رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الانحراف الرابع: إطلاق العنان لموجة الإرهاب التكفيري التي يقودها تنظيم "أنصار الشريعة" المرتبط بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، والتي باتت تشكل خطورة حقيقية على تماسك الدولة التونسية، وعلى الوحدة الوطنية. فكان اغتيال الشهيد القائد اليساري شكري بلعيد يوم 6 فبراير 2013، واغتيال الشهيد النائب القومي في المجلس التأسيس محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013. وكانت هناك اغتيالات مُبرمج لها، أما الميليشيات المرتبطة بحركة النهضة، وهي "رابطات حماية الثورة "، فكانت تهاجم مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل، وتتدخل، وتعتدي على اجتماعات أحزاب المعارضة اليسارية والليبرالية، لمنعها من الانعقاد في مختلف المدن التونسية. وكانت المساجد (تشكل) منابر دعوة إلى العنف والنهضة كانت تستأسد وتتكلم عن الصفر فاصلة عندما تتحدث عن المعارضة وتتكلم عن الشرعية.
وفي ظل هذا الوضع بلغ السيل العذل، فاعتبر التونسيون أن أمنهم غير مكفول، وأن الظاهرة الإرهابية تتطور في تونس بمباركة محلية، وأن الاغتيالات السياسية تدبر.. من أجل تصفية المعارضة الديمقراطية في البلاد، والعمل على إرساء ديكتاتورية جديدة.
آنذاك بدأت حركة المقاومة للمجتمع المدني تتجذر في مناهضتها لحكم الإسلاميين: الترويكا أو الائتلاف الثلاثي الحاكم... فتشكلت في وجه حكم الإسلاميين معارضة متعددة، بدأت من حزب "نداء تونس" وهو حزب ليبرالي حديث العهد ليس له أكثر من سنة... وهناك الحزب الجمهوري الذي تحول من تبني الاشتراكية الديمقراطية إلى اعتناق الليبرالية، وكان المنافس الرئيسي لحركة النهضة قبل الانتخابات ولكن خسارة الانتخابات أضعفته ولكنه يعتبر من الأحزاب المعارضة المهمة، وهناك الجبهة الشعبية التي تشكلت في 7 أكتوبر 2012، وهو تجمع لزهاء أربعة عشر حزبا من أقصى اليسار ومن القوميين... وهؤلاء اكتسبوا من خلال التعبئة الاجتماعية والسياسية وزنا كبيراً في الساحة السياسية.
وتمثل الجبهة الشعبية الآن القوة الثالثة في البلاد، بعد نداء تونس والنهضة، وبشكل عام هي باستمرار وبشكل مستقر القوة الثالثة... وهناك حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي وهو سليل الحزب الشيوعي سابقاً. هذه تمثل أهم الحركات المعارضة وهي موحدة في ما يسمى بجبهة الإنقاذ الوطني، التي تأسست الصيف الماضي إثر اغتيال محمد البراهمي، لكن اتفاقها السياسي محدود، نجحت في التعبئة من أجل فرض الاستقالة (استقالة الحكومة) والالتزام بالاستقالة والقبول بالحوار الوطني وفقاً لخريطة الطريق التي أعدها الرباعي... لكن في طرح الخروج من الأزمة اختلفت الآراء وهذا أحد الأسباب الذي جعل الحوار لا ينتهي إلى الهدف المرجو.
يجمع المحللون الملمون بالشأن التونسي أن بداية التراجع لحركة النهضة بدأت مع بداية مسلسل الاغتيالات السياسية لرموز المعارضة الديمقراطية التونسية المناهضين لهيمنة الإسلام السياسي على الحكم في تونس، حيث فجرت عمليات الاغتيال السياسي الطاقات المكبوتة للشعب التونسي، عبر اندلاع مظاهرات عارمة في مختلف المدن التونسية، شكلت الشرعية الشعبية الجديدة، التي باتت تتفوق على الشرعية الانتخابية التي أفرزتها صناديق الاقتراع.. تلك الاحتجاجات دفعت رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي إلى الطلب من حزب "النهضة" الحاكم الذي ينتمي إليه السماح له بتشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط، لكن الحزب رفض، ما أدى إلى استقالة الجبالي في مارس 2013 من رئاسة الحكومة ليكتفي فقط بمنصب أمين عام النهضة التي اختارت علي العريض بدلا منه لرئاسة الحكومة الحالية.
رغم أن قوى المعارضة اليسارية والليبرالية كانت تريد أن يتمخض عن جلسات الحوار الوطني توافق وطني حول شخصية رئيس حكومة يكون كفئا ومستقلا في ذات الوقت ويحظى بنفس القدر من الثقة من الجانبين، الحكم والمعارضة، حتى يحقق برنامج إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن هذا الحوار الطويل انتهى يوم 14 ديسمبر الماضي إلى فرض وزير الصناعة الحالي مهدي جمعة كرئيس للحكومة المقبلة، في اللحظات الأخيرة للحوار الوطني، لاسيَّما أن جمعة محسوب، منذ سنوات، على قربه من ؟؟؟؟؟؟؟ خصوصا لما كان طالبا بالجامعة وأنه مازال «يتحلى» بالصفات نفسها رغم عدم الإعلان عن ذلك علنا، معتبرين أنه لو لم يكن. رغم عدم رضا المعارضة على ذلك واعتبار ما حصل بأنه يشكل انقلاباً على آلية التوافق الذي كان مطروحا، فثمة نتيجة حاصلة، هذه النتيجة هي أنّ حكومة السيّد علي العريّض سترحل في كل الحالات، وهذا في حد ذاته شيء إيجابي وشيء مهم، وهو مطلب رئيسي.
حركة النهضة التي خرجت من الحكومة، لم يكن خروجها عن طواعية، بل جاء على طريقة "مكره أخاك لا بطل". فهو من جهة جاء تحت ضغوطات من المعارضة وتحولت إلى ضغط شعبي (اعتصام الرحيل- مسيرات أوت 2013..)، والدور المهم الذي لعبته المعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، وبروز الخطر الإرهابي الذي يمارسه تنظيم "أنصار الشريعة" المرتبط بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وبتنظيمات "أنصار الشريعة" في كل من ليبيا واليمن ومصر، والذي بات يطالب علانية بتطبيق الشريعة الإسلامية كدستور لتونس، وتفاقم الظاهرة الإرهابية في تونس، التي هزت أمن واستقرار البلاد مجددا وبالتالي قادت إلى إضعاف الحكومة أكثر.
وفضلا عن ذلك، أدت الاشتباكات المسلحة بين المجموعات المنتمية لتنظيم "أنصار الشريعة" وبين رجال الشرطة في مايو 2013 إلى عدد من القتلى والجرحى في صفوف الجيش وأجهزة الأمن.
كما ترافق مع الأداء الاقتصادي المترهل للحكومة الهلع الذي ساد في أوساط الطبقة التونسية المثقفة والأقليات بسبب تعاظم نفوذ المتطرفين الإسلاميين دون قدرة الحكومة على ضبطهم، إذ جاء اغتيال قيادي معارض آخر هو محمد براهمي في يوليو 2013 ليدق المسمار الحاسم في نعش حكومة النهضة، حيث سار مئات آلاف التونسيين في الشوارع مطالبين برحيلها.
وما وجه الضربة القاضية لأي قدرة على حركة النهضة للمناورة السياسية في الداخل هو الصفعة القوية التي تلقتها عند سقوط عرش إخوانهم في مصر في الفترة نفسها، وكي لا يقعوا في الخطأ نفسه الذي وقعوا فيه في مصر قرروا في 14 أكتوبر 2013 القبول بتسليم السلطة في تونس إلى حكومة مؤقتة من سياسيين مستقلين تصرف أعمال البلاد وتنظم إجراء انتخابات ديمقراطية في العام المقبل 2014.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3303
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026