رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الواضح أن نظام الأسد نجح حتى الآن هو وحلفاؤه الإيرانيون والروس والعراقيون واللبنانيون في إرهاب العالم بالبعبع الداعشي. وقد كان النظام بارعاً في اللعب على وتر الإرهاب الإسلامي حتى قبل ظهور داعش على الساحة بقوة، فقد حذر السوريين والعالم من الإسلاميين منذ اليوم الأول للثورة. ولم يعد خافياً على أحد أن النظام ترك ورقة البعبع الإسلامي المتطرف كخيار أخير لابتزاز العالم وجعله يتحالف معه بدل إسقاطه. وقد شاهدنا في لحظة ما كيف أطلق بشار الأسد ألوف السجناء الإسلاميين الخطرين من سجونه، لا بل ساهم في تسليحهم وتوجيههم. فبعد أن شعر بالخطر من قوة الجيش الحر والجهات التي تدعمه، راح يعمل على تقوية الجماعات الإسلامية، وخاصة المتطرف منها، كي تظهر على الساحة بهدف مواجهة الجيش الحر وحرف الثورة الشعبية عن مسارها. ولا بأس إن واجهت النظام أحياناً. فمن الأفضل بكثير للنظام أن يظهر في أعين العالم على أنه يواجه جماعات إسلامية يمكن وصمها بسهولة بالإرهاب والتطرف، على أن يواجه ثواراً وشعباً يريد الحرية والكرامة والعيش الكريم.
ومنذ أن أطلق النظام بعض الجماعات الإسلامية من سجونه، بدأ يتنفس الصعداء شيئاً فشيئاً، فقد اختفى المظهر الشعبي الثوري للانتفاضة السورية في الإعلام العالمي، وبدأ يحل محله المظهر الإسلامي المتطرف. ولعلنا نتذكر أن وفد النظام إلى مفاوضات جنيف جاء ليطالب العالم بالوقوف إلى جانبه لمكافحة الإرهاب، وليس للدخول في مفاوضات مع وفد المعارضة على الدخول في مرحلة انتقالية، واستطاع لاحقاً أن يقنع العالم برؤيته بأنه يواجه إرهاباً وليس ثورة شعبية. ومع بروز نجم داعش بقوة على الساحة، خاصة بعد السيطرة على مدينة الموصل العراقية والرقة السورية، شاهدنا كيف أن أمريكا استجابت بطريقة غير مباشرة لنداءات النظام السوري، وقامت بتشكيل تحالف دولي من عشرات الدول لمحاربة داعش وغيرها من التنظيمات الإسلامية كجبهة النصرة. وقد وصل الأمر بصحيفة الوطن السورية المملوكة لرامي مخلوف الواجهة التجارية لبشار الأسد بأن تقول إن الجيش العربي السوري يقف في خندق واحد مع القوات الأمريكية ضد داعش وأخواتها.
ويرى البعض أنه كلما شعر النظام بخطر أكبر قام بتسهيل وصول داعش إلى مناطق جديدة في سوريا، كما فعل مؤخراً عندما سقطت مدينة تدمر بين ليلة وضحاها في أيدي داعش دون سابق إنذار، وأيضاً مخيم اليرموك في دمشق.
وقد رأى البعض أن النظام قام بتسليم مدينة تدمر وما فيها من مخازن أسلحة هائلة لداعش بموجب اتفاق وليس نتيجة معارك. وقد جاءت تقارير المخابرات التركية قبل أيام لتؤكد على أن النظام ينسق كل خطواته مع داعش.
ولم تستبعد أن يقوم النظام لاحقاً بتسليم منطقتي السلمية ذات الأغلبية الإسماعيلية والسويداء ذات الأغلبية الدرزية لداعش كي يقول للعالم: انظروا كيف تستولي داعش على مناطق الأقليات، وتهدد وجودها، وذلك كي يهرع العالم إلى سوريا ويحمي الأسد من السقوط بحجة مواجهة الجماعات الإرهابية.
بالأمس سألت أحد الإعلاميين اللبنانيين الذين يدافعون عن النظام السوري ليل نهار: "هل صحيح أن ما يسمى بحلف الممانعة والمقاومة يهاجم داعش نهاراً، ويمدحها ليلاً": فقال دون أدنى تردد: "نعم".. لا بل أكد بوضوح شديد أن النظام استخدم البعبع الداعشي لتخويف الداخل والخارج، ووضع العالم أمام خيارين: إما أن تقبلوا بسيطرة داعش الرهيبة على سوريا والعراق، أو أن تدعموا النظام، وتتوقفوا عن المطالبة بإسقاطه.
وقد قال ناصر قنديل أحد أنصار النظام السوري في لبنان أخيراً، ما معناه أنه عندما ظهر الجيش السوري الحر قرّر النظام العمل على إضعافه عبر ترك التنظيمات الإرهابية المتطرفة تنمو في البلاد عمداً، وهكذا تقضي على هذا الجيش، فيجد السوريون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: أما النظام أو التطرف الإرهابي.
ومن الواضح أن هناك تنسيقاً بين النظامين السوري والعراقي في هذا الصدد بإشراف إيراني. وقد سألت قبل فترة مسؤولاً عراقياً كبيراً: "هل فعلاً أنكم ضد داعش"، فقال: "نعم وبقوة". فقلت له: "لكن البعض يتهمكم بتسليم مدينة الموصل بمالها وسلاحها لداعش"، فقال: "للضرورة أحكام، فقد وجد أصحاب القرار في سوريا والعراق في لحظة ما أن الأمر يخدمهم، فقاموا بتسليم الموصل لغاية في نفس يعقوب".
من الواضح أن الغاية أصبحت واضحة تماماً بعد أن بدأ العالم يميل إلى التعاون مع النظام السوري وحلفائه العراقيين وغيرهم لمواجهة "الجهاديين" بدل العمل على إسقاط النظام. وقد فاجأ وزير الخارجية الروسي العالم قبل أيام قليلة أثناء مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية السوري عندما قال إن هناك توجهاً أمريكياً عربياً إقليمياً لمواجهة داعش. وقد تحدث لافروف عن إمكانية تشارك السعودية وتركيا والأردن إلى جانب النظام السوري لمحاربة الجماعات المتطرفة في المنطقة. وهو تطور دراماتيكي بكل المقاييس. وقد وصفه وليد المعلم بالمعجزة إذا تحقق.
صحيح أن داعش ليس من صنع النظام السوري ولا حلفائه، وصحيح أن للتنظيم إستراتيجيته وأهدافه الخاصة المستقلة، وصحيح أيضاً أن داعش ليس عميلاً للنظام، بل يستغل وضع النظام العسكري الهش كي يتمدد ويتوسع في سوريا، لكن النظام بدوره يقوم بتسهيل حركة داعش، ويستخدمه كبعبع لهدفين: مرحلياً لإرعاب الداخل كي يعود إلى أحضان النظام، وإستراتيجياً لتخويف الخارج بأن بديل النظام هو قوى إرهابية متطرفة في سوريا، فيهرع العالم إلى الساحة السورية لمواجهة كل الجماعات المقاتلة في سوريا، خاصة وأن النظام يعلم جيداً أن داعش مفيد له على المدى القريب فقط، لكنه سيكون كارثة عليه لاحقاً، وبالتالي يريد استقدام القوات الدولية إلى سوريا كي تحميه من التنظيم فيما بعد وكي تقضي على ما تبقى من ثورة في سوريا بحجة مواجهة الإرهاب، وهو ما يسعى إليه بشار الأسد ومعلموه الروس والإيرانيون بشكل مفضوح من خلال تجارتهم ببعبع الإرهاب. لكن الأمور بخواتيمها، فمن سينجح لاحقاً في إستراتيجياته؟ لننتظر ونر!
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2391
| 15 ديسمبر 2019
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2111
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11517
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
5562
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026