس راشد بقتل حشر بن راشد وابنه، بينما فر مانع بن راشد رئيس المجلس إلى الشارقة. وقام سعيد بحرق عيون بعض أبناء عمه بالنار ووضعهم حفاة عراة في قارب وسفرهم إلى البحرين، وألغى المجلس الاستشاري. ويعرف هذا اليوم عند أهل دبي بمجزرة يوم الوهيلة. وأعلن سعيد أن دبي وخيراتها ملكاً شخصياً للحاكم وأولاده ولا يحق لأي شخص السؤال عن تلك الخيرات أو مجال انفاقها. توفي سعيد في 1958 واستلم الحكم من بعده ابنه راشد الذي استمر على سياسة والده. وفي عهده صار شبه اتحاد بين قطر ودبي (حاكم قطر في تلك الفترة كان متزوجاً من مريم بنت راشد آل مكتوم). وفي 1990 استلم الحكم مكتوم بن راشد والذي على يديه تحولت دبي إلى مركز إقليمي للأعمال والسياحة. ولكن الحسد بدأ يقتل كل من الظبياني وأخيه محمد بن راشد على إنجازاته، فقاما، كما تذكر الروايات، بتسميم مكتوم ونقل إلى استراليا ومات فيها، ولهذا رفض سعيد بن مكتوم الابن مصافحة محمد بن راشد أو قيامه بحمل نعش والده. استلم الحكم من بعد مقتل مكتوم، في 2006، أخيه محمد الحاكم الحالي.
وفي الختام نقول إن حكام دبي لم يكونوا بعيدين في الغدر والمؤامرات لبعضهم البعض من حكام أبوظبي، ولكن الفرق أن دبي وبالأخص أيام محمد بن راشد برعت في مشاريع "الشو"، وفي نفس الوقت قامت بتشجيع الهنود والإيرانيين على الاستيطان فيها، مع دعم إيران اقتصادياً على اعتبار أن دبي امتداد بشري وجغرافي واقتصادي لإيران.
والله من وراء القصد ،،
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1671
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1128
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026