رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تروج في مصر هذه الأيام مجموعة من الأساطير التي بات تفكيكها ضروريا لاستعادة الوعي وترشيده. كي نخلص الحقائق من ركام الخرافات والأوهام.
(1)
إحدى أشهر تلك الأساطير تتمثل في شيوع الاعتقاد بأن الحل الأمني كفيل بإنهاء الأزمة الراهنة في مصر، الأمر الذي يعني أن الصراع الحاصل لن يحله غير الجيش والشرطة، ويعني أيضا أن العقل السياسي سوف ينحى جانبا ويمنع إجازة مفتوحة، وأن إدارة الصراع ستكفل بها الأجهزة الأمنية والمحاكم العسكرية، محروسة بقانون الطوارئ، وبالمدرعات والأسلاك الشائكة. كأننا بصدد شعار يقول: الاستئصال والقمع هما الحل. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن ذلك ليس شعار المؤسسة والأجهزة الأمنية فحسب، ولكنه تحول إلى هتاف يومي تردده شبيحة الوضع المستجد، الذين مارسوا قدرا مشهودا من الإرهاب الفكري الذي لم يسلم منه كل من سوّلت له نفسه أن يدعو إلى تفاهم يحكم العقل والمصلحة، ويقود البلد إلى بر السلام والأمان، إذ لا يكاد ينطق واحد بشيء من ذلك القبيل حتى تنفتح عليه أبواب الجحيم، فيتهم بالخيانة والإرهاب ويتعرض لمختلف صور الاغتيال المعنوي والتكفير السياسي، ومن ثم صارت القضية المحورية التي شغلت هؤلاء وفتحت شهيتهم للاجتهاد هي كيف يتم الاجتثاث، وكيف تحقق الإبادة غايتها.
كان الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء قد استخدم في مرة وحيدة تعبير الحل السياسي، فشاهدت مذيعا تلفزيونيا يقرأ تصريحه بقرف شديد ويعيد الكلمات وهو يمصمص شفتيه، ويعرب عن الاستياء والدهشة من جرأة الدكتور زياد على التفوه بمثل هذه الكلمات «الخارجة» التي أقحمت السياسة في الموضوع، حتى أنه شك في أن يكون الرجل قد تفوه بهذه الكلمات، وقال إنه إذا كانت قد صدرت عنه فعلا، فإن صاحبنا ــ المذيع ــ لم يستبعد أن يكون قد فعلها وهو في حالة غير طبيعية! (كأن يكن قد شرب حاجة صفرا مثلا!)
في 15/10 الماضي نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالة تحت عنوان «مصر وثمار القمح المسمومة»، كتبته أستاذة جامعية خبيرة بالشأن المصري هي سوفي بومييه وقد أيدت فيه دهشتها من استمرار التعويل على الحل الأمني في مصر. وقالت إن الاستبداد أرسى نموذجا ثنائيا للحكم يقوم على طرف قامع وآخر مقموع، بحيث إن مصر لم تعد تعرف نموذج المساومة والحوار. وهو تقييم أكثر ما ينطبق على المرحلة الراهنة، صحيح أن الخطاب السياسي ما برح يشير إلى استبعاد فكرة الإقصاء. إلا أن البديل المطروح في هذه الحالة لم يكن الاحتواء، لكنه الإبادة والاجتثاث. أدري أن ثمة كلاما كثيرا ينبغي أن يقال في شأن الحل السياسي، الذي له أجواؤه وشروطه، إلا أنني لم أجد مبررا للخوض في هذا الشق، لأنني أزعم أن إرادة ذلك الحل ليست متوافرة في الوقت الراهن، وأن ثمة أطرافا في دائرة القرار لا تزال تعول على الحل الأمني، رغم مضي أربعة أشهر على اختباره وثبوت فشله وارتفاع تكلفته.
(2)
الأسطورة الأخرى التي كادت أن تتحول إلى مسلمة في خطابنا الإعلامي على الأقل تتمثل في الادعاء بأن الولايات المتحدة منحازة إلى الإخوان وتضغط وتتآمر لإعادة الدكتور مرسي إلى السلطة، وهي من تجليات التبسيط والتسطيح الذي يعتبر أن كل من ليس مع مصر هو ضدها.
وهو ذلك التبسيط الذي أقنع البعض بأن أوباما شخصيا ــ وليس شقيقه فقط ــ على علاقة بتنظيم الإخوان الدولي، وأنه ثمة أخونة للإعلام الألماني، وأن جريدة الجارديان البريطانية أصبحت من الصحف الصفراء، لمجرد أن كل هؤلاء لم يقفوا إلى جانب النظام في مصر، ولم يرددوا ما تنشره الصحف القومية المصرية وقنوات التهليل التلفزيونية.
هذا الادعاء لا يصدقه أحد خارج مصر، والدبلوماسيون الذين أعرفهم يعتبرونه أمرا مضحكا يتعذر أخذه على محمل الجد ويصفونه ضمن مظاهر التهريج السياسي والإعلامي، وقد وقعت على نصين نشرتهما جريدة «الشروق» في الآونة الأخيرة تكفلا بتفنيد المقولة وتكذيبها، الأول للسفير إيهاب وهبة مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأمريكية (نشر في 2/11 تحت عنوان أخطاء شائعة حول المساعدات الأمريكية) ــ والثاني للكاتب الباحث محمد المنشاوي المقيم بالولايات المتحدة، والذي يراسل جريدة «الشروق» من هناك. وقد نشرت له الجريدة في 25/10 مقالة تحت عنوان: كلمات منسية في الأزمة المصرية الأمريكية. ما كتبه الخبيران يصعب تلخيصه، لأنه تعرض لمختلف عناوين العلاقات بين البلدين، مع ذلك فبوسعي أن أقول إنهما حرصا على إبراز ثلاث نقاط هي:
* أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن لم تكن في أحسن حالاتها أثناء حكم الدكتور مرسي، فالإدارة الأمريكية ظلت تدعوه طوال فترة حكمه إلى تحقيق التوافق مع مختلف فئات الشعب وفي خطبة له في أول يوليو الماضي قال الرئيس أوباما إن الديمقراطية لا تنحصر في إجراء الانتخابات وإنما أيضا في كيفية تعامل الحكم مع قوى المعارضة، كما أن الرئيس الأمريكي لم يحرص على لقاء الرئيس المصري حين ذهب إلى نيويورك لإلقاء كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر 2012. وهو من قال في حوار تلفزيوني جرى بثه في منتصف شهر سبتمبر عام 2012: إنه لا يعتبر المصريين بمثابة حلفاء، لكنه لا ينظر إليهم باعتبارهم أعداء. وكانت تلك هي المرة الأولى التي ترد فيها كلمة «الأعداء» في قاموس العلاقات المصرية الأمريكية.
* إن ما يتعلق بالولايات المتحدة ليس عزل الدكتور مرسي ــ لكن ما يزعجها حقا أمران، أحدهما إقصاء جماعة سياسية بقوة وثقل جماعة الإخوان. وثانيهما افتقاد مصر إلى ديمقراطية تشمل الجميع وحكومة مدنية منتخبة تعبر حقا عن ديمقراطية الاحتواء. الفكرة رددها جون كيري وزير الخارجية الأمريكي حين زار القاهرة هذا الأسبوع.
* إن أكثر ما يهم واشنطن في نهاية المطاف ليس بالضرورة عودة الإخوان إلى السلطة، وإنما عودة الاستقرار إلى مصر على نحو يحفظ للولايات المتحدة نفوذها ومصالحها في قناة السويس والمجال الجوي المصري والتعاون الاستخباري.
(3)
الأسطورة الثالثة تتلخص في الادعاء بأن مصر تستطيع أن تستعيد عافيتها من خلال الاعتماد على المعونات والقروض الخارجية. وهو ما نلحظه في الانزعاج من احتجاز واشنطن لمبلغ 360 مليون دولار من المعونة السنوية التي تقدم إلى القاهرة، ونلاحظه بصورة أكبر في هرولة المسؤولين المصريين والوفود الشعبية نحو الدول الخليجية، التي سارعت إلى مساندة النظام المصري المستجد. بالمقابل فإننا لم نلحظ توجها جادا لمخاطبة الشعب المصري لاستدعاء طاقاته وتوظيفها للإسهام في استعادة عافية الاقتصاد وتحريك مياهه الراكدة. الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إن التطلع إلى الخارج في حل المشكلة الاقتصادية لا يزال متقدما كثيرا على جهد الاستعانة بالداخل.
اللقطة الكاشفة في هذا الصدد تمثلت في اللغط الذي أثير في وسائل الإعلام المصرية في أعقاب نشر تصريح للشيخ منصور بن زايد نائب رئيس الوزراء مصدر شؤون الرئاسة في دولة الإمارات العربية نسب إليه قوله إن على مصر أن تعتمد على نفسها في تقوية اقتصادها من خلال حلول مبتكرة وغير تقليدية، وأن الإمارات حريصة على إنجاح الشراكة الاقتصادية معا، إلا أن استمرار المساعدات إلى ما لا نهاية يبدو خيارا غير منطقي، وهو ما اعتبرته في حينه نصيحة مخلصة من رجل دولة مسؤول أراد أن ينبه إلى أن دولة كبيرة مثل مصر تعداد سكانها 90 مليونا لا تستطيع أن تعتمد في اقتصادها على المعونات الخارجية، خصوصا أنها تنفق كل أسبوع سبعة ملايين دولار على الاستيراد من الخارج، وأنها مدينة الآن بما يعادل 2 تريليون جنيه، تدفع عنها فوائد سنوية بما يعادل 240 مليار جنيه، بمعدل مليار جنيه لكل يوم عمل.
هذا التصريح تم نفيه بعد نشره في وسائل الإعلام، وحين رجعت إلى الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء الذي كان وقتذاك في زيارة لأبو ظبي على رأس وفد اقتصادي حكومي، فإنه نفى صدور الكلام عن الشيخ منصور بن زايد، وقال إنه هو من عبر عن ذلك المعنى حين قال إن اقتصاد مصر لن يتعافى إلا استنادا إلى سواعد أبنائها، إلا أن تصويت الدكتور الببلاوي لم يوقف اللغط الإعلامي (لم تشر إليه وسائل الإعلام). ذلك أنني تابعت حوارا جرى بثه تلفزيونيا، حرص مقدموه على التأكيد على أن الإمارات سوف تستمر في دعم الاقتصاد المصري إلى أن يتعافى. وكأنما تلك كانت الرسالة التي أريد لها أن تصل إلى المشاهد المصري. وهو ما علقت عليه بالتساؤل عما إذا كانت تلك الرسالة تطمئن المشاهد أم تؤرقه وتقلقه.
(4)
الأسطورة الرابعة تتمثل في الاعتقاد بأن إسرائيل تقف على مسافة من المشهد المصري وأنها تقوم بدور المتفرج عليه. وذلك وهم كبير، إذ إن رغم أن إسرائيل تتكتم على دورها المباشر وغير المباشر في الأحداث التي شهدتها مصر قبل الانقلاب، إلا أن دورها مشهود في الدفاع عن النظام المصري في مجلس الشيوخ وفي كواليس البيت الأبيض، ومنشور على الملأ انتقادها للقرار الأمريكي الخاص بحجب جانب من المعونات الاقتصادية، أما حماس معلقيها لدعم النظام، استلفت انتباهي في هذا الصدد ما كتبه واحد من أبرز الكتاب الإسرائيليين رون بن يشاي المعلق العسكري لموقع واي نت، وقال فيه إن على إسرائيل عمل المستحيل لإنجاح الانقلاب، الذي حدث في مصر، لأسباب ثلاثة عرضها على النحو التالي:
ــ إن الانقلاب سمح بنشوب حرب ضد كل الذين يحاولون إعادة الإسلام إلى صدارة العالم.
ــ إنه جعل مصر على رأس الدول التي تخوض مواجهة مفتوحة ضد قوى الجهاد العالمي التي تهدد مصالح إسرائيل.
ــ إفشال الانقلاب يعني حرمان الغرب من تمتع الطيران الحربي من استخدام الأجواء المصرية ــ والتوقف عن منح حاملات الطائرات الأمريكية الأفضلية لدى الإبحار في قناة السويس، وهو ما يشكل أيضا ضررا بالمصالح الإسرائيلية.
أضاف رون بن يشاي أنه لأجل ذلك يتعين على الغرب أن يضخ مليارات الدولارات لمنع حدوث انهيار اقتصادي في مصر يؤجج مشاعر السخط والغضب ضد حكم العسكر. وفي رأيه أنه من المهم للغاية أن يركز الاستثمار في البداية على دعم الجيش والأجهزة الأمنية التي تتولى مهمة قمع المتطرفين.
وقد ختم تعليقه بقوله إن إسرائيل يجب ألا تخجل من دورها في دعم حكم السيسي، لأنها بذلك تقوم بنفس الدور الذي تؤديه دول الخليج والأردن.
ليست هذه كل الأساطير الرائجة في زماننا، ولكن القائمة طويلة، لأن الأجواء المخيمة ما برحت تطرح لنا أسطورة جديدة بين الحين والآخر، وربما تتيح لنا التطورات المتلاحقة أن نعود إلى الموضوع مرة أخرى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43530
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8631
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7164
| 15 سبتمبر 2026