رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إحسان الفقيه

إحسان الفقيه

مساحة إعلانية

مقالات

39

إحسان الفقيه

«آسف».. تلك التي تُطفئ النار

06 سبتمبر 2026 , 02:00ص

(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث نبوي شريف يقرر حقيقة ما جُبل عليه الإنسان واقتضته طبيعته البشرية، وهي استعداده لارتكاب الخطأ والوقوع فيه.

تقع العلاقات الاجتماعية في مرمى ارتكاب الخطأ، ومهما حاول الإنسان أن يكون مثاليًا مع الآخرين فلن يسلم في الوقوع بالخطأ بحقهم، سواء بفعل أو كلمة أو حتى نظرة. وقد تنشأ المشكلة بسبب خطأ بسيط ثم تتفاقم وتعظم وربما أدت إلى كوارث نفسية أو مادية أو اجتماعية.

وهنا يأتي الاعتذار ليطفئ النار قبل أن تعظم ويتطاير شررها، ومهما كان الإنسان في لجة الغضب تجاه من أخطأ بحقه، فإنه يضعف غالبا أمام تلك الكلمة: "آسف".

عندما تُنطق هذه الكلمة طواعية باختيار صاحبها، فإنها تطيب الخاطر وتهون في نفس الطرف الآخر حجم الخطأ الصادر بحقه، وفي كثير من الأحيان يعظم قدر المعتذر في أعين من تلقى الاعتذار، لأن كلمة آسف تكشف عن حُسن السريرة وطهارة النفس ودماثة الخلق.

والحديث هنا ليست عن اعتذار المُكرَه الذي يتفادى الخسارة أو العقوبة بكلمة آسف، ولا عن اعتذار المرء الذي يريد بهذه الكلمة تجنب العتاب من قِبل الغير، إنما عن ذلك الذي يدرك خطأه ويحق الحق بالاعتذار، فهذا هو الاعتذار الحق المثمر، الذي يستفيد منه المعتذر قبل غيره.

ولئن كان التنظير والوعظ سهلًا، إلا أن واقع الناس يُنبئ بأن الاعتذار ليس بالأمر الهين، ولا يستطيعه كل أحد، لأن الإنسان بطبيعته لا يحب أن يقف في موضع المخطئ، كما أن أمراض النفس وآفاتها مثل الكبر والعُجْب والتعالي تمثل حواجز تحول بين الإنسان وبين قول كلمة آسف.

لذلك لا نبالغ إن قلنا بأن الاعتذار يستند إلى منظومة أخلاقية وقيمية راقية، فأولها الشجاعة في التعبير عن الخطأ، لأنه يستلزم مواجهة النفس بعيوبها قبل أن يكون سلوكًا تجاه الغير.

يستند الاعتذار ثانيًا إلى تواضع يقي صاحبه من الوقوع في التبرير للتغطية على الخطأ، هذا التواضع الذي يدرك به الإنسان قيمة وحقوق الآخرين الذين يجب أن يحترمهم تماما كما يحب أن يحترمه الناس، وأنه لا ينبغي أن يرى لنفسه الأفضلية على الناس إلا فيما هو حقيقي دون لبس أو اغترار.

كما يستند الاعتذار إلى الثقة بالنفس، لأن الذي ينطق هذه الكلمة أمام الآخرين تعبيرًا عن الخطأ وجبرًا له، يدرك أن وقوفه أمام الناس موقف المقر المعترف بخطئه لن ينسف فضائله وشمائله ولا يعيبه في شيء.

إضافة إلى ذلك، فإن الاعتذار يستند إلى قيمة العدل والإنصاف، فالمخطئ إذ اتصف بالعدل وضع نفسه موضع الطرف الآخر، واستحضر ما يمكن أن يشعر به من استياء أو شعور بالإهانة، فمن ثم يهون على نفسه النطق بكلمة آسف.

الاعتذار تطهير للنفس وصيانة لها من تضخم الذات والوقوع في براثن الكبر واحتقار الناس، وهي أمراض قاتلة تعرض الإنسان لخسارة علاقاته الاجتماعية، وتقعد به عن تقييم وتقويم نفسه لأنها تعميه عن نقائصه وعيوبه، ومن ثم قد يصبح شخصًا منبوذًا في محيطه ومجتمعه.

كما يعد الاعتذار أقصر الطرق لإنهاء الخلافات والمشكلات القائمة بين الناس، وربما تحتدم المشكلة بين الزوجين مثلا وتتفاقم بما يعرض الحياة الزوجية للانهيار، مع أنه كان يكفي أن يقدم المخطئ اعتذاره وينهي الأمر.

الذي يقع الخطأ بحقه ربما ينام وصدره مشتعل لشعوره بالإهانة، ثم يتحول هذا الاشتعال إلى تكوين صورة عامة سيئة عن ذلك الشخص مع استحضار كل سلوكيات سابقة وإعادة تفسيرها من جديد بما يشيطن هذا الشخص ويقدح في نواياه ويهدم فضائله، ثم يتحول هذا الشعور وهذه التصورات إلى رغبة في رد الصاع صاعين والنيل من هذا الشخص الذي ارتكب الخطأ، وكل ذلك كان يمكن تفاديه، فقط بكلمة: آسف.

هذه الكلمة ينبغي أن تتحول إلى ثقافة، تترجم في المنزل بين الرجل وزوجته، ويجب أن يتشبع بها الأبناء، حتى الأب الذي يخطئ بحق ابنه، ينبغي عليه أن يسمعه هذه الكلمة، إحقاقًا للحق أولًا، وثانيًا تربية وتنشئة للطفل على بذل الاعتذار مهما كانت مكانة الشخص.

وأختم ها هنا بمقولة جليلة لأبي حاتم الرازي حول ثمرات الاعتذار التي يجنيها المعتذر ذاته، إذ يقول: "الاعتذار يذهب الهموم، ويجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد.. فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفي العُجب عن النفس في الحال، لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة.

مساحة إعلانية