رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اجتمع هذا الأسبوع وزراء خارجية مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في الرياض لإطلاق منتدى التعاون الإستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، ولكن أعمال الاجتماع قد صاحبتها أجندة غريبة لم تألفها شعوب الخليج وهي مقترح نصب الدرع الصاروخية الذي تعتزم الولايات المتحدة نشره على أراضي منطقة الخليج في مواجهة الخطر الإيراني.
وفي أول رد فعل إيراني على مشروع كلينتون الأمني، أكد رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني علاء الدين بروجردي، أن طرح مشروع الدرع الصاروخية في الخليج موضوع مثير للتوتر. وأشار بروجردي في حديث صحفي، إلى لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية مع العاهل السعودي، وقال: "إن أمريكا ومنذ سنوات ومن خلال خداع دول المنطقة، وتصوير إيران بأنها خطر على منطقة الشرق الأوسط، تقوم بابتزاز دول المنطقة، حيث تقيم العديد من القواعد العسكرية في المنطقة"، مضيفا، أن "أمريكا قامت خلال السنوات الماضية ومن خلال خدعة التخويف من إيران وإثارة الرعب في المنطقة، ببيع كميات ضخمة من أسلحتها".
وقال بروجردي: "إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستبدي ردا حازما ومناسبا حيال أي إجراء يتعارض مع مصالحها الوطنية". إلا أنه وفي الوقت نفسه أكد أن اقتراح نشر الدرع الصاروخية في السعودية إنما هو على صعيد الكلام، ولا بد أن يمر بمراحل عديدة من أجل تطبيقه على أرض الواقع.
ولا يبدو أن الهدف من وراء المقترح الأمريكي من نصب هذه الدرع الصاروخية يتعلق بأخلاقيات العالم المتحضر - ممثلا في أمريكا - الرامية لحماية شعب الخليج وبنيته التحتية من الخطوات الإيرانية الجادة لتطوير سلاح نووي، بقدر ما يتعلق أولا وأخيرا بمصالح الولايات المتحدة متمثلة في مشاريع النفط الخليجي.
وأمريكا التي لا يهمها سوى مصالحها الاقتصادية التي يتمحور الجزء الأكبر منها حول نفط الخليج، وكذلك مصالحها السياسية التي لن تستطيع التخلي عنها حتى لو أدى ذلك لأن تصب الزيت على النار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، من خلال بناء هذه الدرع الصاروخية المقترحة، وبالتالي جر دول الخليج إلى حرب بالوكالة ضد إيران، دون أن تكون لدول الخليج في هذه الحرب المفتعلة ناقة ولا جمل، لم ولن تكون من ضمن أهدافها يوما حماية الإنسان الخليجي، ولن يهمها أمر شعب الخليج، وإن احترق جميع الشعب بنيران الحرب، فإن جل ما يهم أمريكا هو: ألا تحترق آبار نفط الخليج.
أبدت إيران تحفظها أيضا على قرار الحكومة التركية بإقامة رادارات تابعة لمنظومة الدرع الصاروخية الأمريكية على أراضيها العام الماضي، تماما مثلما فعلت روسيا. ووقتها، وحسب بعض المواقع الإخبارية، فإن سكان قرية "كوراجيك" التركية خرجوا في تظاهرات احتجاجية للتعبير عن قلقهم الشديد ورفضهم لإقامة المنظومة الصاروخية في منطقتهم، وأوضح المتظاهرون "أن نظام الرادارات الجديد ستكون له مشاكل كثيرة تتعلق بالبيئة وصحة السكان والاستقرار في المنطقة". وكذلك تظاهر عشرات الآلاف من الأتراك في العاصمة التركية أنقرة، وطالب المشاركون وقتئذ بتحويل ميزانية المنظومة الصاروخية إلى قطاع التعليم، كما رددوا في شعاراتهم: "لا نريد أن نكون درعا لإسرائيل" و"لا نريد الدرع الصاروخية".
ولا يكاد يختلف اثنان على مدى خطورة هذا المشروع الأمريكي خاصة بعد تكشف أبعاد الأهداف الحقيقية للمشروع من خلال محاولات الولايات المتحدة لضرب عصفورين بحجر واحد: الحصول على نفط الخليج بأقل الأسعار، والتكسب ماديا ببضعة مليارات من خلال بيع مشروع الدرع الصاروخية لدول الخليج بأعلى الأسعار.
ويقضي مشروع الدرع الصاروخية التي تعتزم الولايات المتحدة نشرها في الخليج، بإنشاء المضادات الصاروخية وربطها بأنظمة رادارية للإنذار المبكر التي قد يتم نشرها على مساحة ما في منطقة الخليج، في حال موافقة دول المجلس على ذلك. فلقد أضحى مفهوم (أمن الطاقة) أحد المفاهيم الأمنية الأساسية التي تتبناها الولايات المتحدة ضمن سياستها الخارجية، ولذلك باتت العديد من المناطق التي تتميز بوفرة مصادر الطاقة فيها، مناطق صراع حقيقي، وبالطبع فإن منطقة الخليج العربي تأتي على رأس القائمة.
ولقد تناول البروفيسور "كليفورد سينجر" ـ أستاذ الهندسة النووية وعالم الطاقة، والذي عمل سابقا بالوكالة الدولية للطاقة الذرية - في دراسة له بعنوان " النفط والأمن"، دور النفط في العمليات العسكرية للدول العظمى والنشاط الاقتصادي العام.
وحسب دراسة "سينجر"، فقد أعلن الرئيس الأسبق كارتر في أحد خطاباته في 1980، أن أي محاولة من القوى الخارجية للسيطرة على الخليج ستمثل تهديداً للمصلحة الأمريكية، والذي يستدعي التدخل بالقوة لحماية المصلحة الأمريكية، و"بالتالي" حماية دول منطقة الخليج من التدخل الخارجي (وكان يقصد بالقوى الخارجية في حينه، الاتحاد السوفييتي السابق)، كذلك كان لدى إدارتي كارتر وريجان خوف من قوى إقليمية ساعية إلى السيطرة على الخليج، لاسيَّما إيران الراغبة في لعب دور محوري في منطقة الخليج والسيطرة على منابعه النفطية. وتلك كانت أيضا أولوية لإدارة كلينتون حيث تضمنت وثيقة الأمن القومي في عام 1996 أن أي تهديد لمنطقة الخليج العربي يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية، مما يتطلب معه استخدام القوة المسلحة.
ولا ننس مقولة الرئيس نيكسون الشهيرة والهامة جدا التي ذكرها في مذكراته التي كتبها سنة 1983 - صفحة 105 - "أصبحت الآن مسألة من يسيطر على ما في الخليج العربي والشرق الأوسط تشكل مفتاحاً للسيطرة على ما في العالم".
وعليه، فإنه من المهم جدا التأكيد على أن نصب درع صاروخية في منطقة الخليج، حتى وإن كان لغرض دفاعي، إلا أنه سيدفع كل دول الخليج مجددا إلى جبهة الحرب الباردة، إضافة إلى أن مشروع الدرع الصاروخية سيعرقل علاقات دول الخليج مع إيران وروسيا والصين، الذين سيجدون في هذه الدرع تهديدا لأمنهم، بجانب الكثير من المشاكل مع بعض الدول المجاورة. ودول الخليج العربية في غِنى عن كل هذه المخاطر والمغامرات، فلماذا تحاول الولايات المتحدة أن تفرض علينا إستراتيجيتها الملوثة بهدف أن نكون مدعاة للفتنة والحروب بعد أن ظللنا لقرون مضت دعاة للمحبة والسلام؟ ولماذا لا يكون حل معضلة الطموح النووي الإيراني ضمن أجندة السياسة الخارجية لدول الخليج؟ فنحن لا نرغب أن نكون مستهدفين بالصواريخ الإيرانية من أجل عيون أمريكا وحماية حلف الناتو.
وهناك سؤال هام أيضا ربما يتبادر بقوة إلى أذهاننا، وهو أنه حتى وإن وافقت دول الخليج على هذا المشروع، فهل يحق لها أن تستخدم هذه الدرع الصاروخية لصد أي هجوم محتمل آخر من أي دولة أخرى غير إيران؟ وعلى سبيل المثال إسرائيل!
فلذلك نحن لا نريد للمنطقة الخليجية أن تكون على فوهة بركان، ولا نريدها أن تتحول إلى ساحة حرب، أو شاشة عرض يعاد فيها مسلسل الصراعات القديمة، ولقد وقعت إيران قبل عدة أيام اتفاقا أمنيا مع روسيا، ربما كرد فعل على مشروع الدرع الصاروخية في الخليج، مما ينذر برياح مشبعة بغيوم الخطر تتخللها أجواء الحرب الباردة. فبعد تداعيات الثورات العربية، أصبحت كل من روسيا والولايات المتحدة تتنافسان بشدة على مصالحهما في دول الربيع العربي، فتخسر أمريكا سوريا وتكسب ليبيا، وهكذا.. وكأن التاريخ يتهيأ لكي يعيد نفسه.
ومن هذا المنطلق أكد معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية، أن دولة قطر تعارض أي ضربة عسكرية لإيران، كما ترفض تماما استخدام قاعدة العديد لشن هجوم عسكري على الجمهورية الإسلامية. وأضاف، في لقاء مع برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة الأسبوع الماضي، أن الإيرانيين والأمريكيين "يعلمون موقف قطر الرافض لأي عمل عسكري ضد إيران"، إضافة إلى "أننا لن نقبل أي عمل عدائي ضد إيران من قطر".
ويبقى السؤال الملح: هل يرضخ مجلس التعاون للضغوط الأمريكية لنشر منظومة الدرع الصاروخية على أراضي الخليج العربي، أم يرفض المشروع المقترح، للمحافظة على أمن وسلامة شعوبه ومواطنيه في المقام الأول، ثم المحافظة على علاقاته مع جيرانه ثانيا، وأمريكا وروسيا والصين آخرا وليس أخيرا؟
رئيس تحرير جريدة البننسولا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10416
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3477
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2493
| 08 سبتمبر 2026