رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما جرى مساء الثلاثاء الماضي من وقائع أسفرت عن رفض مشروع القرار العربي المقدم لمجلس الأمن. والذي ينص على إنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية في فلسطين، وفق جدول زمني ينتهي بنهاية العام 2017. وذلك بحسبانه رمانة الميزان، في معادلة الاستقرار والأمن وحقوق الشعوب المقهورة والواقعة تحت الاحتلال، يعبر عن جملة من الحقائق. أولها أن العالم لم ينضج بعد للخروج من عباءة التأثير الصهيوني خاصة الدولة الكبرى. الولايات المتحدة. التي مارست كل صنوف الضغوط لإجهاض عملية التقدم بمشروع القرار سواء على الجانب الفلسطيني أو على الجانب العربي الذي أبدى حماسا واضحا لمشروع القرار على نحو يصل إلى حد الإجماع. ثم تواصلت هذه الضغوط -ومعها ضغوط صهيونية - عند طرح المشروع للتصويت خاصة على الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن والتي تجاوب بعضها معها في حين أن البعض الآخر لم ينحن له، وهو ما يتعين على الدول العربية أن تقوم بدراسته بعمق، لتتعرف على سبيل المثال على الأسباب التي تدفع دولة إفريقية كبرى، مثل نيجيريا ترتبط بعلاقات قوية مع أغلبها ويشكل الإسلام مكونا مهما لملايين من سكانها للتصويت بلا. ضد مشروع القرار وهو ما يعنى أن ما يسمى بالمنظومة العربية الإفريقية، والتي عقدت خلال السنوات الخمس الماضية، قمتين إحداهما في سرت الليبية في العام 2010. والثانية في الكويت في 2013 ليست على النحو المطلوب من التماسك. مما يتعين معه إعادة النظر في كل الخطوات التي يتخذها العرب تجاه مثل هذه الدول التي سرعان ما تستجيب لرغبات الكيان الصهيوني. على نحو يجعلها أكثر فعالية من الخطوات التي يقوم بها الكيان في إفريقيا. والتي – حتى نكون أكثر صراحة –تتسم بقدر كبير من الانسجام والتناغم مع متطلبات الدول الإفريقية.
ثانيا: ثمة إشكالية في المنهجية الفلسطينية -ومعها بالطبع العربية - في التعاطي مع مجلس الأمن. فالجميع كان لديه قناعة بأن الإدارة الأمريكية المتحالفة أفقيا ورأسيا مع الكيان الصهيوني. باعتباره الشريك الاستراتيجي الحقيقي والوحيد في منطقة الشرق الأوسط. سوف تستخدم حق النقض – الفيتو – وبالتالي لم تركز على الخطوات الإجرائية. التي تسبق التصويت النهائي. والمتمثلة في اعتماد القرار والذي يتطلب توافر تسعة أصوات وهو ما لم تنجح فيه الدبلوماسية الفلسطينية والعربية. وكان من الضروري أن تتكثف الاتصالات مع الدول الأعضاء الخمسة عشر في مجلس الأمن. بما يضمن الأصوات التسعة ثم ملاحقة مختلف أشكال الحصار والضغوط التي يقوم بها الطرفان الأمريكي والإسرائيلي. وليس الاكتفاء فحسب بمجرد الحصول على وعود من ممثلي هذه الدول. عبر استخدام كل القنوات المتاحة. بما في ذلك إجراء الاتصالات على مستوى القمة. وهو ما نجح فيه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان. عندما اتصل بصديقه رئيس نيجيريا -على حد وصفه - والذي استجاب لطلبه. وشخصيا. فإنني على علم بأن ذلك لم يحدث على المستوى العربي. فالجميع ركن إلى الاتصالات التي أجراها الوفد الوزاري العربي. والذي ضم وزراء خارجية الكويت وموريتانيا وفلسطين إضافة إلى الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية. مع وزراء خارجية أمريكا وبريطانيا وفرنسا في كل من لندن وباريس. بينما تحرك نتنياهو إلى روما للقاء جون كيري في نفس توقيت تحرك الوفد الوزاري العربي. وبذلك تبدو واشنطن في حالة من البراءة والنقاء والشفافية. فهي تجاوبت مع مطالب العرب في تجنب اللجوء إلى الفيتو. بيد أنها في الوقت ذاته عملت على إجهاض مشروع القرار من الجذور.
ثالثا: ثمة تساؤل ألم يكن الطرف الفلسطيني - والعربي بالضرورة - على وعي وإدراك، بأن هناك تغييرا سيطال تركيبة العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن في مطلع العام الجديد، وستضم خمس دول بطبيعتها مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، فلماذا كان الإصرار على عرض المشروع للتصويت قبل بداية العام الجديد، خاصة أن موازين القوى في المجلس تكاد تكون معروفة؟ وهل ينبئ ذلك عن سوء تقدير للموقف؟ أم أن هناك أسبابا غير معروفة وراء هذا التحرك؟ خاصة أنه كان لدي معلومات من مسؤول فلسطيني رفيع المستوى بأن هناك تفكيرا جادا لدى القيادة الفلسطينية لطرح المشروع على التصويت في شهر يناير.
رابعا: إن الخطوات التي أقدمت عليها القيادة الفلسطينية في اليوم التالي للإخفاق في تمرير مشروع القرار، تعكس رغم كل الملاحظات سالفة الذكر عن استعداد جيد للتعامل مع تداعيات هذا الإخفاق ولعل ما يستحق الإعراب عن التقدير في هذا الصدد، هو أن الرئيس أبو مازن لم يخش التهديدات والضغوط التي تعرض لها للتراجع عن هذه الخطوات، وفي صدارتها توقيع طلب الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية وهي الخطوة التي أصابت قادة الكيان بالقلق، لكونها توفر المطالبة بمحاكمتهم لارتكابهم جرائم حرب ضد الفلسطينيين، وقد حاول نتنياهو شخصيا التقليل من هذه الخطوة، عندما أراد أن يلقي بالكرة في ملعب الفلسطينيين حيث لفت أن المحكمة ستحاكم قادتهم بتهمة انتمائهم لتنظيم إرهابي – حسب توصيفه هو حركة المقاومة الإسلامية – حماس – وهو ما لم يخف أيا من رموز القيادة الفلسطينية. التي لم توقع على طلب الانضمام لهذه المحكمة فحسب. وإنما لـ22 من المنظمات والهيئات والبرتوكولات الدولية التي يحق لدولة فلسطين. العضو غير المكتمل بالأمم المتحدة. الانضمام إليها مما سيتيح لها الحصول على المزيد من الحقوق والامتيازات على الصعيد الدولي. ولكن ذلك يستوجب تحركا فلسطينيا وعربيا نشطا باتجاه الأمم المتحدة. وهذه المنظمات والهيئات والبرتوكولات لقطع الطريق على أي ضغوط صهيونية وأمريكية. تحاول أن تجهض عضوية دولة فلسطين بها مما يستوجب أن يكون في صدارة جدول أعمال الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية. الذي سيعقد منتصف الشهر الجاري المخصص لبحث تداعيات مشروع القرار.
خامسا: ثمة حاجة حقيقية لإعادة النظر في مجمل تفاعلات المشهد الفلسطيني الداخلي. باتجاه بناء مصالحة وطنية حقيقية. تكون بمنأى عن الاهتزاز والسقوط في أفخاخ التصريحات الإعلامية المستفزة من هذا الطرف أو ذاك. فذلك وحده كفيل بتحقيق وحدة الموقف. فضلا عن أنه يشكل إسنادا قويا للمفاوض الفلسطيني. في تعاطيه السياسي. سواء مع الكيان الصهيوني أو مع الأطراف الدولية. الأمر الذي يجب أن يقود بالضرورة إلى ضرورة تحقيق إستراتيجية وطنية - وفق تعبير الكاتب الفلسطيني معين الطاهر - للرد على تداعيات إخفاق مجلس الأمن في إقرار مشروع القرار. وحسب رؤيته فإنه في ظل ظروف الانقسام الفلسطيني وما أنجزته المقاومة في غزة من جهة، وطبيعة الأوضاع في الضفة، فإنه قد يتجسد أسلوبان مختلفان من النضال، لكنهما يصبان ضمن إطار هذه الإستراتيجية وطنية شاملة. ففي غزة، ينبغي الاستعداد للجولة المقبلة، بتعزيز قدرات المقاومة العسكرية والتمسك بسلاحها، وهذا يستدعي تشكيل إدارة وطنية موحدة من الفصائل والشخصيات الوطنية، تخوض النضال من أجل رفع الحصار، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتحافظ على قدرات المقاومة العسكرية وتطورها.
أما في الضفة الغربية، فقد آن الأوان لخوض مقاومة شعبية شاملة حقيقية، تشكل الوجه الرئيس، والسمة الغالبة لكفاح الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة. تتجاوز هذه المقاومة الشعبية ما عرف بالمسيرات الأسبوعية ضد جدار الضم العنصري، لتتحول إلى مواجهة يومية مع حواجز الاحتلال ومستوطناته ودورياته، في مقاومة شعبية، تتصدى للاحتلال، وتقيم لجانها الوطنية في كل الأحياء والمدن والقرى، مقاومة شعبية ترفض المفاوضات والاتصالات مع العدو، وتنهي كلياً التنسيق الأمني معه، وتضع شروطها لدحر الاحتلال من دون قيد أو شرط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2049
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1131
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1125
| 21 مايو 2026