رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهت الانتخابات التركية الحاسمة، بإحراز حزب العدالة والتنمية فوزًا كاسحًا بلا منازع، حيث صوَّت واحد من كل شخصين في تركيا لصالح العدالة والتنمية، الذي حصد نحو 50 ٪ من الأصوات. كما أحرز العدالة والتنمية تقدمًا ملحوظًا مقارنة بانتخابات يونيو الأخيرة، فيما تراجعت جميع الأحزاب الأخرى.
وتمخَّضت عن الانتخابات النتائج التالية:
حزب العدالة والتنمية: 49.47 % من الأصوات و317 مقعدًا برلمانيًا.
حزب الشعب الجمهوري: 25.30 % من الأصوات و134 مقعدًا برلمانيًا.
حزب الحركة القومية: 11.90 % من الأصوات و40 مقعدًا برلمانيًا.
حزب الشعوب الديمقراطي: 10.75 من الأصوات و59 مقعدًا برلمانيًا.
لقد حطمت نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات البرلمانية، رقمًا قياسيًا جديدًا في تاريخ الانتخابات التركية، حيث هرع الناخبون الأتراك إلى صناديق الاقتراع منذ الصباح الباكر، وبلغت نسبة 85 %.
تمكن حزب العدالة والتنمية من استرداد وزيادة الأصوات الانتخابية التي خسرها في انتخابات 7 يونيو الماضي، وهو ما أدى إلى تغيُّر التوازنات السياسية في تركيا بشكل قوي ومفاجئ.
ومع بدء الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات، بدأت البلاد تتنفس الصعداء، بالتزامن مع تبدد أجواء الكآبة التي خيمت على المواطنين بسبب العمليات الإرهابية والفوضى، التي خيمت خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، وارتفعت معنويات المواطنين الذين ضاقوا ذرعًا من حالة الانسداد السياسي التي وصلت إليها البلاد.
وجه رئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو» خلال جميع الكلمات التي ألقاها ليلة الانتخابات، رسائل تحض على إعلاء قيم التواضع والحس السليم، محتضنًا ومطمئنًا جميع شرائح الناخبين التي لم تصوت لحزبه، ما أدى إلى بعث أجواء من الراحة في الشارع التركي. وفي الوقت نفسه، تمكن داود أوغلو خلال هذه الانتخابات من الحصول على أعلى عدد من الأصوات الانتخابية بعد «رجب طيب أردوغان» (رئيس الجمهورية التركية حاليًا)، ما يعني أنه سيظهر من الآن فصاعدًا كسياسي تلقى دعمًا قويًا من الناخب التركي، وهو ما يشكل عاملًا مهمًا في المعادلة السياسية التركية.
الأصوات الأكثر أهمية في الانتخابات والرسائل التي حملتها
لقد كان للأصوات الانتخابية التي لعبت دورًا مفصليًا خلال انتخابات يونيو الماضي، دور مهم في هذه الانتخابات أيضًا، حيث لعب المواطنون الأتراك والأكراد الذين يولون أهمية لهويتهم الإثنية، دورًا مهمًا في تحديد مصيرها، حيث تمكن العدالة والتنمية، من استعادة الأصوات الانتخابية التي خسرها لصالح «الحركة القومية» و»الشعوب الديمقراطي»، حيث لعبت تلك الأصوات دورًا هامًا في فوزه.
لقد حملت نتائج الانتخابات هذه أيضًا، رسائل مهمة للأطراف بالساحة لإشعال حرب أهلية، ونشر الفوضى والإرهاب في تركيا. حيث عبر المواطنون الأتراك والأكراد عن مدى تعاضدهم من خلال اتحادهم تحت سقف العدالة والتنمية، فكانت هذه النقطة من أهم النتائج التي أفرزتها هذه الانتخابات.لقد أظهر المواطنون الأكراد من خلال تصويتهم لصالح العدالة والتنمية، ردة فعل قوية ضد منظمة «بي كا كا» الإرهابية وامتدادها السياسي في البلاد المتمثل بحزب «الشعوب الديمقراطي»، في الوقت الذي عاقب فيه الشعب التركي الحزبين القوميين (الحركة القومية التركية والشعوب الديمقراطي) اللذين يتغذيان على العنف، ويستغلان الأعمال الإرهابية التي تطال القرى والمدن وحتى العاصمة التركية، وأحجم عن التصويت لهما.
رسالة وطنية مناهضة للغرب
شنت جميع وسائل الإعلام الغربية تقريبًا، خلال فترة العملية الانتخابية، حملة شعواء ضد حزب العدالة والتنمية ورئيس الجمهورية «رجب طيب أردوغان»، ودعت بكل صراحة وجرأة، إلى عدم التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية، إلا أن المواطنين الأتراك عبروا عن إرادتهم بكل وضوح، ووقفوا في وجه الضغوط والهجمات الإرهابية التي أتت من خارج الحدود، حيث أدرك المواطنون حجم المخاطر الخارجية التي تتهدد أمن وسلامة البلاد والمنطقة، والتفوا حول رئيس الجمهورية وحزب العدالة والتنمية.
لذا نستطيع القول: إن نتائج الانتخابات التركية ستؤثر بشكل مباشر أيضًا على السياسات العامة الخاصة بالشرق الأوسط، حيث ستعزز تلك النتائج مرة أخرى، أطروحة أردوغان – داود أوغلو الخاصة بسياسات تركيا الخارجية حيال كل من سوريا وفلسطين ومصر على وجه الخصوص.
وسنعمل في مقالتنا الأسبوع المقبل على تقييم ذلك بشكل مفصل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2427
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2004
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026