رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة أزمة حقيقية في المحروسة ناتجة عن غياب الثقة بين النخب السياسية سواء التي دخلت منطقة الحكم أو التي مازالت تمارس المعارضة وهو ما يهدد مسار النظام السياسي ويجعله - في حال تطبيق مبدأ المغالبة الذي تسعى بعض القوى إلى انتهاجه – مهددا في بنيته التحتية على نحو يبعده عن التوافق الوطني وهو الشرط الضروري لنجاح أي نظام خاصة في المراحل التي تعقب التحولات الكبرى والفاصلة كثورة الخامس والعشرين من يناير.
والشاهد أن ما يجري في مصر هو أشبه بحوار الطرشان فكل طرف يخاطب نفسه ويسعى في الآن ذاته إلى إقصاء الآخر وتهميشه والتشكيك في قدراته وولاءاته الوطنية وباتت ألوان الخصومة والاستعداء هي السائدة في المشهد السياسي الذي كان يتطلع الجميع إلى أن يكون قادرا على احتواء كل الفصائل والتيارات والتوجهات التي يموج بها على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات.
ومنذ فوز فصائل تيار الإسلام السياسي بالسلطة سواء عبر الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية بدا أن هناك نوعا من الفرز بين ما هو إسلامي وغير إسلامي خاصة من قبل دوائر بعينها داخل جماعة الإخوان المسلمين وداخل الجماعة السلفية بتجلياتها المتعددة وهو أمر أقلق القوى الأخرى التي شهدت بدورها نوعا من الاستقطاب الحاد ضد التيار الإسلامي بأجنحته المختلفة والذي أخذ يشعر بنوع من الزهو يبرزه في عمليات استعراض قوة في غير مناسبة وغير واقعة.
وينطوي هذا التقسيم على قدر كبير من المخاطر على ما يمكن وصفه بالنواة الصلبة للمجتمع المصري والذي هو بالأساس مسلم ويجل الدين خاصة أن البعض يحاول أن يضفي على الفعل السياسي وهو المتغير بطبيعته نوعا من القداسة الدينية التي تجرده من سمته الأساسية وبالتالي ينعكس ذلك سلبا على الأولويات التي يتعين بلورتها بوضوح حتى يمكن لثورة الخامس والعشرين من يناير أن تسعى إلى تحقيقها بعيدا عن الشطط سواء أكان ذا صيغة دينية أو غير دينية وذلك يستوجب بالضرورة البحث في القواسم الوطنية المشتركة التي تقود إلى صياغة الحلول الناجعة للمشكلات الملحة والجوهرية والبدء في رسم ملامح وتجليات المحروسة بما يعيد الاعتبار إلى استقلالية قرارها الوطني وحضورها الإقليمي والدولي وبناء أنموذج للتنمية يقوم على العدالة الاجتماعية والصعود بجميع فئات المجتمع باتجاه التقدم.
والخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتجلى في بدء حوار وطني جامع بمشاركة كافة القوى دون منهجية الإقصاء واستنادا إلى حق الجميع في المشاركة في صياغة مصر الجديدة التي بدأت خطوتها الأولى فور سقوط نظام مبارك لكنها لم تنجح في غزل باقي الخطوات بعد بالرغم مما تحقق من تحولات نوعية من قبيل انتخاب الرئيس وفق محددات الاقتراع السري المباشر وحدوث حالة من سيولة الحرية السياسية هي مطلوبة في المرحلة الأولى لكنها في حاجة إلى ضبط وإحكام بالتأكيد في العديد من المناحي خاصة على الصعيد الأمني والاقتصادي والاجتماعي على نحو يمنع من التحول إلى الفوضى والتي عاشت المحروسة – ومازالت - بعضا من تجلياتها السلبية.
ولاشك أن الرئيس محمد مرسي أدرك الحاجة إلى هذا الحوار وهو ما بدأه أمس الأول – السبت – بسلسلة من اللقاءات مع رموز وقادة القوى السياسية وذلك تمهيدا لعقد مؤتمر أو لقاء موسع لضبط البوصلة في الاتجاه الصحيح حتى لا ينحرف إلى حالة من القطيعة ومن ثم توسيع دائرة الاحتقان التي تقود – لا قدر الله – إلى نوع من الاشتباك اللفظي الذي بدوره يقود إلى اشتباك من النوع الخطير.
ولكن ثمة من يرى - ومنهم الباحث المصري المتخصص في القضايا الإستراتيجية والسياسية علاء بيومي - أن هذا النوع من الحوار هو أشبه بالمهمة المستحيلة للأسباب التالية:
أولا: غياب مجلس الشعب: فالحوار أقل من الشراكة السياسية، والشراكة السياسية في الديمقراطية تأتي من خلال الانتخابات والمؤسسات التنفيذية والتشريعية، ومن خلال قواعد واضحة جدا، فالدستور يحدد من يحصل على من ومتى وكيف.
وللأسف ليس لدينا دستور ولا برلمان ولا قوى سياسية راضية بمواقعها الحالية.
ثانيا: رفض الشراكة: بعض قوى المعارضة كالتيار الشعبي وحزب الدستور ترفض الشراكة السياسية وفقا للنظام الحالي من خلال التعيين في رئاسة مرسي، فالتيار الشعبي يرفض الشراكة وينتظر الانتخابات المقبلة، وحزب الدستور يريد إعادة انتخاب الجمعية التأسيسية، وهي مواقف مشروعة تماما، ولكنها صعبة.
وفي غياب البرلمان والدستور والشراكة في الرئاسة والحكومة ستظل المعارضة - كما يقول علاء - خارج السلطة وتزداد حالة الاستقطاب التي يغذيها الجميع من خلال ممارسات وخطابات سياسية محتقنة.
ثالثا: الحوار آلية ضعيفة فأهم منه هو الشراكة في السلطة من خلال آليات واضحة وللأسف فإنه دون إعداد جيد يضمن إدراك الأطراف السياسية والمجتمع لمقتضيات الحوار والتزاماته سوف يظل الحوار آلية ضعيفة، وربما يزيد من المشاكل، فسوف يأتي قادة المعارضة بمطالب كبيرة إلى الحوار، وقد يخرجون شاعرين بالإحباط لو لم يتم تنفيذ بعض مطالبهم، ويظل الحوار في ظل غياب المؤسسات قضية ذاتية يصعب تقييم مدى نجاحها دون التزامات واضحة.
رابعا: المدة الزمنية والسياق: فالحوار يتم بعد أربعة أشهر من تولي الحكم، وفي ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، وحالة استقطاب شديدة، ويتناول قضايا محورية مثل الدستور، والذي يطالب أحد التيارات بإعادة انتخاب الجمعية التي تكتبه، كما أن الفترة الزمنية المتاحة للتوافق قصيرة للغاية، ونحن مازلنا نعيش فترة انتقالية صعبة.
هل يعني ذلك أن مرسي أخطأ في الدعوة للحوار؟ يتساءل علاء ثم يجيب على الفور: بالعكس، نحن نعتقد أنه تأخر، وأن الحوار هو الوسيلة الوحيدة المتبقية في الظروف الراهنة، ولكنها آلية صعبة للغاية للأسباب المشروحة آنفا وبالتالي فإن الأمر يتطلب وفق تأكيده ترتيبا سياسيا وإعلاميا مكثفا لتوضيح محتوى الحوار وأهدافه وأسلوبه، وربما تغيير لغة الخطاب السياسي والإعلامي من قبل الأطراف المختلفة، وقد يتطلب الأمر أكثر من لقاء واحد أو لقاءين، فقد نحتاج إلى مبادرة أكبر للحوار مع التيارات المعارضة الرئيسية، يعني إطلاق شيء أشبه بآلية للحوار الدائم بين تيارات القادة الكبار الذين سوف يجتمعون مع مرسي هذا الأسبوع بالإضافة لقادة التيار السلفي لضمان نقاش أكبر عدد من القضايا من الآن وحتى انتخاب مجلس الشعب القادم.
السطر الأخير:
لأنك مسافرة
ممزقة دفاتري
أصاب العطب سطورها
العتمة تشاغلني
بعدما غاب ضوؤك عن أقماري
أيا سيدة النوارس والبحار
الوجع لا يليق بمن يعشق عينيك
وتغزلين له عسجد القصائد
فليس في المدينة إلا ياقوتك
وعناقيدك الممتدة في الفصول
ليس إلا أنت فاكهة الأزمنة
خلاصة الحقول
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2514
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2283
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1185
| 11 أكتوبر 2026