رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي مررت قبل أيام مشروع قانون طرحه العضو ماك ثورنبيري يمنح 715مليون دولار بشكل مساعدات عسكرية مشروطة للحكومة العراقية كما يسمح للولايات المتحدة بتسليح الكرد والعرب السنة مباشرة ودون المرور من خلال حكومة بغداد، مشروع القرار مازال في مراحله الأولى ولم يكتمل بعد ورغم ذلك جاءت ردات الفعل سريعة لكن كالعادة متباينة.
تحالف الكتل الشيعية في مجلس النواب ما يطلق عليه "التحالف الوطني" أجمع على الرفض في قرار صدر عن المجلس السبت الماضي قدمه التحالف المذكور ولم يكن توفيقيا متوازنا ما دفع ممثلي العرب السنة والكرد إلى ترك الجلسة وبالتالي لم يشاركوا في التصويت، الحدث فريد من نوعه وسيكون له ما بعده.
البعض من قيادات الشيعة ذهبت بعيدا وهددت باستنفار ميليشيات وتهديد مصالح أمريكية، أما حكومة حيدر العبادي ووزارة خارجيته فلم تكن استثناء وغردت داخل السرب الشيعي وهو ما كان متوقعا، لكن من بين المرجعيات الشيعية لم ينفرد بموقف مغاير سوى المرجع الشيعي العربي محمود الحسني الصرخي الذي أفتى بضرورة تسليح العرب السنة وبشكل مباشر وكتب يقول: (نعم نعم نعم.. للتسليح).
الكرد بالطبع رحبوا بالقرار بعد أن عانوا الأمرين من وعود الحكومة المركزية بدعم البيشمركة عسكريا والتي لم يتحقق منها الكثير.
موقف العرب السنة على العموم مرحب رغم تحفظات البعض واعتراضهم على بعض التفاصيل، والذين أيدوا القرار وفي مقدمتهم ممثلو العرب السنة في حكومة العبادي أو في الحكومات المحلية والعشائر الموالية والتي استهدفها تنظيم الدولة (داعش) من الموصل إلى صلاح الدين والأنبار، هؤلاء باتوا محبطين بعد أن ثبت لهم أن حكومة حيدر العبادي غير جادة بتسليحهم ولا تسعى لتقويتهم في مواجهة التنظيم المتطرف داعش، وبذلك لن يختلف نهجها عن نهج المخلوع نوري المالكي الذي جردهم حتى من السلاح الشخصي، وعندما يحرم السنة من عناصر القوة فإن العبادي إنما يمهد بشكل مباشر لزج البديل وأقصد المليشيات الطائفية في عمليات المناطق السنية ولاسيَّما في الأنبار بعد أن باتت مجهزة بالسلاح الثقيل والمتوسط والخفيف وهو ما يرفضه السنة خوفا من تكرار ما تعرضت له تكريت مؤخرا من عمليات النهب والسلب ونبش المقابر وخطف الأبرياء والقتل على الهوية وحرق المساجد وتدمير المصالح.
أما المتحفظون من العرب السنة، فإن مبرر تحفظهم هو اختلافهم مع الإدارة الأمريكية أولا حول معاييرها المزدوجة، والتحدي الأمني لا يقتصر على التنظيم المتطرف داعش كما تنظر الإدارة الأمريكية بل ويشمل إلى جانب ذلك خمسة وأربعين فصيلا من المليشيات الطائفية الموالية لإيران، لا يختلف تهديد هؤلاء عن داعش لا في الأيدلوجية التكفيرية ولا في سلوك التوحش. وثانيا خلافهم لا على خطورة التنظيم المتطرف بل حول الطريقة المثلى لمواجهته بعد أن ثبت تاريخيا أن استخدام السلاح حصرا ما هو إلا خيار عقيم رغم كلفته العالية، والبديل الأنسب رزمة من الوسائل من بينها إلى جانب استخدام القوة ضد نوعي الإرهاب، داعشي أو مليشياوي، يأتي في المقدمة رفع الظلم الذي حاق بالعرب السنة وضرورة استعادتهم لحقوق المواطنة التي حرموا منها على مدى أكثر من إحدى عشرة سنة.
وهكذا بينما تطابقت المواقف تباينت المبررات، النخب الشيعية تدعي الحرص على وحدة العراق لكن غرضها الحقيقي المبطن والكامن وراء الرفض هو إضعاف السنة، أنها لا تريد شريكا سنيا قويا، بل تريده تابعا ضعيفا لا حول له ولا قوة كما تسعى كخيار بديل إلى مد نفوذ المليشيات الطائفية في المناطق السنية التي ينحسر منها تنظيم داعش من أجل فرض واقع جديد في المناطق المحررة يتيح لها العمل على تغيير ديموغرافيتها والاحتفاظ بها مستقبلا (القصور الرئاسية في تكريت والدعوات بتوطين عوائل ضحايا سبايكر بالقرب منها مثلا).
كما ذكرنا، في لحن نشاز تحاول النخب الشيعية في تبرير رفضها للقرار أن تعزف على وتر وحدة العراق والسيادة الوطنية!، وهي تعلم قبل غيرها أن سيادة العراق ومنذ غزو عام 2003 باتت مستباحة في البر والبحر والجو ليس من جانب التحالف الدولي فحسب بل من جانب دولة ولاية الفقيه، أما وحدة العراق.. فعليك أن تسأل القلوب قبل العقول، وتقرأ الأخبار بحسرة حيث الملايين من العرب السنة وهم يصطفون أمام مكاتب الأمم المتحدة في العالم في طوابير طويلة هربا من جحيم التطهير المذهبي وطلبا لملاذات آمنة.
لا أدري عن أي عراق موحد يتحدثون، عن مجتمع متعدد القوميات والمذاهب والأديان.. بعد أن أصبح العراق نفسه لديه الملايين من المستضعفين.
حديث الذكريات!
مشكلة الإدارة الأمريكية أنها براجماتية، تعطي جل الاهتمام لمن يمسك بالسلطة حتى لو كان على خطأ ويتحمل كامل المسؤولية في انعدام الثقة وأقصد حيدر العبادي ابتداء من نكوله بتعهداته للعرب السنة عشية تشكيله للحكومة، وتراخي قبضته على السلطة أمام أحكام قبضة المليشيات الطائفية على الملف الأمني. وانتهاء بالسماح بنفوذ غير مسبوق لإيران.
ومن جانب آخر، خلاف ترتيب البيت الشيعي برعاية الولي الفقيه فإن البيت العربي السني مشتت لا راعي له، متنوع في الرؤية والموقف، وفي هذه الحالة يسهل على الإدارة الأمريكية نسبيا كما سهل على بريمر عام 2003 التعامل مع الشيعة، ولهذا صدرت أول التعليقات من الإدارة الأمريكية معترفة بسرعة وقوة ردة فعل النخب الشيعية بضمنها موقف حكومة حيدر العبادي ما يدفعها ربما لمراجعة نص القرار لاحقا لأنها أي الإدارة الأمريكية تبقى بأمس الحاجة لحكومة حيدر العبادي في تصديها للتنظيم المتطرف داعش، بينما ستحتار الإدارة المذكورة في تمييز الموقف السني الغالب كي تتعامل معه.
رغم أن القرار محصور بالتسلح فإنه يضع الجميع أمام اختبار جديد، حكومة حيدر العبادي أمام تنفيذ التزاماتها المعلقة مع العرب السنة وهي ذات طابع سياسي وحقوقي كشرط لمواصلة الدعم التسليحي، أما العرب السنة فعليهم أن يوحدوا صفهم ويحسموا أمرهم ويتفقوا.
لكن القرار بعد أن انفرد برفضه تحالف الكتل الشيعية يتيح للكرد والسنة العرب مستقبلا فرصة جديدة لتنسيق المواقف في القضايا المشتركة وبالتالي المزيد من القدرة في التأثير ورسم السياسات خصوصا ما يتعلق منها بحكومة العبادي أو النفوذ الإيراني أو التصدي للإرهاب والتطرف.
الآن، تأكد الكونجرس الأمريكي مجددا من الموقف المتحيز لحكومة حيدر العبادي ضد العرب السنة ومن المتوقع أن يمضي في تشريع القانون إلى النهاية، أما العرب السنة فما عليهم إزاء ذلك إلا أن يكون لهم موقف موحد، وهو لن يتحقق دون ترتيب البيت أولا وهذا لم يعد مطلبا ترفيا إنما هو ضرورة ومسؤولية ليست فقط من أجل حماية مصالح المكون بل من أجل العراق، وإن لم تفلح الجهود الداخلية في تحقيق ذلك كما حصل سابقا، فإن المشروع الجامع برعاية عربية خليجية يبقى هو الحل الأمثل لمعالجة هذه المعضلة المزمنة.
* نائب رئيس جمهورية العراق سابقا
حين يصبح الصوت أعلى من الفعل
في الحياة الإنسانية مشاهد كثيرة تمر بنا دون أن تترك أثرًا يُذكر، كأنها لم تكن. وفي المقابل، هناك... اقرأ المزيد
30
| 07 مايو 2026
وقف سرديات الفرقة
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين إن صح التعبير، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى منصات... اقرأ المزيد
33
| 07 مايو 2026
لنجعلها أسلوب حياة
عادة ما أخرج لعملي الساعة السادسة صباحا، وتكون الشوارع هادئة وأشعة الشمس لطيفة، وأجد الطريق إلى مقر عملي... اقرأ المزيد
27
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1929
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
807
| 03 مايو 2026