رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يذكر كلّ واحد منّا كيفَ عشنا أيّام «جائحة كورونا»، عندما استيقظ العالم فجأة على خبر انتشار واسع لفيروس تسبّب في تغيير نمط الحياة في كلّ المجتمعات الإنسانية، قبيلَ ذلك بفترة قصيرة كنتُ قد حضرتُ افتتاح مكتبة (الأمة) في أنقرة - تركيا - وفي كلمة الافتتاح ألقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمة فلفَت نظري سرده لحكاية ذات مغزى، حيثُ إنَّ أحد الخلفاء العباسيين بعث لاستقدام أحد العلماء الكبار ليحاوره فذهب إليه الرسول ليطلب منه الحضور إلى الخليفة حالًا فوجد العالم في مكتبته وعندما أبلغه برغبة الخليفة قال العالم إني في جلسة حوار لا أستطيع قطعها وسآتيه غدا، وفي الغد ذهب العالم إلى الخليفة، فسأله الخليفة مع من كنت بالأمس قال: كنت مع الكتب..
تلك القصّة الرمزيّة تسرّبت إلى حياتنا تحت وطأة الجائحة، وقد قدّرتُ وقتها أنّ العالم سيتغيّر دون أن يطيح بمكانة الكتاب. وفعلاً ازدادت وتيرة انتقالنا إلى العصر الرقمي دونَ أن نتخلّى عن المعرفة، ومرّت تجربة الحياة تحت وطأة «التباعد الاجتماعي» بإحلال تقارب من نوع جديد وبوسائط جديدة، فقد هيمن البعد التكنولوجي وارتفع نسق الاتّصال والتواصل وبدا السّؤال عن منزلة الكتاب والمكتبات ملحّا لدى المثقفين والكتّاب والقرّاء، ولدى الجهات المعنيّة بمصير الكتاب والمكتبات. كنتُ أسأل نفسي: ما مصيرُ المكتبات في العصر الرقمي؟ وكان لسؤالي وقع مضاعف لأنني لم أكن كاتبا وقارئا فحسب وإنّما رئيسًا لمكتبة قطر الوطنيّة، ممّا حمّلني مسؤوليّة أكبر في تناول هذا السّؤال وتقليبه والتفكير في أهمية تطوير المكتبات حتّى لا يلعب هذا العصر الرقمي بوسائله المتعدّدة دور القضاء على المكتبات، وحتّى لا نعيش زمن هدم المكتبات بطريقة حديثةٍ.
استمرار مجتمع المعرفة
صمدت المكتبات في تاريخ الإنسانيّة رغم الهدم والحرق. ولا يُعقل أن تنحني لعاصفة العصر الرقمي. فقد عرف تاريخ الكتاب مراحل تاريخيّة مختلفة في وسائل التواصل، ولكننا نشهد اليوم حلول أشكال جديدة لتواصلنا مع الكتاب. لنُدقّق الأمر أكثر، فقد كانت المرحلة الأولى التي عاشتها الإنسانيّة تشهد على امتداد أربعة آلاف سنة قبل الميلاد كيفَ تعلّم الإنسان الكتابة، وكيفَ بدأ مع اختراع الكتابة في استخدام لفافات الورق ومخطوطات البردي لحفظ المعلومات والمعاملات والفنون وتعبيره عن رؤيته للحياة والمعتقدات. وبعدها أصبح المخطوط شائعًا فسهّل عمليات التواصل، وعدّ اهتداء الإنسان لفنّ المخطوط ثورة ثقافيّة في تلك العهود سمحت له بتملّك «الوثيقة» وتصفّحها والتعليق عليها في هوامشها، لكنّ مرحلة اختراع الطباعة نحو عام 1450م مكّن الإنسان من الدّخول في عالم التواصل الواسع النطاق، فبعد أن كان استنساخ النّصوص من اختصاص النّساخ صار من مهام المطبعة التي وسّعت مجالات تداول المعرفة ونقلت الكتاب من زمن المخطوط إلى زمن المطبوع. ولا شكّ فإنّ المكتبات التي كانت في السابق تعتمد على المخطوطات وتستعين بصناعة الورّاقين تطوّرت خدماتها بتطوّر صناعة الكتاب. وها نحن اليوم نعيش زمن «النصّ الإلكتروني»، وهي ثورة أخرى في تاريخ الكتاب والتواصل، والمتأمّل في وتيرة تطوّر هذا التاريخ، سيندهش لتلك النقلات المتسارعة التي وفّرتها التكنولوجيا للإنسانيّة، فبينما استغرقت مدّة استخدام الإنسان للكتابة على اللفافة قرابة 4300 سنة، فإنّ استخدام المخطوط بحروف متنقلة دام قرابة 524 سنة، وتطلب الانتقال من الكتاب المطبوع إلى الإنترنت بمحرّكات البحث قرابة 17 سنة لتستغرق مدّة إنجاز محرّكات البحث مع الترتيب عبر غوغل حوالي 7 سنوات. ومن الصّائب الاعتراف أنّنا نعيش على وقع تغيير في تعاملنا مع الكتاب والقراءة على السّواء، إذ يُعدّ دخول الكتاب الورقي إلى عالمنا ميلادًا لفترة جديدة في تاريخ الإنسان. لم تعد القراءة مقتصرة على الكتاب المطبوع، بل إنّ جيلاً كاملاً نشأ بين الصّفحات الافتراضيّة لمحرّكات البحث، وهو لم يعد يستخدم نفس الطرق التي كنا نقرأ بها ونتعامل بها مع الكتاب. إنّه جيل تنوّع طرق القراءة، فالشاشة غير الورقة، وهو قادر في وقت وجيز على تصفح كتب مختلفة في وقت واحد والاكتفاء بنبذات من هنا وهناك. ولا يعني ذلك أنّنا نتحسّر على زمن ما قبل الرقمي فلم يتحسّر أبناء زمن المطبعة على زمن المخطوط، ولم تلغ المطبعة تاريخ الكتاب بل طورته، وكذلك موقفنا من العصر الرقمي. وما الحديث عن أزمة القراءة والكتاب بدعوى هيمنة الرقمي على حياتنا إلاّ حكم يحتاج إلى تروٍّ، فقد عصفت أزمة القراءة أوروبا مثلا قبل أن يحلّ العصر الرقمي، وقد سبق تراجع قراءة الكتب في فرنسا زمن هيمنة الرقمي على عمليات النشر وتداول الكتاب.
إنّنا مجبرون لفهم طبيعة العصر الرقمي ومتطلّباته لكي نستثمر وسائله. لقد حلّ الرقمي في مختلف المجالات، ومن المهمّ التّصريح بذلك حتّى لا يُعتقد أنّ مجال الكتاب والمكتبات مهدّد بشكل متعمّد من هذه الوسائل الجديدة. انتقلت الإدارة في أغلب بلدان العالم من الإدارة الورقيّة إلى الإدارة الرقميّة، وأصبح لزاما على كلّ بلد تطوير خدماته باستخدام التكنولوجيا، لذلك فإنّ الدول التي تعيش ما اصطلح على تسميته بـ»الفجوة الرقميّة» تظلّ متأخرّة قياسا بدول أخرى تمتلك وسائل الرقمنة.
لا يعني الانخراط في العصر الرقمي إعلانا عن «نهاية المكتبات»، فالمكتبات مثل الإنسان تماما فهي على سبيل المجاز «مدنيّة بطبعها» وهي تتأقلم مع المتغيرات التي تحيط بها، وإذا كان «العصر الرقمي» في ظاهره عصر الوسائل والتقانات فإنّه في جوهره عصر معرفي، وما المجتمع الذي يدعو إليه سوى «مجتمع المعرفة». ولكنّ هذا الموقف يتطلّب في الآن نفسه مجهودات كبيرة لأجل «الإبقاء» على المكتبات بل وجعلها تنمو وتعمل بوظائفها المعلومة، وإذا كنا اليوم قادرين على الدخول إلى أيّة مكتبة في العالم للاطلاع على محتوياتها والاستفادة من خدماتها فذلك من فضائل العصر الرقمي ولا يعني أنّ فضاء شاشات الحواسيب سيعتقل القرّاء ليمنعهم من الذّهاب إلى المكتبات واستعارة الكتب منها والمكوث بين أروقتها.
تقوم المكتبات بالتكيّف مع متطلبات العصر، وما يطلبه جمهور القرّاء أيضا، لذلك سارع المهنيّون في المجال إلى دمج وسائل جديدة في المكتبات مثل الشّاشات والألواح الرقميّة في القاعات، ويعني ذلك أنّ إدارة المكتبات ستختلف عمّا كانت عليه، وقد برهن العرب في تاريخنا الثقافي على قدرتهم على اصطناع وسائل جديدة في إدارة المكتبات منذ القديم، فلم يكن لديهم إنشاء المكتبات وليد هاجس حفظ المعارف بقدر ما اهتمّ العرب بـ»إدارة» رصيد مكتباتهم فتوصّلوا قبل غيرهم من الأمم إلى علم إدارة المكتبات، وتصنيف المؤلفات تصنيفاً موسوعياً، ونذكر من أشهر «خزاني المكتبات» سهل بن هارون وابن مسكويه وأبو سيف الأسفرايني. ولذلك فإنّ تطوير المكتبات في هذا العصر ليس مجرّد حاجة وإنّما هو استمرار لمجتمع المعرفة الذي تحافظ فيه المكتبة على مكانتها.
الرقمنة خيار إستراتيجي
لشدّ ما أعجبني قول جيمس برايدل «لا تعني التقانة مجرّد صناعة أو استخدام أداة ما، بل هي صياغة الاستعارات»، فقد اهتدى إلى أنّ الغاية الرئيسيّة في هذا العصر الرقمي لا ترتكز على تملّك أدوات التقنية، بل ترتكز على تلك المفاهيم الجديدة التي نمتلكها لتطويع تلك الأدوات وليس لتوثينها، فيصبح الأمر نوعا من الانقياد الطوعي لـ»الوسيط»، فنغترب فيه وننسى أنّه من صنعنا ولسنا من صُنعه.
وعندما حللت رئيسا على مكتبة قطر الوطنيّة فكّرتُ طويلاً في كيفيّة استثمار هذه الوسائل الجديدة لخدمة مضامين الهويّة الوطنيّة وقيم التعارف الإنساني، وعملتُ على أن توظّف هذه الوسائل في المحافظة على التراث الثقافي لدولة قطر والخليج العربي والتراث الإنساني. ولعلَّ من أبرز أدوار المكتبات الوطنية في العالم بشكل عام القيام بهذا العمل الجليل منْ حفظ للتراث الفكري الإنساني، وذلك هو دور من الأدوار الأساسيّة التي تقوم بها مكتبة قطر الوطنيّة.
لقد تعلَّمنا بأنّ التَّجارب والخبرات التي عرفتها الحضارات استطاعت أن تُراكم معارف ومهارات لا غنى للإنسان عنها في أيّ زمان ومكانٍ لأنّها نواة هذا التطوّر الذي نعيشهُ، وإننا نرى هذا التراكم فيما تركته الأجيال من وسائط مدوّنة أو شفاهيّة، وتناقلتها الأمم، وسارعت إلى حفظها من الزوال حتّى تظلَّ محفورة في ذاكرة الأجيالِ وفاعلة في حاضرها متى دعت الحاجة إليها. وقد تحوّلت هذه الوسائط إلى مصادر للمعرفة يستفيد منها الجميع، ولكنّ هذه الوسائط تحتاج على مرّ السنوات إلى حفظ وصون، وقد أتاحت الوسائط الرقميّة فرصة لهذا الحلم.
تُعدُّ مكتبة قطر الوطنيّة قلعة من قلاع التراث الثقافي بفضل ما تزخر به المكتبة التراثية بها من مخطوطات وخرائط نادرة توفّر للمستفيدين معرفة تراثيّة واسعة بالتاريخ القطري خاصّة، وإن كان معمار مكتبة قطر الوطنيّة حديثًا في طابعه الهندسي فإنّها تولي التراث الثقافي مكانته المتميّزة واللائقة به. وقد تجاوزت المكتبة الدور التقليدي في المحافظة على التراث من خلال تبنيها للأساليب التكنولوجيّة المتقدّمة، ولم تعد تكتفي في أعمالها بتنمية مجموعاتها الوثائقية بحسب حاجيات المستفيدين فقط، بل سارعت إلى حصر الإنتاج الفكري الوطني وتجميعه وتنظيمه والاهتمام بالتراث الثقافي القطري حتّى تكون المكتبة عنصرا فاعلا في بناء الهوية الوطنيّة.
ومن أثر انفتاح هويتنا على التقدم التكنولوجي توظيفنا لكلّ الوسائط الرقميّة، فالمخطوطات تحتاج إلى عناية مخصوصة للمحافظة عليها نظرا لقِدمها ونُدرتها وصعوبة تحقيقها، ومن هنا تأتي أولويّة رقمنتها في جميع مكتبات العالم الإسلامي حتّى تبقى شاهدة على تاريخنا المشترك، وتظلّ مصدرا أساسيا من مصادر معرفتنا بكنوز التراث الفكري والمهاري الذي عرفه المسلمون على امتداد قرون.
إنّ المجتمع الرقمي هو الصّورة الجديدة لمجتمع المعرفة، حيثُ أصبحت المعرفة معتمدة على تقنيات ومنهجيات وأساليب عمل حديثة متطوّرة، وتُترجم مكتبة قطر الرقميّة هذا الانخراط في المجتمع الرّقمي الذي يوسّع من القدرة على استيعاب أكبر قدر ممكن من المعارف وتحصيلها على محامل جديدة كما يوسّع قاعدة المستخدمين من قرّاء وباحثين، فتصبح المعلومات والمعارف متاحة بسهولة ويسر وبلا قيود، ليكون المجتمع الإنساني بشكل عام أكثر معرفة من أيّ وقتٍ مضى. فقد تمّت رقمنة أكثر من مليون ونصف المليون صفحة، وقريبا سترقمن تسعمائة ألف صفحة من المواد الجديدة حول منطقة الخليج، وتعكس هذه الأرقام التدفّق الكبير للمعارف ووفرة المادّة العلميّة المتاحة للأكاديميين والمؤرّخين، والطلاب والباحثين على السّواء.
لنعترف جميعًا بأنّ استخدام التكنولوجيا اليوم لم يعد ترفا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه، مثلما أصبحت المكتبة الرقميّة جزءا من حياة المجتمع المعاصر، وجزءا من تطلّع كلّ مجتمع يريد الخروج من الفجوة الرقميّة ليبلغ التقدّم. ولعلّ من بين ما أنجزته مكتبة قطر الرقميّة، قدرتها على تأكيد عبور دولة قطر إلى مصاف الدول التي تراهن على المعرفة بأدوات في غاية التطوّر، فلم تعد المكتبة مجرد مخزن للكتب ولأوعية المعلومات في صروح شاهقة وبعيدة أحيانا بل أصبحت أقرب إلى القارئ والباحث فتسمح له باستثمارها الاستثمار الأمثل، ويمثّل تيسير تلقي المعرفة نقلة في الزمان والمكان حيثُ تصبح المعلومة والمادة البحثيّة قريبة من طالبها، وتلك هي القيمة المُضافة للمكتبة الرقميّة.
وتساهم رقمنة الموادّ التاريخيّة في اكتساب عامل الوقت، حيث تصبح الاستفادة من المعرفة سريعة، وهو ما يحقّق التواصل مع المواد العلميّة التي كان من المتعذّر الحصول عليها، وهي فائدة تغني الطلاب والباحثين وسائر القرّاء عن التنقّل إلى مواقع هذه المصادر التي كانت مشتتة في المكتبات أو مبثوثة على أرفف الخزائن. وإذا كان النفاذ إلى المعلومة التاريخيّة قد أصبح أمرا متيسّرا فإنّ سعي مكتبة قطر الرقميّة إلى أرشفة مواد من المكتبة التراثيّة بالإضافة إلى مواد من شركاء المكتبة الدوليين من المراكز الأرشيفيّة مثل الأرشيف العثماني والأرشيف الدبلوماسي الفرنسي في باريس والأرشيف الوطني الهولندي، سيسمح بتوسيع دائرة المعرفة، وسيعطي للباحثين فرصا لم تكن متوفّرة لتحصيل الحقائق التاريخيّة، ولفهم التجارب الإنسانيّة المختلفة.
نحن اليوم في حاجة إلى الحوار والتفاعل الإيجابي بين الثقافات والحضارات وليست مكتبة قطر الرقميّة غير أداة متقدّمة للاستجابة إلى هذه الحاجة، فالرهان الحضاري كبير، وهو معقود على تحقيق مستقبل أفضل للإنسانيّة حيثُ يستفيد القارئ من المعرفة لا ليكنزها في عقله ووجدانه بل ليعمل بها، وينتج من خلالها ويساهم بمادّتها في تطوير المعرفة البشريّة، فتنمية المعارف بواسطة التقنيات الجديدة جزء من تنمية مستقبل الإنسانيّة الذي لا يقوم إلا على المعرفة باعتبارها خلاصة احترام الإنسان لأخيه الإنسان لأجل حاضرٍ تسوده القيم المشتركة ومستقبل يعمّه السّلام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15186
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1818
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1641
| 10 فبراير 2026