رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إستراتيجية إشراك المواطن في أصول الدولة من بداية شركة صناعات وبعدها ناقلات وبروة وغيرها، خلق ثقافة عامة استثمارية وجعلت المواطن شريكا إستراتيجيا للدولة، ومع الوقت جاء الطرح الأخير للدوحة للاستثمار ليعمق ويوسع تلك الشراكة ومعها ثقافة الاستثمار، ومما لاشك فيه أن هناك أسبابا أخرى مهمة لخلق ثقافة استثمارية تبني عليها الدولة اقتصادا يتلافى معوقات الاقتصاد، والتي تتمثل في ضيق السوق وغياب التشابك الصناعي وصغر مساحة الدولة وقلة السكان واختلال التركيبة السكانية، وندرة الأراضي الخصبة وتغلب البيئة الصحراوية وشح الأراضي الزراعية ومصادر المياه.. وفي المقابل وفرة رأس المال وطاقات شابة متعلمة في أفضل الجامعات. بالإضافة لتطلع المواطن لبيئة نظيفة وصحية، كما تعالج هذه الإستراتيجية مشكله أخرى هي عدالة توزيع الدخل. ولذلك فإن طرح أسهم شركات تدر على المواطن دخول مجزية هي الآلية الأفضل لتوزيع الدخل وهي مشكلة واجهت كل الأمم. ولكن خيار إدخال المواطن في شراكة فعلية مع الدولة في أصول قائمة ومنتجة هو الأفضل بين جميع تلك الرؤى والإستراتيجيات، وحلت هذه الإستراتيجية بدل حل استقطاع ضريبي، فبدل سن قوانين ضرائب ارتأت الحكومة منح المواطن أوعية استثمارية تساعده على تنويع دخله وتمكنه من الحصول على دخول لا يستطيع تحقيقها المستثمر الصغير، ومنها أيضاً هدف امتصاص السيولة الفائضة حتى لا تحدث ردات فعل في الاقتصاد تعيقه مثل التضخم وهذا تحصين للاقتصاد بشكل مسبق وقبل حدوث اختناقات، لقد مرت الأمم في مراحل عبر الزمن أعطت سمة لبنية المجتمعات الإنسانية، فبداية كانت سمة تلك المجتمعات، مجتمعات صيد وبعدها رعوية وبعدها زراعية وفي بعض المناطق دخلت الاقتصاد الإقطاعي، ثم انتقلت للاقتصاد الصناعي وبعده الاقتصاد الخدمي، وبعده ما سمي باقتصاد المعرفة ولكن نعتقد أن هناك مرحلة تسبق ذلك وهي الاقتصاد الرقمي، وهكذا طبعت الدول صفة المرتكزات التي تؤسس الاقتصاد، وكانت صفة الاقتصادات النفطية أول ما طبع اقتصادات المنطقة، ومن ثم جاء الغاز ليحول سمة بعض الدول إلى دول غاز، ومن ثم تم توسيع التعريف إلى دول طاقة وهو التعريف الأوسع، وهذا يسمح للمشرع وصاحب القرار أن يحيط بتقنيات وفضاءات ما كانت لتدخل حيز تفكيره لو لم يتم توسيع نطاق التعريف، فمثلا في اقتصاد الطاقة يمكن أن تكون هناك توجهات لإدخال الطاقة البديلة، ولكن في اقتصاد النفط قد يكون من الأجدى محاربة تلك التوجهات لأنها منافس قوي للنفط والغاز، ولذلك فإن تعريف ماهية الاقتصاد تمكن من توجيه الإمكانات والجهود في الطريق الصحيح والأكفأ.
إن رؤية دولة الاستثمار تملكت صاحب القرار وهي رؤية أساسية تعالج الكثير من الإشكالات البنيوية في إيماءة صادقة، هذه الشراكات تعالج تبعات قرارات إستراتيجية مثل التدفقات النقدية بعد الاستثمارات الكبيرة في مشاريع الغاز، والتي خلقت فائضا لا يمكن استثماره في الاقتصاد الوطني وأحدثت اختلالات إيجابية كبيرة في بنية الاقتصاد، ولذلك الحاجة للصندوق السيادي، والذي من شأنه أن ينوع دخل الدولة جغرافيا وقطاعيا ويعمل في دورات اقتصادية مختلفة ويستفيد من ميزات نسبية لدول مختلفة، و قد مكنت هذه الفوائض المالية من خلق طموح عملاق في بناء دولة حديثة تشارك العالم العربي والعالم أجمع وتساهم في الاقتصاد العالمي، فكأس العالم والفوز باستضافته يحتم الاستثمار بشكل غير مسبوق في البنية التحتية المحلية، وفي هذه الحالة لا بد من امتصاص ما ينتج عن ذلك من ضغوط تضخمية في الاقتصاد والحل الأفضل طرح شركات تمتص الفوائض المالية وتوظفها خارج الدولة، ولكن ما هو أبعد من ذلك أنه أصبح هناك إيمان عميق أن الدولة أخذت الصفة الاستثمارية كأهم مرتكز للدولة، إن كان بسبب الصندوق السيادي وحجم الاستثمارات أو بسبب ضيق السوق وعدم قدرة السوق لاستيعاب حجم التدفقات النقدية، أو الحاجة لتنويع الدخل للدولة والفرد وهذه غاية سامية بالتطلع ولوضع الاقتصاد الوطني وارتكازه على مصادر الطاقة الكربونية، ولذلك فإن التنويع في الأدوات الاستثمارية والتنويع الجغرافي يمكن الدولة والمواطن من خفض المخاطر من الدورات الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية أو الصدامات بين البلدان أو الاضطرابات الشعبية أو التحولات في تقنيات الطاقة البديلة.
وأيضا تجنب الدولة والمواطن أي تغيرات تقنية أو أساسية في عمليات الإنتاج وأي تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي كما يحدث بشكل دوري، وأخذ دور الدولة الاستثمارية يعطي الدولة المرونة أيضا في حال عصفت التحولات والتغيرات في قطاع أو اقتصاد دولة معينة، فستكون الدولة قادرة على إعادة هيكلة استثماراتها والانتقال من قطاع إلى قطاع ومن دولة إلى دولة، وسيتعاظم دور الاستثمار في الدولة مع مرور الزمن ويتراجع دور الطاقة الكربونية، وهكذا فإن دور دولة الاستثمار دور يجعل من أصول الدولة داعما حقيقيا للتنمية منخفض المخاطر، مفهوم دولة الاستثمار مهم لأنه في حال طرح للنقاش والحوار وانتهينا إلى أن تعريف الدولة على أنها دولة استثمار هو الأجدى في هذه المرحلة القادمة، سيمكن من وضع رؤية واضحة لما تحتاج الدولة والمواطن من مشاريع وتوجهات في إطار مفهوم دولة الاستثمار، وقد يكون نموذج الاقتصاد البريطاني هو الأنسب في الوقت الحاضر والبناء عليه وتطويره فالاقتصاد البريطاني يعتمد الخدمات المالية كأحد أهم المحركات للاقتصاد البريطاني، ولذلك فإن العناية والتركيز على القطاع المالي وتنميته سيكون على رأس قائمة الأولويات.
هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟
قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد
228
| 10 أغسطس 2026
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد
438
| 10 أغسطس 2026
قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة
تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد
144
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8403
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4875
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1107
| 09 أغسطس 2026