رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما عاد لدينا أمل كبير في أن ننتقل إلى الأفضل في الوقت الراهن. لذلك أزعم أن واجب الوقت يدعونا لأن نكثف جهودنا لئلا نتراجع إلى الأسوأ.
(1)
على الأقل فقد كانت تلك رسالة بداية العام الثالث للثورة. التي أقنعتنا بأن أوان الإقلاع إلى المستقبل لم يحن بعد، وأننا لسنا جاهزين للانخراط في تلك الرحلة. بل نبهتنا إلى أننا إذا تطلعنا في مرآة الأسبوع الأول من السنة الثالثة للثورة وتفرسنا في وجوهنا جيدا فسوف نكتشف أننا يجب أن نعيد النظر في هيأتنا ـ في أدائنا وخطابنا لكي نستوفى شروط تأهيل الحاضر للالتحاق بالمستقبل، وهذا منطوق يحتاج إلى تحرير وتفسير.
لقد أسدل ستار الأسبوع الأول على مشهد الرجل الذي سحلته الشرطة عاريا، وهو ما صدمنا وأثار اشمئزازنا وأعاد إلى أذهاننا صورة زمن ظننا أننا تجاوزناه. حدث ذلك وسط حالة من الغضب والانفلات الذي وضع مصر على حافة الفوضى، الأمر الذي دفع وزيري الدفاع والداخلية إلى التحذير من احتمالات انهيار الدولة، إذا استمرت الأوضاع على ذلك النحو.
وإزاء ذلك فإن جوقة النائحين أطلقت فاصلا جديدا من العويل والولولة نعت فيه الثورة وصبت اللعنات على السلطة ومن لف لفها. ليس ذلك فحسب، وإنما وجدنا أبواقا عدة في بعض الأقطار العربية هللت لما جرى، وحذرت من مغبة المصير البائس الذي حل بأم الدنيا حين اختارت طريق الثورة، في حين اصطنعت دموع الحزن والأسى لما أصاب «الشقيقة الكبرى»!
جميعهم ـ النائحون والشامتون ـ أصروا على قراءة خبر مصر في صفحة الوفيات ورفضوا أن يطالعوه في صفحة الحوادث. فرأوا مصر وقد لفظت ثورتها أنفاسها بعدما صرعتها النوازل، ولم يروا مصر العليلة التي لم تتعاف بعد من آثار سنوات التجريف الذي أحدثته ثلاثة عقود من القهر والفساد.
(2)
لقد تحدث كثيرون عن سقوط رأس النظام واستمرار النظام ذاته، وكانوا محقين في ذلك لا ريب، تحدثوا أيضا عن استشراء الفساد وانهيار الخدمات واهتمام النظام السابق بالطبقات العليا التي نهبت البلد، وتجاهله للطبقات الدنيا صاحبة البلد. وكان ذلك تقييما صحيحا لا يماري فيه أحد. لكن البصمات التي خلفها النظام السابق على الحياة السياسية والثقافية لم تأخذ حقها من الرصد والتحليل، رغم أنها وثيقة الصلة بما يجري في الساحة السياسية المصرية الآن، ذلك أن احتكار السلطة وتأميم الحياة السياسية طيلة تلك الفترة لم يؤد فقط إلى موت السياسة وإصابة التيارات السياسية بالإعاقة، وإنما أدى أيضا إلى تشويه الطبقة السياسية ذاتها. فلم يتح لها أن تنضج ويستقيم عودها، ولا سمح لها بأن تتحرك بعيدا عن أعين السلطة وأجهزة الأمن (كل نشاط للأحزاب خارج مقارها كان يحتاج إلى موافقة مسبقة من جانب أجهزة الأمن بمقتضى القانون). في الوقت ذاته فإن احتكار السلطة أدى إلى إقصاء كل العناصر المستقلة ناهيك عن المعارضة. وكانت نتيجة ذلك أن الناشطين السياسيين لم يتح لهم التواصل مع المجتمع، بل لم يتمكنوا من التواصل بين بعضهم البعض، فلا توافرت لهم المعرفة أو الثقة إلى جانب أن التباعد فيما بينهم فتح الباب واسعا للحساسية وإساءة الظن ببعضهم البعض.
لا يقل سوءا عما سبق أن الجماعات السياسية التي غيبت عن الممارسة والمشاركة في السلطة، لم تمكن من بلورة رؤية أو مشروع بديل في تلك الفترة، حيث لم يخطر على بالها أنها يمكن أن تشكل بديلا عن السلطة، وبسبب الإقصاء فإنها لم تكتسب خبرة في إدارة الدولة. وحين حدث الزلزال الذي أسقط النظام انكشفت كل تلك العورات، وواجهت الطبقة السياسية بمختلف مكوناتها اختبارا لم تتوقعه ولم تكن مؤهلة للنجاح فيه.
(3)
سئلت أكثر من مرة: هل أصيبت مصر بالعقم، ولماذا لم تظهر فيها بعد الثورة قيادة كاريزمية تحظى بالإجماع الوطني؟
رجوت استبعاد مسألة «الكاريزما» بمعنى القبول العام. لأنها هبة من الله لا تصنع، ومن ثم فهي تعتمد على المصادفة التي يتعذر التعويل عليها، لأنها قد تتحقق في زمن وقد تغيب لعدة أزمنة. وقلت إن القيادات التي تحظى بالإجماع الوطني، بعضه أو كله. لا تظهر إلا من خلال الممارسة الديمقراطية. ذلك أن إقامة الأحزاب والمجالس النيابية والمحلية وكذلك تشكيل النقابات ومراكز البحوث وتوفير حرية الحركة والتعبير، هذه العوامل تشكل الأوعية أو المختبرات التي تظهر لنا قدرات الأشخاص وكفاءاتهم. وفي غيبة الممارسة الديمقراطية التي تقمع فيها القوى السياسية وتحرم من أي مشاركة ذات قيمة، في حين يطلب منها أن تتحول إلى مجرد (ديكور) للتجمل السياسي، فإن فكرة ظهور القيادات البديلة تصبح منعدمة. علما بأن تجريف التربة وتصحيرها لا يتيح لأي نبت طبيعي أن ينمو فيها، وإنما تظل التربة مؤهلة فقط لنمو الشوك والصبار.
هذا التحليل إذا قمنا بتنزيله على الأرض فهو يفسر لنا لماذا كانت الثورة جسما بلا رأس. كما ينبهنا إلى أن الحياة السياسية في مصر بعد الثورة تكاد تبدأ من الصفر أو من شيء قريب منه. فالثورة كان لديها مشروع إسقاط النظام السابق وهدمه، ولم يكن لديها مشروع لبناء النظام البديل. والثوار لم يحركهم انتماؤهم السياسي ولم تدفع بهم قيادة أو زعامة من أي نوع، وإنما حركهم الدافع الوطني وانتفاضهم على الظلم والفساد. وحين وصفها أكثر من باحث بأنها ثورة إسلامية في لقاء مع بعض الباحثين في إحدى جامعات طهران، تحفظت على ذلك الوصف وقلت إنها أقرب إلى الانتفاضة الفلسطينية التي لا يستطيع أحد أن يدعي أنها انتفاضة إسلامية.
الذي لا يقل أهمية عما سبق أن الذين تصدروا الواجهات بعد الثورة وتحدثت عنهم وسائل الإعلام باعتبارهم (قيادات) لم تفوضهم الثورة للتحدث باسمها، وبالتالي فإنهم لا يمثلون سوى أنفسهم، كما أنهم كانوا بدورهم بلا مشروع ولا خبرة في إدارة الدولة من ناحية ثانية. وغاية ما يمكن أن يقال بحقهم إنهم خرجوا من عباءة النظام السابق والتحقوا بالحالة الثورية لكنهم ليسوا إفراز الآلة الديمقراطية. لذلك فإن أي قصور أو تشوه يظهر في أدائهم وخبراتهم ينبغي أن ينسب إلى تأثير تلك الخلفية.
ثمة ملاحظة جانبية ينبغي التنويه إليها في هذا السياق. وهي أننا نتحدث عن الجماعات السياسية المصرية وقياداتها وكأنهم وحدهم المسؤولون عما يجري في البلد هذه الأيام. وهذا تقدير غير دقيق، لأن أي عاقل لا يستطيع أن يتصور أن الأصابع الخارجية اختفت من مصر وأن اللاعبين المحليين وحدهم هم الذين يحركون الأحداث فيها. ذلك أن أصابع الأمريكيين والإسرائيليين وغيرهم من الأطراف والقوى التي ظلت ترتع في مصر طوال الثلاثين سنة الماضية على الأقل، لا يمكن أن تكون قد استقالت من مهمتها ووقفت متفرجة على أحداثها بعد الثورة. لأن المنطق الطبيعي في هذه الحالة يدعوهم إلى مضاعفة نشاطهم فيما يعتبرونه دفاعا عن مصالحهم، بعدما أسقطت الثورة حليفهم الاستراتيجي وجاءت بعناصر أخرى يفترض أنها لا تكن ودا لهم. لسنا بحاجة إلى وقائع محددة في هذا الصدد، لكنني أنبه إلى جانب في المشهد مسكوت عليه وتكاد تعتبره بعض التحليلات غير موجود لمجرد أنه غير مرئي.
ـ ٤ ـ
تشوهات الطبقة السياسية تفسر لنا لماذا غابت الرؤية عن الجميع، ولماذا صارت خياراتنا بين سيئ وأسوأ. ولماذا أصبح مشروع المعارضة هو تحدي الرئيس محمد مرسي وإسقاط نظامه وليس الانتصار لأهداف الثورة والاحتشاد لإنجاحها؟ ولماذا تحولت بعض وسائل الإعلام إلى منابر للتحريض على الإقصاء والعنف، ولماذا رأينا في الواجهات وعلى المنصات قامات أصغر كثيرا من قامة وحلم الثورة وقيادات حضورها يقتصر على شاشات التلفزيون والصور الصحفية.
ذلك كله نفهمه ويمكن أن نحتمله لبعض الوقت، إلى حين تدور الآلة الديمقراطية ويتاح لنا من خلال الأداء وعبر الصناديق، أن نتعرف على القدرات والأحجام والأوزان.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن مثل تلك التشوهات تعد أمرا مفهوما وطبيعيا في مراحل التحول والانتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر نقيض له. لكن الذي يمكن احتماله من جانب المعارضة، يصعب قبوله واحتماله من جانب رئاسة الدولة. ذلك أن موقع الرئاسة يفرض عليها أن تضبط المسيرة وتوضح الرؤية وتحدد للجميع الهدف البعيد منه والقريب. فربان السفينة ليس كأي عنصر آخر فيها، باعتبار أن أي خطأ من جانبه يعرضها للجنوح أو الغرق.
للأسف فإن الرئيس محمد مرسي لم يخاطبنا في كل ذلك. فلا عرفنا خط سيره، ولا أخبرنا إلى أين هو ذاهب بنا. الأمر الذي أعطانا انطباعا بأنه يسير على خط البيروقراطية المصرية العريقة، ببطء حركتها وتقليدية أهدافها، واكتراثها بالإدارة بأكثر من اكتراثها بالناس.
إن كثيرين يتحدثون عن أخونة الدولة، الذي هو مصطلح ملتبس، لأن العبرة ليست بما إذا لجأت إدارته للاستعانة بالإخوان في بعض المواقع، وإنما الأهم هو ما إذا كان هؤلاء من أهل الكفاءة والخبرة، أم أنهم من أهل الثقة فقط. ولأن أكثر هؤلاء بغير خبرة فما حدث أنهم تحولوا إلى أدوات في أيدي البيروقراطية العريقة، الأمر الذي انتقل بشعار أخونة الدولة إلى مرحلة عبثية يمكن أن نطلق عليها «دولنة الإخوان».
لا نستطيع أن نأخذ على محمل الجد شعار إسقاط النظام الذي يردده البعض كي يقودنا إلى المجهول. وقد يسلمنا إلى الخيار الأتعس الذي تتجسد فيه كل العيوب والتشوهات التي سبق ذكرها. هذا إذا قبلنا بالمنطق المعوج الذي يدعونا إلى إسقاط الرئيس بعد انتخابه بسبعة أشهر.
لكننا نرى جدية وأهمية في أن يخرج الدكتور مرسي عن صمته ليحدث الشعب برؤيته وتصوره للحاضر والمستقبل، بعدما تعكرت الأجواء وتزاحمت السحب الداكنة في الأفق. وإذا فعلها فإنه سيحدث ثغرة في جدار الصمت الذي يحتمي به، وسيعطينا أملا في المستقبل يسكت الأصوات المطالبة بالخيار الأتعس. لقد ارتضينا الرئيس وصوتنا لصالحه لأسباب مفهومة، ولكننا لم نلحظ أنه أدرك أهمية التواصل معنا واسترضائنا. علما بأن أحلامنا تواضعت في الوقت الراهن، حتى صار أملنا ألا ننتقل إلى الخيار الأسوأ والأتعس ليكون لكل حادث حديث بعد ذلك.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1018
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5820
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3903
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3126
| 24 سبتمبر 2026