رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في وقت تتطلع فيه الشعوب الخليجية الى مزيد من الوحدة والتكامل والتعاضد، للوقوف في وجه التحديات التي تواجه "الكيان" الخليجي، اقليميا ودوليا، صدمت شعوب مجلس التعاون بالقرار الذي صدر امس من الاشقاء في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، بسحب سفرائهم من دولة قطر، في سابقة غير مألوفة في العلاقات الاخوية الخليجية - الخليجية، وفي الاعراف الدولية ايضا، التي درجت على ان السحب يكون في حال الخلاف للتشاور، ولكن في حال الاشقاء يكون الاستدعاء!.
هذه الخطوة من قبل الدول الثلاث جاءت بعد اقل من 3 اشهر على القمة الخليجية التي عقدت بدولة الكويت الشقيقة، التي دار حديث قبلها بالانتقال بالمجلس الى صيغة الاتحاد، التي دعا اليها خادم الحرمين الشريفين في قمة الرياض 2011، واذا بالمملكة العربية السعودية التي دعت الى هذا الاتحاد تضرب اسس مجلس التعاون، فكيف سيكون الحال اذا ما تم الانتقال الى الاتحاد؟
نعود للقضية نفسها: لماذا اقدم الاشقاء في السعودية والامارات والبحرين على سحب سفرائهم وبصورة مفاجئة من قطر؟.
من قرأ البيان "الثلاثي" لا يستطيع ان يمسك تهمة واحدة تستدعي هذا الموقف الغريب، بيان اقل ما يقال عنه انه "هلامي" و"مطاط"، يتحدث عن الأمن والحفاظ عليه، ولا يذكر موقفا واحدا صدر من قطر يستحق مجرد التوقف عنده، فلماذا لم يتم ذكر "افعال" قطر التي تخل بالامن اذا كانت بالفعل موجودة؟
ثم يتحدث البيان الذي "بيّت بليل" عن الاتفاقية الامنية، ولم يذكر لنا هذا البيان التاريخي ماذا يريدون بالضبط من هذه الاتفاقية، حتى تكون الشعوب الخليجية على بينة من امرها؟
امن الخليج يتصدر اهتمام قطر، والشغل الشاغل لقيادتها، وتعمل بكل ما اوتيت من قوة من اجل الحفاظ على امن واستقرار الخليج، ورفاهية شعوبه، وتعزيز التواصل فيما بين الاسرة الخليجية الواحدة، وهو نهج لا يحتاج الى كلام، فمواقف قطر تجاه هذه القضية بارزة، ولا تستطيع دولة او شخصية خليجية ان تنكر ذلك، ونتذكر جيدا عندما اعلنت وزارة الداخلية البحرينية عن قيام قطر في نوفمبر 2011 بتسليمها خلية ارهابية افرادها بحرينيون، كانت تخطط لتنفيذ عمليات ارهابية ضد منشآت حيوية واشخاص في مملكة البحرين، هذه الخلية خرجت من البحرين ولم تمسكها الاجهزة الامنية البحرينية، ودخلت السعودية ولم يتم اكتشافها، وخرجت من السعودية ولم يتم اكتشافها، وعندما ارادت الدخول الى قطر استطاعت الاجهزة الامنية القطرية اكتشاف هذه المجموعة ووجدت عندها مستندات واجهزة، وقامت قطر بتسليم الخلية الى الاشقاء في البحرين، واشادت السلطات البحرينية بالدور القطري آنذاك، هذا هو موقف قطر، ام انكم نسيتموه.
ثم يتحدث البيان عن اتفاق وقع بالرياض في نوفمبر الماضي خلال زيارة قام بها سمو الامير المفدى الذي التقى خلالها بخادم الحرمين الشريفين بحضور امير دولة الكويت الشقيقة، وهذا صحيح، ولكن البيان لم يشر الى هذه البنود، ولم يشر الى ما تم الاتفاق عليه في اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الذي عقد بالكويت الشهر الماضي، والذي تم خلاله الاتفاق على قيام دولة الكويت باعتبارها رئيسة القمة الخليجية الحالية بوضع آليات لتنفيذ الاتفاق وارساله الى الدول الخليجية لمناقشته في الاجتماع الوزاري الذي عقد مؤخرا بالرياض، وهو ما قامت به مشكورة دولة الكويت، وقامت بارساله الى الدول المعنية، فلماذا تفاجأ الحضور في اجتماع الرياض بإلغاء كل ما قامت به الكويت، ووضع آليات وشروط جديدة، لماذا لم يشر البيان "العظيم" الى هذا الامر، ام ان الامر يكتفي بـ "ولا تقربوا الصلاة"؟.. (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
القضية باختصار ليست خلافا خليجيا خليجيا على شأن خليجي، بل هو خلاف خليجي خليجي حول ملفات خارج الاقليم، وهو ما اشار اليه البيان القطري بكل وضوح وشفافية، عندما قال "لا علاقة للخطوة التي اقدم عليها الاشقاء في المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين بمصالح الشعوب الخليجية وامنها واستقرارها، بل باختلاف في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون".
وهذه هي الحقيقة، الخلاف وحتى نكون دقيقين يتمحور حول الاوضاع في مصر، كل له رأيه ومواقفه، فليكن ذلك، ولماذا نهدم كيان مجلس التعاون بسبب خلاف في وجهات النظر حيال ملفات لا تخدم شعوب الخليج، كنا نتمنى ان يكون هناك نقاش حقيقي حتى وإن وصلنا الى مرحلة الاختلاف في وجهات النظر حول ماذا يجب ان تقدم الحكومات الخليجية من خدمات افضل لشعوبها، وان يكون التنافس على هذا الصعيد، بدلا من ان تؤثر اختلافاتنا حيال قضايا واقعة خارج مجلس التعاون على علاقاتنا الاخوية.
ثم لماذا يجب ان نكون "نسخا مكررة"، وان "يبصم" الجميع في مواقفنا الخارجية، خاصة ان ذلك لا يؤثر - او هكذا يجب ان يكون - في الشأن الخليجي، فالاختلاف في وجهات النظر ظاهرة صحية، وهو يحدث في اي منظومة، وما يحدث في الاتحاد الاوروبي خير شاهد، فهذه الدول تختلف في سياساتها الخارجية تجاه العديد من الملفات، لكن هذا الاختلاف لا يدفع نحو سحب سفرائها او توجيه التهم لبعضها البعض.
قطر تغرد خارج السرب.. مقولة باتت ممجوجة، نعم قطر لديها مواقفها التي تنطلق من مبادئها وقيمها، ولا يمكن ان تتزحزح عنها مهما واجهت من تكالب البعض عليها، وفي نفس الوقت قطر تلتزم وتحترم التزاماتها، حتى تلك التي تقولها شفاهة، فما بالكم بالمكتوبة.
قطر كما قال سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير البلاد المفدى "نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا ولا نعيش على هامش الحياة ولا نمضي تائهين بلا وجهة ولا تابعين لاحد ننتظر منه توجيها، لقد اصبح نمط السلوك المستقل هذا من المسلمات في قطر وعند من يتعامل معنا نحن اصحاب رؤية".
قطر تفتح ابوابها للحوار حيال كل الملفات، وليس لديها ما تخفيه او تؤجل نقاشه، على اتم الاستعداد لطرح كل الملفات للنقاش امام الشعوب الخليجية، وعلى اتم الاستعداد لحوار حيالها، فقطر واثقة في نفسها، ولديها الثقة الكاملة في الحوار مع الجميع، ليس لديها "فوبيا" من اي جهة كانت، فعلاقاتها واضحة مع جميع الاطراف، وعلى مسافة واحدة، ولا يستطيع احد ان يدعي انحيازها الى طرف دون آخر، حتى الذين يدعون دعم قطر لجماعة الاخوان المسلمين في مصر، نسوا ان قطر وقفت مع الثورة المصرية منذ ايامها الاولى، ونسوا ان سمو الامير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عندما كان اميرا زار القاهرة بعد نحو 3 اشهر من نجاح الثورة وتحديدا في مايو 2011 وكان من يمسك بالحكم المجلس العسكري والتقى المشير الطنطاوي، وبعدها بشهرين وتحديدا في نهاية يونيو 2011 قام سمو الشيخ تميم بن حمد ال ثاني عندما كان وليا للعهد بزيارة القاهرة والتقى ايضا المشير الطنطاوي، ولم يكن آنذاك في المشهد اي ظهور للاخوان المسلمين، وقامت قطر بتقديم الدعم المالي والمساندة للشعب المصري الشقيق، واستمرت على ذلك حتى بعد حدوث الانقلاب العسكري، عندما واصلت ارسال شحنات الغاز التي تبرعت بها مجانا للشعب المصري خلال فترة الرئيس المنتخب محمد مرسي، واكملت ارسالها فيما بعد إزاحته، ولم تخل بتعهدها.
يتحدثون عن قناة الجزيرة، وضرورة ادخالها "بيت الطاعة" لتكون اعلاما "مدجنا" كما هو باقي الاعلام الرسمي في العالم العربي، ونسوا اننا اليوم في عالم مفتوح، وفضاء تتناقل فيه الكلمة والصورة اسرع من الصوت.
الجزيرة قناة اخبارية لا ترتبط بقطر وهو امر معلن، لكن ماذا عن وسائل اعلام خليجية رسمية تهاجم قطر ليل نهار، وماذا عن شخصيات خليجية رسمية تتولى مناصب رفيعة في بلدانها تتهجم على قطر وتسيء الى حق الجوار؟ لماذا لا يتم الحديث عن هذه الاطراف؟.
لقد ترفعت قطر طوال هذه السنوات عن الرد على هذه المهاترات، ورفضت الانجرار الى هذا المنزلق، ورفضت ابداء اي امتعاض او اصدار تصريح تبدي فيه استياءها، وظلت تؤكد ان ما يقال في وسائل الاعلام الخليجية هي حرية شخصية، وحرية اعلامية، وتركت للقارئ ان يقيم الوضع، لانها تدرك دور الاعلام، وترفض الحجر على العقول والافكار.
كل الادعاءات التي تقال عن قطر لا ترتكز ابدا على ادلة حقيقية بقدر ما هي "قصاصات" صحفية، وليتها من صحف محترمة، بقدر ما هي صحف "صفراء" تعيش في مستنقع آسن، وتعتمد على من يدفع لها اكثر.
يتحدثون عن دعم قطر للحوثيين، كيف يمكن التصديق بذلك، وقطر قبل نحو شهرين قامت بدعم الحكومة اليمنية بأكثر من 350 مليون دولار مساعدات، اضافة الى مشاريع تنموية في مناطق مختلفة من اليمن، دعما للاشقاء في هذا البلد العزيز.
يتحدثون عن دعم الاخوان المسلمين الذين كما يقولون انهم يريدون تغيير انظمة الحكم في بعض البلدان، واتساءل ما هو نظام الحكم في قطر؟ اليس نظام الحكم في قطر شأنه شأن بقية الدول الخليجية، حكما وراثيا؟ كيف يمكن التصديق بهذه الادعاءات..؟.
اشقاؤنا في المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين استاؤوا من اختلاف وجهات النظر والمواقف معهم حيال الملف المصري، مجرد اختلاف المواقف، فقاموا بسحب سفرائهم من الدوحة، ولم يقدموا على خطوة مماثلة او حتى قريبة عندما اطلقت صواريخ من العراق على الاراضي السعودية الشقيقة، ولم نسمع صوتا عن الاعدامات التي تنفذها حكومة المالكي بحق المعتقلين السعوديين في السجون العراقية..، وهو عمل اجرامي نؤكد تضامننا مع احبتنا واشقائنا بالمملكة تجاه اي تهديد يستهدفهم من اي جهة كانت.
اشقاؤنا في الامارات اقدموا على خطوة سحب السفير من الدوحة لمجرد اختلاف وجهات النظر والمواقف ليس في قضية خليجية - خليجية، انما في ملف خارج نطاق شعوب المجلس، لماذا لم نجد هذه الحمية مع دولة تحتل جزرا اماراتية، بل يعرف العالم ان اكبر تبادل تجاري هو مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، ونحن نؤكد دائما على رفضنا لاحتلال الجزر الاماراتية، وضرورة عودتها الى الوطن الاماراتي العزيز.
اما اشقاؤنا في البحرين فلا اريد الحديث او التطرق الى سحبهم للسفير...
ان المرحلة التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة حساسة، تتطلب مزيدا من التكامل والوحدة لمواجهة التحديات التي تواجهنا، كنا نتمنى ان نحتفل في الذكرى 34 لتأسيس مجلس التعاون في مايو القادم ونحن اكثر تماسكا، واكبر قوة، لمواجهة التكتلات الاقليمية والدولية، لكن ان تحدث مثل هذه الهزة، فهذا امر في غاية الاستغراب؟! وهل مثل هذه الخطوة وقتها الآن؟.
يشهد الله ان قطر قيادة وشعبا تبتغي للخليج قيادة وشعبا، فردا فردا، العزة والكرامة والمنعة والرفاهية لشعوبه، ومزيدا من الامن والاستقرار، وتسعى جاهدة لترسيخ هذا الامر بكل ما تستطيع من فكر ودعم، يدا بيد مع اشقائها في بقية دول مجلس التعاون الخليجي.
املنا ان نتجاوز هذه "الغمة" لأننا مؤمنون بتاريخنا المشترك، ومصيرنا الواحد، وروابطنا المتداخلة اسريا..، لا يمكن ان تنفك اواصر ابناء الخليج تحت اي ظرف كان.
ستظل قطر على مبادئها وقيمها وثوابتها التاريخية، ولن تنحني، ولن تساوم على هذه المبادئ والقيم التي توارثناها ابا عن جد، وسننقلها الى ابنائنا واحفادنا، كل يسلم الراية الى الآخر، بكل عزة وشموخ وإباء...
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3762
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3195
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1146
| 05 مايو 2026