رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المتابعة لمجريات الأمور في مصر لا تغري عاقلا بالمغامرة والخوض فيها، وإلا خرج وفرسه الأبيض ورداؤه الناصع البياض ملطخا بدماء الشهداء وطين أحذية البيادة، فالالتباس أصاب كل الأشياء، ورغم الصراخ في أجهزة الإعلام والمجلس والأحاديث المتتالية حول الانتخابات والدستور ولجنته والرئيس القادم والانفلات الأمني وطهارة وزارة الداخلية والهتاف بإسقاط حكم العسكر والطائرة العسكرية الأمريكية التي حملت 16 أجنبيا من محبسهم إلى قبرص متجاوزين في ذلك حكم محكمة، رغم كل هذا فإن مصر تبدو ثورتها وقد دخلت بحرا من الرمال المتحركة، ولا يحاول أحد أن يتوقف لقليل من الوقت لمراجعة إلى أين المسير.
اللحظة هي نتيجة مباشرة لميزان القوى جرت إعادة صياغته عنوة في أعقاب ثورة يناير، وكأنه سيناريو معد سلفا وجرى إعداد عناصره على مدى زمني بغير حدود، ويمثل قمة الانقلاب على الشعب وتاريخه وتضحياته وآماله ومقاصده العليا.
وانتقلت قوى سيناريو الاستيلاء من حديث عن ثلاثين عاما مضت لتكشف عن وجهها وتتحدث عن ستين عاما مضت، وكأن عناصر هذا السيناريو يستكملون ما بدأته المخابرات المركزية الأمريكية وثبت عليه محاولات الانقلاب باسم الديمقراطية في أول الخمسينيات، ثم محاولات الاغتيال المتتالية، وحرب العدوان الثلاثي وقبلها اغتيال الموساد لمصطفى حافظ في غزة وصلاح الدين مصطفى في الأردن، ومؤامرات ما سمي بالرجعية العربية، والحصار الاقتصادي ومحاولات الحيلولة دون بناء اقتصاد وطني حر وعدوان 1967، وإهدار انتصار السلاح في 1973، خلال كل هذه الفترة كانت مصر بالفعل تحت السلاح تقاتل وتبني.
وبعد تولي السادات عادت مصر للخلف أربعين سنة أخرى وجرى اغتيال الحركة الوطنية بتحالف بين السادات والإخوان حتى قتلته التنظيمات الدينية وبقدر حبه للمغامرة كانت نهايته الاغتيال بين جنود القوات المسلحة.
كان قدوم حسني مبارك خروجا أيضاً عن سيناريوهات ما بعد النصر العسكري لتنقلب مصر من دولة ذات قيمة بين دول المنطقة والقارة الإفريقية، إلى جمهورية من دول الدرجة الثانية والثالثة وعلى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وبدا المشهد أن مصر بكل حضارتها صارت تحكمها عصابة.
ولأن التاريخ يقف صاغرا أمام حركة الشعوب ويستجيب لفعلها، كانت مصر يناير بطليعتها من الشباب وشعبها تحمل في ضميرها إرادة الثورة والتغيير، لتفاجئ العالم بأن هذا الجسد الذي ظنوا أنه قد مات وغير قابل للحياة ينتفض ليقلب الموازين خلال 18 يوما من أعظم أيام تاريخ مصر، ويسطر الشعب المصري صفحة جديدة لمعنى الثورة الشعبية وقدرتها على تطوير أهدافها وفق المتغيرات اللحظية، فوق قدرتها على الإمساك وبوضوح بأمل التغيير والاستعداد للشهادة في سبيله.
وبعد عام من الثورة لا يبدو المشهد انقلابا عليها وإنما يبدو امتدادا للانقلاب على مبدأ الحرية ذاته فيقف المنقلبون على 23 يوليو جنباً إلى جنب مع المنقلبون الجدد على 25 يناير.
وتغفل جموع المنقلبين عن أن إعادة هيكلة القوات المسلحة بعد يونيو 67 وإن كان ظاهرها الجيش لكنها أعادت بناء الدولة لتخلق حائطا يحميها لعقد أو أكثر بعدها وإلا لسقطت من المؤامرات الداخلية المستعرة.
ويبدو المشهد اليوم وكأن لورانس العرب الذي أقام نظام الجزيرة العربية على أنقاض الخلافة العثمانية والهاشميين، قد عاد ليكمل الدور وليستكمل إقامة نظام جديد في مصر على أنقاض وطن وشعب ودولة، ومعه ومن خلفه كل القوى التي كانت أو استحدثت جديدة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد سقوط الكتلة الشيوعية، ومعه كافة أجهزة قوى العالم القديم والجديد وبكل ما جرى بناؤه من تنظيمات داخلية، لها ذات العقيدة المتدثرة بأردية الدين، والمنصاعة للإرادة الخارجية.
مشهد يتحدثون فيه عن ستين عاما مضت من العذاب، ولا يملكون في أيديهم غير نداء الأممية الإسلامية وبداياتها إسقاط الدولة المصرية، بحصار للوطنية وإهدار للهوية وإعادة صياغتها بما يتفق والهوى وضرورات السيناريو الجديد.
الصراع في مصر وعليها صراع إرادات، منذ الاستعمار التقليدي إلى زمن الخصخصة والعولمة.
وما يمكن رصده من غرائب السيناريو الجاري فوق أرض مصر هو اللقاء بين التنظيمات الدينية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، لقاء غير جائز تحت أي دعاوى إلا إن كانت صياغة اللقاء معدة سلفا بالأدراج، بتحديد أبعاد المصالح لكل طرف، ووحدة التصور للمستقبل، وغير هذا فهو زواج مؤقت وأهدافه مكتومة في الصدور والصدام بين أطرافه قادم.
الجيوش في أي مجتمع لا تستطيع أن تتخلف عن عصرها، حتى وإن كانت إمكاناتها لا تتيح لها أن تملك ما تريد. وهي تملك من المعلومات عن عدوها وعن الداخل ما يكفي لصانع القرار أن يملك بدائل تمكنه من تحقيق النجاح أو على الأقل تمنع عدوه من تحقيقه. والجيوش ليست بناء أصم، لا تفاعل داخله، فأبناؤها هم عناصر من الشعب يجري عليهم أو على أهلهم ما يجري على الجميع، فضلا عن أن الجيش لم يعد جيشا من أبناء الطبقات العليا في المجتمع بل هو تعبير عن كل مكوناته الاجتماعية، الأمر الذي يجعله في حالة تفاعل وليس جدارا أصم.
فكيف والحال كذلك أن يرى من المجتمع جماعة بعينها دون المكونات السياسية والاجتماعية للمجتمع ذاته.
الجيش فيما فعل لم يكن خائنا، ولكنه كان يحكمه أحد بديلين، إما أنها قناعة ودور يمكن به التنظيمات الدينية ليتفرغ هو لدور آخر لا نستطيع رصده في اللحظة، أو بديل آخر أنه يخرج ما بعمق المجتمع لصدام قادم حتما.
منذ اللحظة الأولى وفي أول قرار بتحديد لجنة التعديلات الدستورية، سلم الجيش للإخوان دفة الأمر بتعيين البشري رئيسا للجنة التعديلات وضم شخصا واحدا من التيارات السياسية وهو محام من الإخوان، ولم تكن هوية ممدوح شاهين السياسية محددة ومازالت غائمة، ولكن خيار الجيش كان واضحا بالدليل العملي، اختار الإخوان.
فماذا كان يعني المجلس العسكري بخياره هذا؟ لا يقول أحد إنه أراد جماعة منظمة لها رأس يتحدث معه، ولها جسد ينصاع للرأس بالطاعة.
فالرأس والجسد، كانا تحت السيطرة، ولم يفتح لهم الأبواب إلا المجلس العسكري وخياراته، فالمجلس العسكري الذي قبل أن تنطلق رصاصات القتل تجاه الشباب الثائر، لم يكن يمنعه شيء إن اختار تغيير اتجاه التصويب في جهة أخرى.
وإذا لاحظ الجميع غياب الداخلية عن دورها الأمني، وحصار جهاز أمن الدولة المؤقت في الأيام الأولى للثورة، إلا أن الداخلية كانت تملك ثلاثة عناصر جرى حشدها وإعدادها وتمكينها بهدوء، وهذه العناصر الثلاثة تمثلت في التنظيمات السلفية، واستخدمت في مواجهة الإخوان بعض الوقت، واستخدمت قياداتها عبر فضائيات مفتوحة على مصراعيها لزلزلة الوعي الشعبي وتغييبه عن قضايا الحياة، حتى وصل بأحد شيوخها الذي يملأ البصر الآن أن أفتى بعدم جواز الخروج على الحاكم طالما أنه مازال يفتح المساجد للصلاة، وتناسى أن الأرض كلها جعلها الله طهورا، ولم يختص المساجد دون باقي أرض الله. وكانت تشكيلات السلفيين مهيأة لتلقي تعليمات الخروج بواسطة الداخلية عبر مشايخها، وكان التشكيل الثاني هو ما أطلق عليه البلطجية، وهؤلاء جرى تجربتهم في انتخابات 2005 وانتخابات 2010 ونجحوا في الظهور للمرة الأولى يحملون أدوات القتل كما مجتمعات الحروب الأهلية في مجاهل إفريقيا. كانت الداخلية بعد الثورة كامنة وتركت البلطجية طلقاء اليد في ترويع المجتمع. وثالث ما كان بالداخلية هو تنظيم "العادلي" والذي كان مختلفا حتى عن أمن الدولة، وهو يقود ويتابع ويقترف الجرائم كما يشاء.
تنظيمات الداخلية أضافت إلى الإخوان ذراعين آخرين واحد يشكل عمقا وصل مع الإخوان إلى %60 من مكونات المجتمع السياسي قهرا وبالقوة وباختيارات في التوقيتات وجدول أعمال للفترة الانتقالية مكنهما معا من المشهد السياسي، والآخر يمثل أداة الترهيب والترويع في المجتمع، والمجتمع يتحدث ببراءة الحملان عن أن للداخلية مهام يجب أن تؤديها معتقدا أنها لا تؤدي مهامها وفق السيناريو المعد سلفا.
ولم ينه السيناريو مشاهده دون أن يعيد الإعلام إلى حظيرة النظام المعد سلفا وأن يتجاوز دور القضاء.
وأن يترك جهاز الفساد الذي يدير الدولة في مكانه، فيستشري ويزداد فجورا.
وكانت مقاومة الثوار لهذا السيناريو غير محدودة، مما أوصل المواجهة إلى حد القتل العلني وبلا رادع للثوار قتلا انتقائيا يعلم من يقتل ومن يعتقل ومن يحاكم ومن يحبس، وتركوا لنا ملهاة نتسلى بها هي محاكمة الرئيس المخلوع وابنيه وبعض من قيادات الداخلية، وانهار من بناء الثورة جدر عديدة انزلقت إلى تحويل الشهداء والمصابين إلى سلعة وتجارة وليسوا ثمنا دفعه الشعب لاستخلاص حريته وإرادته.
ما تواجهه الثورة في مصر ليس تداعيا بالصدفة، ولكن التعامل معه على أنه سيناريو جرى إعداده مسبقا وبإحكام، يبعد بالتحليل عن السقوط في خطأ الانسياق وراء متغيرات وأقوال تخرج بمصر من فعل التغيير إلى حالة التغييب، والتي يتسارع في اللحظة إنتاجها من كافة المصادر.
"اللحية الحديدية" هل هي التوصيف الأقرب لواقع ودور التنظيمات الدينية؟
أطلق على حرس الملك فاروق اسم "الحرس الحديدي"، وانضم إليه أنور السادات في مرحلة من حياته، وهذا التشكيل اعتبر مسؤولا عن محاولة اغتيال مصطفى النحاس زعيم الأغلبية. وكان هناك تشكيل لحماية مبارك والعائلة أطلق عليه "الأفعى الحديدية".
وتبدو التنظيمات الدينية في اللحظة تنظيما يحمل ذات سمات التشكيلات السابقة، يبدأ بالحماية فهل يصل إلى الاغتيال؟، ولو كان الاغتيال معنويا للثورة وشبابها.
ويبدو من تتابع الأحداث أن هذا السيناريو كان معدا سلفا لمواجهة عملية التوريث إن استلزم الأمر أن يتحرك الجيش، والفارق أنه في حالة التوريث كانت الداخلية والبلطجية والسلفيون في جانب آخر من الصراع في مواجهة تحالف المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان، ولكن ثورة يناير جمعت بين فرقاء سيناريو التوريث لمواجهة الثورة، وصار عبء المواجهة حادا وقاسيا على الثوار.
الأمر يستدعي مراجعة أمر قوى الثورة، هل سيستجيبون لمحاولة الاحتواء من المجلس العسكري، وهل سيبقون بلا تعبير مباشر عنهم تنظيما وقيادة، وسيكتفون بمن جلبتهم الأحداث إلى السطح بأهوائهم ورؤاهم الليبرالية فاقدة البعد الاجتماعي إلا من باب التجميل وتحسين الأقوال بما يتوافق مع هوى الكتلة الشعبية؟
وهذا حديث آخر سنعود إليه لأنه يستحق أن ينال حظه من القراءة المتأنية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5256
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2631
| 08 سبتمبر 2026