رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرتع في اللغة، وقبل الخوض في حديث اليوم: هو العيش في رخاء ونعيم. وقد جاء عن علي بن أبي طالب قال للفاروق عمر - رضي الله عنهما – حين جاءت غنائم فتح بلاد فارس إلى المدينة في تعليق له على كلام عمر (إنّ قوماً بعثوا هذا لأمناء) فيقول له علي:" يا أمير المؤمنين: عففتَ فعفوا، ولو رتعت لرتعوا ".
يريد أن يقول علي للفاروق بعبارة أخرى: لقد كنت أميناً قبلهم يا أمير المؤمنين، فاقتدوا بك في الأمانة. وبدأت بالعفة عن المال العام فعفّـوا مثلك، ولو أنك رتعت في المال العام لرتعوا، ولو سرقت منه لسرقوا. هكذا كانت الأمور واضحة عند سلف هذه الأمة، وهذا الوضوح في الرؤية كان وسيكون سبباً رئيسياً للمضي في أداء الأمانة كما أوجبها الله عز وجل.
قال رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه:" يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى. فقال له عمر:" أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالاً وسلموه إلى واحد منهم ينفقه عليهم. فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم ".. لاحظ وضوح الأمر عند عمر. هو ليس بأكثر من شخص اختاره الناس ليقودهم، وما كان اختيارهم إلا لأمانته، فهل يخونهم بعد تلك الثقة الغالية؟ هكذا كانت قيمة الأمانة عند ذاك السلف الرائع.
اليوم حين نتحدث عن مسألة الاختيار للمناصب والمسؤوليات والوظائف العامة، نجد أن المعايير تختلف كثيراً عن تلكم التي كانت عند سلفنا الصالح. وعلى رغم أن فترتهم كانت قصيرة، لكنهم كانوا نماذج تصلح للاقتداء في كل زمان ومكان، لكن ما يحدث اليوم في كثير من الجغرافيات، هو العكس تقريباً دون كثير شروحات وتفصيلات.
من كان يتولى أمر الناس في وقت ما – وأتحدث عن النماذج والقدوات طبعاً – كان يضع مراقبة الله له في كل خطواته أمام عينيه. لا يغفل عنها البتة، بل كان يحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة قبل أن يحاسبه أحد من الرعية، فقد كانت رؤيتهم الاستراتيجية تتمثل بكل اختصار، في إدارة أمينة حكيمة واعية لشؤون الحكم وسياسة الناس كما أمر الله، وأحدهم يأمل ويرجو توفيقه من أجل نيل رضاه سبحانه أولاً، ومن ثم كي يؤدي الأمانة التي ائتمنه الناس عليها كما يجب، بل ويأمل أن يخرج لا له ولا عليه، فتلك نتيجة تمناها شخص عظيم مثل عمر الفاروق، وهو من هو يومئذ في أمانته وورعه.
قيل إن رسولاً قدم على الخليفة عمر بن عبدالعزيز. فلما دخل عليه، دعا عمر بشمعة فأُوقدت. وجعل عمر يسأله عن حال أهل البلد، وكيف الأسعار وأبناء المهاجرين والأنصار، وأبناء السبيل والفقراء وغيرها من أسئلة حول شؤون المسلمين، فأخبره الرسول بجميع ما عَلِمَ من أمر تلك المنطقة. ولما فرغ عمر من مسألته، بدأ الرسول يسأله. يا أمير المؤمنين: كيف حالُك في نفسك وبَدَنك وكيف عيالك؟ فنفخ عمر الشمعة فأطفأها، وطلب سراجه الشخصي! فعجب الرسول من ذلك وقال: يا أمير المؤمنين، فعلتَ أمراً حيّرني! قال: وما هو؟ قال: إطفاؤك الشمعة عند مسألتي إياك عن حالك؟ فقال عمر: الشمعة التي أطفأتها هي من مال الله ومال المسلمين، وكنت أسألك عن أمرهم وحوائجهم وهي موقدة، فلما صرتَ لشأني وأمر عيالي أطفأتُ نار المسلمين!
قد تقول بإن هذا الأمر لا يمكن الاقتداء به في عالم اليوم، ولن أعارضك في رأيك هذا، لأنه بالفعل أمر يكاد يكون مستحيلاً في عالم التطبيق الواقعي في عصرنا الحاضر. نعم، نقول جميعاً هذا لأن الأمانة شبه غائبة عند كثيرين في قطاعات الأعمال والحياة المختلفة، من: رؤساء ومرؤوسين، مديرين وموظفين وغيرهم كثير كثير.
ما الذي يمنع وعلى كافة المستويات الإدارية، الاقتداء بعمر بن عبدالعزيز مثلاً في واحدة من جزئيات حياته الإدارية كالقصة التي تحدثنا عنها، رغم حاجة كثير من المجتمعات في كثير من الجغرافيات إلى ضرورة انتهاج بعض ما كان عليه في سبيل الحفاظ على المال العام مثلاً من الهدر والتبذير والسرقات، عبر آلاف الأعذار والمبررات؟ في الواقع أنه لا شيء يمنع هذا الأمر، لكن الذي يمنع أو يصعّب تطبيقه، هو غياب قيمة الأمانة في النفوس بشكل عام، لاسيما إن غابت عن نفس صاحب قرار أياً كان، وأينما يكون.. ولو رتعت لرتعوا، كما قال علي كرم الله وجهه للفاروق رضي الله عنه.
سألت امرأة أبا بكر الصديق رضي الله عنه:" ما بقاؤُنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللَّهُ به بعد الجاهلية" فقال لها:" بقاؤُكُم عليه ما استقامَت بكم أَئمتُكُم ". وقال في السياق ذاته عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:" إنّ الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم، والرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإن رتع الإمام رتعوا ".
هكذا هو الأمر بكل وضوح..
إذا صلح الرئيس، صلح الوزير، وبالتالي المدير، وهكذا سيكون رئيس القسم ثم الوحدة وصولاً إلى الموظف والعامل وأدنى من ذلك درجة في سلم الهرم الإداري في أي قطاع عمل.. هي حلقات في سلسلة، كل حلقة تمسك بالأخرى. وأي خلل في حلقة ما قد يؤدي إلى قطع السلسلة وما يمكن أن يؤدي بالتالي إلى نتائج وتبعات غير سارة ولا محمودة..
إن استشعار الأمانة حين يتولى المرء مسؤولية ما، والاستعداد لأدائها كما يجب، ليس كلمات تقال أمام صاحب القرار، وإنما أفعال تتجسد على أرض الواقع، وفي الوجدان والضمير أن الله يراقبه قبل أي كائن من كان، وأنه سبحانه من أمر بأداء الأمانات كلها (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). فالأمانات كما قال سيد قطب – رحمه الله - في ظلال القرآن، تبدأ من الأمانة الكبرى.. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان.. ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر الله أن تؤدى.. منها أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية. وأمانة النصيحة للراعي وللرعية. وأمانة القيام على الأطفال الناشئة. وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها... وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال.
من هنا، وحين نحث ونذكّر بمطالعة وقراءة سير الأولين، حكاماً وعلماء وساسة وغيرهم، فإنما من باب السعي للحصول على الإلهام والعظة والتجربة والفائدة للإنسان نفسه قبل غيره، وليس من باب الترف الفكري. فهكذا المفترض أن يكون نهج التعامل مع التاريخ ودروسه العديدة العجيبة.
بيوت تصنع واثقين وأخرى مترددين
ماذا تنتظر من شخص نشأ في بيت لا يعترف بجهوده، بل ويتم تحقيره فيه والتقليل من شأنه في... اقرأ المزيد
309
| 01 أكتوبر 2026
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
267
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
393
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9621
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2631
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2373
| 15 أكتوبر 2026