رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حصيلتنا صفر على صعيد التوافق والتنافس على خدمة الناس ومحبة الوطن
هل يمكن تطبيق الشريعة في دولة مدنية ديموقراطية؟ لست صاحب السؤال الذي أدهشني استدعاؤه كما صدمتني الإجابة التي قدمت له.
(1)
إليك عيَّنة من الإجابة مقتبسة من النص المنشور: لا بالتأكيد. لا يمكن تطبيق الشريعة في دولة ديموقراطية، وإلا فسوف تفقد طبيعتها الديموقراطية. فالشريعة الإسلامية لا تتعامل بشكل متساو في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى (للذكر في الميراث حظ الانثيين). وكذلك تفرق بين المواطنين على أساس الدين (تطالب غير المسلم بدفع جزية).. والأمثلة كثيرة للغاية لا مجال لحصرها. أما المواءمات التي يقوم بها البعض لإيجاد تماس بين العوالم الراهنة من ناحية وبين الشريعة من ناحية ثانية، فهي محاولات تدعو للغثيان من قلة حيلتها.
إن محاولات تطبيق الشريعة في زماننا تعاني من إشكاليات عدة، أولاها: الانتقائية. فعلى سبيل المثال الرجم أداة عقابية تعود لعصور مضت فلا داعي للحديث عنه. قطع يد السارق يعد تشويها لجسد الإنسان مما يتعارض مع حقوق الإنسان فلا داعي لتطبيقه. تنادى الشريعة بقتال المشركين. بالطبع مستحيل قتال المشركين في عالم اليوم، فلا داعي لأن نتطرق إليه.. (إلى جانب ذلك) فثمة فجوة هائلة بين الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وبين المرجعيات الحكومية لأولئك المطالبين بتطبيق الشريعة. فما رأي الشرع في إقامة علاقات ومشروعات مع كفار الصين أو كفار الهند على سبيل المثال؟.
الخلاصة: إن كل التطبيقات الاجتماعية الحاكمة في ظل الشريعة هي قواعد تاريخية تنتمي لعصور سحيقة لا مجال لتطبيقها اليوم، وتتناقض مع مبادئ المواطنة والعدالة في الحرية بمفاهيم زماننا.
(2)
لا أجد جديدا في هذا الكلام، فكتب غلاة المستشرقين تحفل بمثله. لكن حز في نفسي أمران أولهما أن الذي نقله مثقف متميز وأديب واعد هو الأستاذ خالد الخميسي (صحيفة «الشروق» عدد 26/6) ــ والثاني أن الكاتب ذكر في حديثه عن الدولة المدنية أنه درس العلوم السياسية واطلع على مختلف الموسوعات السياسية ولم يجد لهذا المصطلح أثرا، وهو ما دفعني إلى التساؤل: لماذا يا ترى لم يفكر صاحبنا في أن يقرأ ولو كتابا واحدا في الإسلام بدلا من أن يقرأ عنه. ذلك أنه لو فعلها لما ورط نفسه في ترديد تلك المعلومات المنقوصة والشائهة. ربما عرف مثلا أن الأصل هو المساواة بين الرجل والمرأة حيث بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، بنص القرآن وربما عرف أن مضاعفة نصيب الرجل في الإرث مقارنا بنصيب المرأة ليس قاعدة مطلقة. ولكن النصيب يختلف باختلاف المركز القانوني لكل منهما. فحالات مضاعفة النصيب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، في حين أن ثمة حالات تتساوى فيها أنصبة الرجل والمرأة. وحالات أخرى تحصل المرأة على نصيب يزيد على ما يستحقه الرجل. ربما عرف أيضا أن مسألة الجزية تقليد قديم سابق على الإسلام، وإنها فرضت على غير المسلمين، لأنهم حينذاك لم يكونوا يشتركون في الدفاع عن ديارهم، وكان المسلمون هم الذين كانوا يتولون هذه المهمة ويموتون نيابة عنهم. والاتفاق قائم على أنهم إذا انخرطوا في سلك الجندية واشتركوا في الدفاع عن وطنهم فإن الجزية تسقط. وللعلم فإن قيمة الجزية التي تعد أقرب إلى ما نسميه في مصطلحات زماننا بأنها «بدل جهادية». أقل من قيمة الزكاة التي يتعين أن يدفعها المسلم إلى بيت المال. ربما عرف كذلك أن تطبيق الحدود له شروط تكاد تكون مستحيلة وتعجيزية (كما في الزنى مثلا). وفي حالة السرقة، فإن تمام الوفرة لكل شخص شرط لتطبيق الحد، علما بأن بعض فقهائنا يذهبون إلى أن الحدود التي كانت ضمن آخر ما نزل في الإسلام. هي للردع والزجر بأكثر منها للتطبيق. أما حكاية الأمر بقتال المشركين هكذا دون أي مبرر. فهي من قبيل الانطباعات الكاريكاتورية الرائجة في بعض الكتابات الاستشراقية، ذلك أن ثمة أمرا صريحا في القرآن يمنع العدوان على الآخرين وتجنب القتال إلا في حالة الدفاع عن النفس. وفي غير ذلك. فالأصل في العلاقة مع الآخرين بمن فيهم الكفار والمشركون هو «البر والقسط» بنص القرآن. ولو أن صاحبنا قرأ شيئا في التاريخ الإسلامي لعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام امتدح «حلف الفضول» الذي عقده كفار قريش للدفاع عن الضعفاء، وقال إنه لو أدركه للحق به وانضم إليه. وليته قبل أن يخوض في تفاصيل الأحكام فتح كتابا في الفقه ليدرك القاعدة التي تقول بأن الأصل في العبادات هو الاتباع وأن الأصل في المعاملة هو الابتداع. ولربما قرأ شيئا عن تغير الأحكام بتغير الأمكنة والأزمنة والأحوال، وغير ذلك من آيات عبقرية وحيوية الفقه الأصولي.
لست في مقام الرد على ما ذكره الكاتب، لكنني فقط أردت أن أنبه إلى الأخطاء المعرفية التي وقع فيها، حين أطلق أحكاما في موضوع لم يعتن بدراسته فوقع فيما أساء إليه.
(3)
مثل هذه الكتابات من تداعيات حالة الاستقطاب الخطر الحاصل في مصر الآن، الذي جعل الانتماء إلى الإسلام موضوعا للخلاف. ذلك أنك ربما لاحظت أن النص الذي نحن بصدده لا يتحدث عن شيطنة المسلمين كما هو الشائع. وإنما هو ينطلق من تقبيح شريعة الإسلام، التي اعتبرها مناقضة لمبادئ المواطنة والحرية والعدالة.
خطورة الكلام تكمن في أنه يوجه إلى مجتمع يشكل المسلمون 94? من أهله. بمعنى أنه يتحدى ويحرج مشاعر الأغلبية الساحقة من المؤمنين، ويشترط لإقامة الدولة الديموقراطية تنازلهم عن جزء من ديانتهم بحجة أن الشريعة باتت منتهية الصلاحية وضارة بصحة المجتمع. كأن عليهم أن يختاروا بين الشريعة وبين الديموقراطية.
حين يصبح الأمر كذلك فينبغي ألا نستغرب إذا تعمقت الفجوة بين المتدينين وغيرهم من العلمانيين خاصة، كما لا ينبغي ألا يفاجئنا شعور البعض وترويجهم لمقولة أن هؤلاء مناهضون للإسلام ورافضون لتعاليمه. وحين يشيع ذلك الانطباع فلابد أن يكون له تأثيره السلبي على الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مصر مقبلة على انتخابات نيابية وبلدية ورئاسية، فإن ضرره الفادح سيكون من نصيب كل الواقفين في المربع العلماني بغير تمييز.
إن السؤال الأهم الذي يطرحه استدعاء موضوع الشريعة والطعن فيها ينصب على مدى الملاءمة والجدوى في فتح هذا الملف في الوقت الراهن. إذ إنه يفترض أن الإسلاميين فازوا بالأغلبية في الانتخابات، وأنهم تسلموا السلطة في مصر وشرعوا في الإعداد لتطبيق الشريعة.
إن شئت فقل إننا بصدد إعادة إنتاج لفكرة الفزاعة، التي يراد بها التخويف من شبح مزعوم، الأمر الذي يستنفر المجتمع ويصرفه عن مشاكله الحالية لينشغل عنها بمحاذير المستقبل وظنونه. بالتالي لا يصبح السؤال عندنا هو كيف نستنهض قوى المجتمع بمختلف مكوناته واتجاهاته للدفاع عن الحرية والديموقراطية والعدل الاجتماعي، وإنما تطرح علينا أسئلة أخرى مغايرة من قبيل هل نطبق الحدود أم لا، ما وضع الجزية، وهل تعلن الحرب على الكفار في الكرة الأرضية بدلا من أن نضيع وقتنا في محاربة الفقر؟.
(4)
أدري أن الجماعات التي تنتسب إلى الإسلام وترفع رايته أصبح لها حضورها بصوتها المرتفع في الساحة المصرية، وإن ما كان محظورا منها أو محبوسا في ظل النظام السابق استرد حريته وصار طليقا بعد الثورة. وهو ما يطرح عدة أسئلة منها مثلا: لماذا لا يتم «تطبيع» العلاقات مع تلك الجماعات، الأمر الذي يبقى على الخلاف معها كما هو، ولكن يقيم تلك العلاقات على أساس من الاحترام الذي يستبعد التسفيه والازدراء، بما يسمح بالتوافق حول قضايا الساعة وأولويات المرحلة ولماذا لا نتعامل مع تلك الجماعات كما يتعامل المجتمع الأمريكي مع اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، وهو القطاع الذي يعج بالأطياف والتنويعات التي تتجاوز في عددها ما نشهده في الساحة المصرية. ذلك أنهم هناك يتعاملون مع اليمين الديني بثقة ورصانة واحترام، في حين أن البعض عندنا لا يكف عن لطم الخدود وشق الجيوب كلما صادفوا شيئا لا يعجبهم في ممارسات الجماعات الإسلامية.
بين يدي كتاب صدر بالفرنسية حول المنظمات الإنجيلية، في الولايات المتحدة ألفه البروفيسور مختار بن بركة الباحث الفرنسي من أصل تونسي، وترجمه إلى العربية الأستاذ أحمد الشيخ الذي اختار لها عنوانا هو: المسيحية هي الحل. ليس فقط لأنه يأتي مقابلا لشعار الإسلام هو الحل، ولكن أيضا لأن تلك قناعة الجماعات الدينية في الولايات المتحدة، وقد ذكر المؤلف أن الرئيس الأسبق رونالد ريجان رفع في حملته الانتخابية (عام 1980) شعار الإنجيل هو الحل. كما ذكر أنه قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كانت الجماعات الأصولية المسيحية أعلنت عام 1976 عام الإنجيلية في أمريكا. ومما قاله بيلى جراهام الداعية الإنجيلي الأشهر في هذا الصدد: «الإنجيل يقرر بأن علينا أن نقود البلاد وإذا لم تحكم أنت أو أحكم أنا (من الإنجيليين) فإن الملحدين والعلمانيين سوف يحكموننا. ولذلك ينبغي علينا أن نسيطر على كل جوانب الحياة».
من النقاط المهمة التي أبرزها الكتاب ما يلي: < إن في الولايات المتحدة 66 مجموعة منظمة تنتمي إلى اليمين المسيحي هدفها الأساسي هو العمل على الوصول إلى السلطة وإعادة تنصير أو تمسيح أمريكا. وقد أصبحت تلك الجماعات خلال العشرين سنة الأخيرة أهم وأقوى حركة شعبية وقوى سياسية في الولايات المتحدة، ولها تمثيلها المشهود في الحزب الجمهوري وفي مجلسي النواب والشيوخ.
< إن هذه المجموعات لا تعترف بالفصل بين الدين والسياسية، فهي تدافع حقا عن الأخلاق الدينية وتعارض الإجهاض والشذوذ الجنسي، لكن لها دورها في إشعال الثورات في دول الاتحاد السوفيتي السابق. وفي ملاحقة النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، وتمثل سندا كبيرا لإسرائيل كما تعد ورقة ضغط قوية لصالحها في الولايات المتحدة.
< إنها تقسم العالم إلى معسكرين، أحدهما يمثل قوى الخير التي تتربع الولايات المتحدة على قمتها، والثانية قوى الشر التي كانت الشيوعية رمزا لها في الماضي، وقد احتل ما سمى بالإرهاب الإسلامي مكانتها الآن. (لاحظ أنها نفس فكرة «الفسطاطين» التي طالما تحدثت عنها بيانات تنظيم القاعدة).
< إنها احتفت بأحداث 11 سبتمبر التي اعتبرها اثنان من زعمائهم ــ جيري فالويل وبات ربورتسون ــ عقابا إلهيا لبلد مذنب بابتعاده عن دينه وتفلته الأخلاقي، ووصله بين السياسة والقوانين وبين القيم المسيحية التقليدية. وعلى شاشة التليفزيون قال بات ربورتسون يوم 13 سبتمبر «إن الله سمح لأعداء أمريكا أن يلحقوا بنا ما قد نستحقه».
إذا كانت جماعات اليمين الديني في الولايات المتحدة تضع السياسات وترجح كفة المتنافسين على الرئاسة، فإنها في إسرائيل تحكم وتهيمن على الكنيست وتتمدد داخل الجيش، وتنفذ خطط الاستيطان واقتلاع الفلسطينيين. ومن ثم فلا وجه للمقارنة بينها وبين دور وممارسات اليمين الديني في مصر والعالم العربي.
إننا نستأسد على بعضنا البعض، ونتسابق على الإقصاء والتشويه واصطياد النقائص والزلات، لكن حصيلتنا صفر على صعيد التوافق والتلاقي والتنافس على خدمة الناس ومحبة الوطن.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
123
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
216
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
93
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7185
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4461
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2370
| 01 أغسطس 2026