رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا هو السؤال الأصعب، من يقتل من في المحروسة؟
في مواقع عدة قبل واقعة العباسية الأخيرة قتل واستشهد نفر من شباب ورجالات. كانوا يشاركون في اعتصامات واحتجاجات وحتى هذه اللحظة لم يعرف من القاتل؟ ما هي ملامحه؟ ما أهدافه من القتل الذي يتم بالرصاص الحي وطلقات الخرطوش وبالأسلحة البيضاء من سيوف ومطاوي وسكاكين صغيرة وأشياء أخرى؟
التحقيقات التي تمت لم تتمكن من الإجابة عن السؤال؟ والأجهزة الأمنية سيادية وغير سيادية ربما لديها إجابة لكنها لم تشأ حتى هذه اللحظة البوح بها لاعتبارات تخصها.ثمة حيرة واسعة تنتابني مع غيري من المتابعين للشأن العام
إنه غموض موغل وصعب على الكشف مثل السؤال تماما. لكن إلى متى يظل شاهرا سيفه بوجه الجميع. فاتحا أبوابه لمزيد من القتل الذي يؤشر إلى حضور ثقافة مغايرة في الواقع الاجتماعي المصري تتمثل في امتلاك القدرة على التمثيل. ومطاردة الهدف حتى الخلاص منه بالذبح والتشويه وقد شاهدت صورة طالب الطب المذبوح في أحداث ميدان العباسية قبل أن تنشرها "الأهرام "فأصابتني الكآبة على مدى النهار كله يوم الأربعاء المنصرم وسكنتني مساحات من القلق على مسار الثورة والتجربة الجديدة في المحروسة وعلى البشر أيضا.
ومبعث قلقي أن تقود متوالية القتل إلى بناء تراكم من ثقافة الانتقام فيتمدد في البلاد طولا وعرضا. مما يدخلها في حقول النار التي لو أضرمت في المحروسة سيكون من الصعب وقفها ولاشك أن ثمة من ينزع إلى تحقيق هذا الهدف الخبيث. والتحريض عليه لم يتوقف منذ انبثاق ثورة الخامس والعشرين من يناير. التي شكلت ولا تزال مبعث قلق لدوائر عدة في الداخل أو في الإقليم المحيط بالمحروسة.
أعود إلى الجوهر وأتساءل مع نفر غيري من يقتل من في المحروسة؟
وقبل الولوج في تحليل الملابسات المحيطة بالسؤال يجدر بي أن أفكر بصوت عال بعيدا: هل كان من الضروري التوجه من قبل أنصار الشيخ حازم أبو إسماعيل المرشح المستبعد من قائمة المرشحين الرئاسة أو غيرهم من القوى المتحالفة معهم إلى مقر وزارة الدفاع والتي تضم مكتب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقيادة العامة للجيش ورئاسة الأركان وغرفة العمليات الرئيسية. وهو ما يسمى هنا بقدس الأقداس للقوات المسلحة أي منطق وأي معقولية استند إليها قرار الزحف إلى هذا المقر؟ هل هو للانتقام من استبعاد الشيخ؟ وهل يكون الثمن إدخال المحروسة في دائرة جهنمية؟ لأن الجيش لن يسمح على وجه الإطلاق بسقوط مقر قيادته فذلك أمر يتعلق بشرف العسكرية؟ وهل يسفر ذلك في رأي الشيخ وأنصاره حتى لو اتكأوا على مبررات ثورية إلى إعادته إلى قائمة المرشحين أو فرضه رئيسا بالقوة؟
ومع ذلك لست من أنصار الرد على هؤلاء المعتصمين من أجل الشيخ بالقوة أو قتل نفر من قبل جهات مجهولة حتى الآن. رغم وصفهم بالبلطجية أو اتهام سكان العباسية الذين شعروا بوقف حال منطقتهم من جراء الاعتصام.
إن منهجية القتل والمطاردة التي بدأت في واقعة مسرح البالون ثم في ماسبيرو ثم شارع محمد محمود ثم شارع مجلس الوزراء مازالت متواصلة. وهي ليست مبررة مهما كانت مبررات من يمارسونها على نحو مخيف. ولست من المصدقين لمقولة الطرف الثالث فهي مقولة غير واضحة القسمات ولا تنبئ إلا عن الاستهانة بأرواح المصريين وهو ما يستوجب من الأجهزة المسؤولة تقديم تفسير منطقي لها وذلك درءا لما يتردد بين أفواه الناس ويلتفت إليه البعض تلميحا أو تصريحا في الوسائط الإعلامية المتنوعة. وفي صدارته أن ثمة قوى مرتبطة بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم والذي تحاول بعض الدوائر أن تصنفه ضمن قوى الثورة المضادة وهو أمر لا أوافق عليه مطلقا لقناعتي بأنه اللاعب الرئيسي الذي انحاز إلى ثورة وثوار الخامس والعشرين من يناير وأعلن بيانه الأول قبل سقوط مبارك مؤكداً مساندته للمطالب المشروعة للشعب المصري ومن دونه بعد توفيق الله سبحانه وتعالى ما كان بمقدور الثورة أن تسقط نظام مبارك العتيد. فضلا عن ذلك فإن ممارسة القتل بتوجيه من المجلس أمر يتعارض مع العقيدة القتالية للجيش المصري التي لا تقوم على توجيه السلاح للشعب وإنما للعدو القادم من وراء الحدود.
ومع ذلك لست في حل من توجيه اللوم إلى المجلس لأنه منذ البدء أبدى تراخيا في التعامل مع ظواهر الانفلات الأمني وبروز رقم الخارجين عن القانون أو حسب التعبير المصري الدارج – البلطجية – ولم يتدخل ضدهم بحسم وكان بوسعه أن يتمكن من فرض سطوته في أنحاء المحروسة التي كابدت من انفراط عقد الأمن وسيطرة رجال وفئات على الطرق السريعة والأماكن النائية فأزعجوا الآمنين وروعوا البشر خطفا وقتلا وسرقات مازالت للأسف مستمرة حتى اليوم مع غياب واضح لرجال الشرطة والمرور وقيام أصحاب المحال التجارية بعدم الاكتفاء بالأرصفة وإنما بالتمدد إلى الشوارع بالإضافة إلى استحواذ الباعة الجائلين على أهم شوارع وسط القاهرة كشارعي طلعت حرب و26 يوليو اللذين تحولا إلى بوتيكات تجارية متنقلة ومناطق تحكمها عصابات تتناحر فيما بينها على النفوذ فتوقف حركة المرور لعدة ساعات أو أيام.
إن المحروسة مقدمة على تجربة مغايرة تماما تتمثل في اختيار رئيس جمهوريتها من بين مرشحين عدة لأول مرة في تاريخها وهو ما فسر البعض الاعتصام الأخير بأنه يهدف إلى إجهاض هذه التجربة والحيلولة دون إتمامها ولاشك أن هذا البعض مخطئ بشدة إن كان يسعى إلى ذلك لأنه باختصار يجهض الثورة التي حلم الجميع بأن تقودنا إلى هذه المرحلة: رئيس مدني منتخب من الشعب مباشرة وعبر الاقتراع المباشر. ولوثبت ذلك فإنه يتعين معاقبة المحركين والمشاركين في اعتصام وزارة الدفاع بوسائل قانونية لأن ما جرى لولا لطف الله كان بمقدوره أن يدفع المحروسة إلى مذبحة دموية قد تعقبها حرب أهلية لا قدر الخالق ذلك أبدا على مصر وأظن أن القرار الذي اتخذه المجلس العسكري مساء الجمعة الماضي بفرض حظر التجول في ميدان العباسية والمنطقة المحيطة بمقر وزارة الدفاع خطوة صحيحة باتجاه فرض الاستقرار في عاصمة الوطن وإلا لتحولت المنطقة إلى بدايات مخاطر تحدق بكل الوطن
وإذا كان الشيخ حازم أبو إسماعيل قد خسر معركة الترشيح لرئاسة الجمهورية هذه المرة. نتيجة عدم توافر الشروط القانونية. فإنه بوسعه أن يخوض معركة تغيير شروط الترشيح للمنصب الرفيع من خلال الوسائط القانونية والتي باتت متاحة على نحو واسع في ظل المساحة الواسعة من الاستقلال التي يتسم بها القضاء المصري لا أن يدفع أنصاره إلى المواجهة والصدام مع رموز المؤسسة العسكرية وفي مقدمتها مقر وزارة الدفاع بالعباسية.
إنني أرفض بقوة منطق القتل الذي تعرض له الشباب المعتصمون وهو ما يدعوني إلى مطالبة المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحسبانه يتحمل المسؤولية السياسية الأولى إلى الكشف بوضوح عن القتلة وهوياتهم وإلى من ينتمون حتى يبرئ ذمته التي يحاول البعض أن ينحي عليها باللائمة وربما التدبير وذلك يتطلب من رجالاته مواصلة الحوار مع مختلف ألوان الطيف السياسي لإنهاء متطلبات المرحلة الانتقالية استنادا إلى الشفافية ولعل الخطوة الأولى- وإن كانت متأخرة نسبيا- تجسدت في عقد ثلاثة من أعضائه لمؤتمر صحفي حاول إلى حد ما توضيح الغامض وتفسير ما جرى ولكنه لم يشف كل الغليل فالشعب مازال في حاجة إلى المزيد حتى يتيقن أن المحروسة بمنأى عن الخطر أو الأخطار التي تسعى قوى عديدة إلى رسمها بوجهها.
السطر الأخير:
أمطرك شعرا
أيا بهية الأماكن
ومزدانة بالمرجان والياقوت
فيك تكويني
براءاتي الأولى
رحلتي للوجد. سكن البيوت
أقيمي داخلي خيمتك الصوفية
انشطري بروحي نصفين:
نصف لسواحل الهوى
وآخر لعشق لا يموت
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
431
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
307
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43509
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5388
| 13 سبتمبر 2026