رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإرهابيون المتطرفون يسجلون جرائمهم بالصوت والصورة ويتحدُّون العالم، وهؤلاء لا يستحيون من جرائمهم، ويعتبرونها قضية عادلة ونصرًا مؤزرًا، ومشروعًا مستحقًا، جرائمهم لا تخفى عن ذي عين وبصيرة، ولكن هل هم فقط الإرهابيون الحقيقيون؟ إن الأكثر جرمًا منهم في الحقيقة هم من يستفيدون بتخطيط وإدارة مباشرة أو غير مباشرة لهؤلاء الإرهابيين، ويصنعون للإرهاب أسبابه ويسهلون جرائمه ويكيلون بمعايير مختلفة لتصنيفه ولتحقيق أغراضهم الدنيئة ومصالحهم التي لا يمكن أن يحققوها بمعادلة المنافسة الشريفة أو الاتفاق الملتزم أو التعاون المتساوي، لذا هم يختبئون خلف الإرهاب والإرهابيين لتحقيق مكاسبهم ومصالحهم، ولإرهاب خصومهم، بما هدد ويهدد حياة البشر الذين بنوا حياتهم على الشرف والإخلاص والجد والاجتهاد، فلا يعبأون بحياة الناس ولا بقاء المدنية، ولا يهتمون باستقرار الأوطان، وإنما يؤججون الصراع، ويزرعون الفتنة، ويشعلون الحروب، وتمثل هذه الفئة دولًا ومؤسسات وشركات هي المستفيدة من تمدد الإرهاب وانتشاره، وتتكسب على نتائجه وصراعه واحترابه.
"بول كيندي"، مؤرخ أمريكي، يرى في كتابه "صعود وهبوط القوى العظمى"، أن بقاء وتمدد أي دولة عظمى إنما يكون بتوجيه طاقاتها نحو عدو مفترض، حتى لا تنشغل قوى المجتمع ببعضها، وهو يتوافق مع تنظيرات "هيجل"، الفيلسوف الألماني، التي تدعو إلى أهمية الحرب وبذل التضحيات حتى يصبح المجتمع قويًا من الداخل.
دراسات المفكر "هنتجتون" في "صدام الحضارات"، وكذلك "فوكوياما" الأمريكي في "نهاية التاريخ"، تستنتجان عدوًا سُمي بـ"العدو الأخضر" وهو الإسلام، وإن سيادة قيم الليبرالية الغربية هي نهاية الإبداع البشري، وهذا تبعه تحديد عدو هو «الإرهاب الإسلامي»، ولإيجاد مسار جديد من الصراع في المنطقة العربية والإسلامية، وتم خلق حالة الحرب على الإرهاب منذ هزيمة الروس في أفغانستان عام 1989م، والصراع بين "القاعدة" والولايات المتحدة، والتي انتهت إلى أحداث سبتمبر 2001م، حيث بدأ بعدها "بوش" الابن بالحرب على أفغانستان والعراق، لتتوالد ردود الفعل وتنامي الإرهاب وتوسع دائرته، خصوصا بعد إسقاط نموذج الثورات العربية التي بدأت عام 2011م لتسقط مفاهيم الاعتدال والوسطية والديمقراطية، وليبدأ عهد جماعات الإرهاب، واستمرار الصراع المتبادل، خصوصًا وأن قرار إسقاط النماذج السياسية للثورات العربية أتى بدعم غربي ودولي، واستبداله بانقلابات عسكرية أو مواجهات عسكرية، وحملات إعلامية دولية وإقليمية ومحلية "شيطنت" الاعتدال، وأبرزت الإرهاب. بل إنها شرعت لدول كالنظام السوري ولميليشيات مجرمة من القيام بجرائم حرب ضد سكان المنطقة كما في العراق وسوريا واليمن وليبيا تلك الميليشيات كالحوثيين وحزب الله وعشرات الميليشيات الطائفية في العراق وحفتر وميليشياته في ليبيا
وقد أكدت الإدارة الأمريكية أن هذا الإرهاب سيمتد لأكثر من 10 سنوات، وأسست تحالفًا دوليًا لمواجهة ما سمي بـ"داعش" الذي لا يتجاوز عدد أفراده بضعة آلاف من المقاتلين، ويمتلكون أدوات حربية تقليدية، في حين أن التحالف الدولي ضد الإرهاب يمتلك مئات الآلاف من المقاتلين برًا وبحرًا وجوًا، ويمتلك أحدث التقنيات والوسائل الحديثة، ومع هذا فإن "داعش" يمتلك مساحات من الأراضي تعادل دولًا مجتمعة، كما أن امتداده اتسع ليشمل دولًا مثل مصر وليبيا واليمن، ودولًا في إفريقيا، وعمليات في أوروبا آخرها عمليات بروكسل الأخيرة في مارس الماضي.
إن الحرب على الإرهاب تجسد جريمة «داعش» وأخواتها ونظيراتها، ولكنها بشكل أكبر وراءها مستفيدون كثيرون من تلك الحرب، منهم:
- اليمين المتطرف الأوروبي يستعيد مكانته انتخابيًا وسياسيًا.
- المحافظون الجدد في الولايات المتحدة متوثبون لإعادة مجدهم.
- مرشحون للرئاسة الأمريكية يقتاتون في حملاتهم الانتخابية على شعار "الحرب على الإرهاب"، بل إن مرشحًا مثل "ترامب"، مرشح الحزب الجمهوري، يتعهد بطرد المسلمين ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، ويريد من المملكة العربية السعودية أن تدفع ضريبة حماية! وهو ابتزاز سافل لمرشح متطرف.
- أما تجار الأسلحة السوداء فهم سعيدون بهذه الحرب، ويزودون كل الأطراف باحتياجات الصراع والاحتراب على حساب دماء الأبرياء.
- حتى المحطات الدولية العالمية والإقليمية وجدت فرحتها في إنتاج الأفلام والمسلسلات الخاصة بالإرهاب، والتي تدر ملايين الدولارات، وإبرام العقود التجارية والإعلانية بما يضخم ميزانيتها ومواردها.
- الشركات الأمنية العالمية من خلال الحرب على الإرهاب خلقت لها بيئة وحالة تنافسية لمبيعاتها وعروضها وعقودها الباهظة واخترقت سيادة الدول
- ومثال على ذلك شركة (بلاك وتوتر) ودورها المشبوه فقد نشرت قناة "ديمكراسي ناو" الأمريكية على "يوتيوب"، تقريرا حول التهم الموجهة إلى إريك برينس، مؤسس شركات "بلاك واتر" التي تولت مهمة حراسة مواقع أمريكية حساسة في العراق، وقالت إن إريك متهم هذه المرة بغسيل الأموال عبر استغلال الوضع في ليبيا.
وقالت القناة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن إريك برينس قام بأدوار مشبوهة في ليبيا، فقد استغل الوضع الأمني ليعقد صفقات مع اللواء خليفة حفتر، الذي تعامل سابقا مع وكالة الاستخبارات الأمريكية، ومع الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، مستغلا وجود الجماعات المسلحة في ليبيا والهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.
- وهناك الكثير من الدول، فرحة بتعزيز ثقة الدول الكبرى بها في محاربة الإرهاب، لدرجة أن جريدة بريطانية وهي "الإندبندنت" تعنون أحد مقالات الكاتب «روبرت فيسك» أن العالم أصيب بالتخمة من "الحرب على الإرهاب".
إن نتائج الحرب على الإرهاب ونتائج مستثمري الصراع على الإرهاب كارثية على المنطقة، إذ إنها تعيش أزمة صراع بين دولها، وتزعزع أمنها بالفوضى، وخسائر في اقتصادها القومي والمحلي، واستمرار فقدان الأمن الاجتماعي، وانهيار الثقة بين المكونات الاجتماعية والعرقية، مما تؤسس لحالات التقسيم الديمجرافي، خصوصا أن سيلًا من الهجرات الديمجرافية تمت وما زالت تتم لتغيير ديمجرافي خطير يؤسس لحالات حروب قادمة على أساس طائفي وعرقي.
فالحرب على الإرهاب لم تصبح بين عدوين ظاهرين متحاربين، وإنما اتسعت لتشمل حالة التغيير الجيوستراتيجي والديمجرافي والاقتصادي في اتجاه الانهيار والتمزق وعدم الاستقرار.
وعلى الجميع أن يسأل: من هو المستفيد من الإرهاب؟ ومن يقف خلفه؟
من الحفظ إلى التفكير.. كيف يتغير التعليم في مدارسنا؟
شهد التعليم خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة فرضتها متطلبات العصر وتسارع التطور التكنولوجي. ولم يعد الهدف من التعليم... اقرأ المزيد
78
| 19 يونيو 2026
حياءٌ يردع الخطايا
ليس أعظم أثرًا في تزكية النفس من خلق الحياء؛ فهو الحارس الخفي الذي يقف بين الإنسان وبين الوقوع... اقرأ المزيد
96
| 19 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. الفراغ لصناعة المستقبل
تمثل الإجازة الصيفية فرصة مهمة في حياة الأبناء، فهي ليست مجرد فترة للراحة والاستجمام بعد عام دراسي حافل،... اقرأ المزيد
66
| 19 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17619
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8238
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4422
| 15 يونيو 2026