رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن استضافة كأس العالم للمرة الأولى حدثاً تاريخياً فريداً بدخول دولة قطر التاريخ بكونها أول دولة عربية وخليجية ومسلمة وشرق أوسطية حدثاً غير مسبوق فحسب، ولكن ما شهدناه منذ بدء البطولة ونهاية دور المجموعات يشير إلى أننا نشهد حدثاً تاريخياً مميزاً ونحن أمام كما توقع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم-أن النسخة 22 لكأس العالم في قطر ستكون النسخة الأكثر نجاحاً.
يؤكد ذلك كانت إشادة الكثير من المشاركين بمستوى الإدارة وحسن التنظيم وكرم الضيافة وسهولة التنقل من وإلى وبين الملاعب-والأجواء الاحتفالية التي يعيشونها في الدوحة. خاصة أنه أول مونديال تجرى جميع مبارياته في مدينة واحدة.
كان مفرحاً ما شهدناه في مباريات دور المجموعات التضامن والتكاتف العربي بدعم المنتخبات العربية، وشعرنا في الملاعب وأمام الشاشات جميعنا قطريين وسعوديين ومغاربة وتونسيين في مونديال المفاجآت- وكان حضور الأمير سمو الشيخ تميم والأمير الوالد لافتاً في دعم المنتخبات العربية والتوشح بأعلامها في مبارياتهم..
وبرغم مغادرة منتخبات السعودية وتونس، بعد استضافة وأداء مشرف. إلا أن الجميع سيتذكر ما قدمته قطر لبلدها والخليج والعالم وللقضايا العربية وخاصة فلسطين. وأمل العرب جميعاً معلق بمنتخب المغرب فخر العرب، وتصدره مجموعته بعد هزيمته منتخبات كبرى، بلجيكا. وهزيمة تونس فرنسا بطل العالم مرتين-وهزيمة السعودية الأرجنتين بطل العالم مرتين-وهزيمة اليابان إسبانيا، وألمانيا بطل العالم 4 مرات! وآخر المفاجآت انتصار الكاميرون على البرازيل بطل العالم 5 مرات!
لم يتركوا حجراً إلا ونبشوه في حملات التشكيك والنيل واستهداف قطر، منذ الإعلان عن نيل شرف الاستضافة عام 2010. وصلت للمطالبات بسحب البطولة وتراكم الانتقادات باستحالة استضافة دولة صغيرة البطولة العالمية الأبرز في العالم. وعندما فشلوا لجأوا إلى التشهير بحريات العمالة الوافدة التي تبني البنى التحتية والملاعب الأحدث في العالم، وحقوق المرأة ثم ابتدعوا المطالبة بحقوق المثليين والشواذ وحق شرب الخمر في الملاعب. وبرغم ذلك باءت جميع محاولاتهم العقيمة بالفشل. وللأسف انضمت شخصيات سياسية بارزة مثل وزيرة الداخلية الألمانية لاستفزاز الحضور بارتداء شارة "حب واحد" في الاستاد اثناء مباراة ألمانيا.
كانت الفرحة عارمة بإقصاء منتخب ألمانيا من دور المجموعات بعد انتصار منتخب اليابان-وشهدنا الفرحة وحتى الشماتة بهزيمة الألمان بعدما استفزوا الجماهير العربية في قطر بوضع أيديهم على أفواههم في المباراة الافتتاحية احتجاجاً على ممارسة قطر حقها السيادي بمنع أعلام وشعارات وشارات المثليين والشواذ. وللإنصاف علقت رئيسة رابطة الدوري الألماني على منع عرض شارة المثليين (حب واحد) في مباريات كأس العالم-هو قرار صحيح- وسيؤدي كأس العالم في قطر إلى تغيير أمور كثيرة. كما كان صادماً ولافتاً للألمان حجم التنمر والشماتة كرد فعل على سلوك المنتخب الألماني المستهجن وخسارته! علقت صحيفة ألمانية: "تنمر شرقي وشماتة غير مسبوقة ضد منتخب ألمانيا بعد اقصائه من كأس العالم"!
اصطفاف وكيل الغرب بمكيالين وصل لاستدعاء المفوضية الأوروبية سفير الكويت للاحتجاج على إعدام 7 مدانين بجرائم قتل للمرة الأولى منذ عام 2017، وقد أدين القتلة في جميع درجات التقاضي.. حذرت المفوضية الأوروبية أن تطبيق الكويت عقوبة الإعدام قد تعقد الموافقة على إعفاء الكويتيين من تأشيرة شنغن! لتشترط لجنة الحقوق المدنية في البرلمان الأوروبي حتى تعفي مواطني الكويت من الحصول على تأشيرة دخول لدول الاتحاد الأوروبي الـ 24 دولة الأعضاء في منطقة شنغن، وهو مطلب يتم تداوله منذ سنوات لتشجيع السفر والتجارة والاستثمار والسياحة والتبادل الثقافي، على دولة الكويت إلغاء عقوبة الإعدام! كما عبرت اللجنة عن قلقها من حرية ممارسة الحقوق الدينية وحقوق النساء والعمال والمثليين الشواذ جنسيا في الكويت وقطر وعمان، وطالبت باحترام حقوقهم! ما يعد تدخلا سافرا ومرفوضا ويتعارض مع سيادة الدول!
بالمقارنة، يتكشف نفاق الغرب، في الوقت الذي تطبق الولايات المتحدة الأمريكية عقوبة الإعدام في 27 من 50 ولاية أمريكية منذ إقرار المحكمة العليا عقوبة الإعدام عام 1976، أُعدم حتى اليوم 1532 مداناً بحقنهم بمادة قاتلة حتى الموت. وينتظر 2436 مداناً تنفيذ أحكام الإعدام! والمفارقة تزامن إعدام الكويت 7 مدانين الشهر الماضي مع إعدام مدان بالقتل في ولاية أوكلاهوما! ولم يحتج الأوروبيون!
كما أقر الدوما-البرلمان الروسي قانوناً يجرّم ويعاقب من يروج للمثلية والشواذ الجنسي، ويحظر الدعاية للمثليين ومزدوجي الميول الجنسية وتغيير الجنس الأسبوع الماضي. ومجدداً لم نسمع انتقادات أوروبية ضد ممارسات الأمريكيين الإعدام وقانون وانتقاد القانون الروسي الذي يعاقب الترويج وتشجيع المثلية. ولم تستدع المفوضية الأوروبية السفيرين الأمريكي والروسي للاحتجاج والتهديد بمتابعة موقف البلدين! كما فعلت المفوضية الأوروبية باستدعاء السفير الكويتي للاحتجاج على الاعدامات.
طبيعي أن ترفض الكويت وقطر وعُمان التنمر والتدخل السافر في الشؤون الداخلية لدولنا، ورفض الوصاية والحملات العنصرية بانتقائية. كما أنه مرفوض فرض الأوروبيين وغيرهم ثقافة وسلوك تحرمه الشريعة الإسلامية والأديان السماوية ومعاد للفطرة الإنسانية-كما نرفض مطالبتهم بأن نضمن حق الشذوذ واللواط والمثلية لإعفائنا من تأشيرة الدخول تجاراً ومستثمرين وسياحاً!
علقت سابقاً: أصبح السلوك العنصري الغربي تجاه قضايانا العربية والإسلامية، نهجاً منحازاً. فيما ينحازون ويرفضون التنديد بجرائم الصهاينة ضد الفلسطينيين العزل، ما يشجع الصهاينة انتخاب أعتى الفاشيين في الكنيست وعودة تحالف نتنياهو ليشكل أكثر حكومة متطرفة. ولم نسمع تنديداً ورفضاً أوروبيا وأمريكيا ضد حكومة المتطرفين!
علينا التصدي وفضح نفاق وعنصرية مواقف الغرب تجاه قضايانا العربية-والإسلامية، بينما يتجاهلون ممارسات وسلوك الدول الغربية المشابهة لما ينتقدوننا على ممارسته!
لم يعد مقبولاً كيل الغرب بمكيالين تجاه قضايانا وإلقاء محاضرات علينا بما كانوا يمارسونه لقرون دون اعتذار. كما علينا التذكير بماضيهم الاستعماري الدموي!
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة من عدم الاستقرار، إذ أنهكت شعوبه الحروب والاحتلالات والانقلابات والاضطرابات... اقرأ المزيد
99
| 09 فبراير 2026
التعليم غير النظامي.. أداة ناعمة لصناعة النفوذ
لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد أو امتلاك الموارد الطبيعية، العالم... اقرأ المزيد
129
| 09 فبراير 2026
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً بـ «التليفون»، مجرد وسيلة اتصال صِرفة كما كان في عهد... اقرأ المزيد
165
| 09 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
2085
| 08 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
969
| 04 فبراير 2026