رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شكَّ أن التعليم يلعبُ دوراً مُهماً في نهضة الأُمم ورُقيِّها، وهو عمادُ التنمية والسلوك الحضاري للشعوب، وما تَخلُّفُ الشعوب، وتسلّط الديكتاتوريين عليها، إلا نتيجة الأميّة، ليست الأميّة الأبجدية فحسب، بل الأميّة الثقافية، وضيقِ أفقِ الشعوب عن فهم واستيعاب مُخرجات العصر والتواؤم معها، مع عدم إغفال الحقوق الأساسية لتلك الشعوب، وهي الديموقراطية وإفرازاتها، ولقد نهضت الدولُ الأوروبية، على أيدي المُفكرين والعلماء والأدباء والفنانين، بعد أن تدمّرت المدنُ بفعل الحرب العالمية الأولى والثانية، وسقط مئات الآلاف، نتيجةَ سيادةِ السلاح، لا العقل، على مقاليد الأمور.
والمفهوم المجتمعي للتعليم في منطقتنا يقوم - في الأغلب - على قاعدةٍ بائنة، وهي الحصول على الشهادة، حتى وإن كان الطالب غيرَ قادر على فكِّ أسئلة العصر. لذا، نجدُ خريجينَ من الجامعة، لا يستطيعون مواجهة أسئلة الحياة الصعبة، أو حتى كتابة مُذكِّرة من عشرين سطراً، ناهيك عن تواضع معلوماتهم العامة.
ورغم وجود استثناءات محدودة، فإن غالبية الطلبة يدخلون الجامعة أو الكلية، من أجل الشهادة، التي تؤهلهم للوظيفة، أو الترقية، وليس للتعلُّم. وهذا مفهوم خاطئ، لابُدِّ وأن يُصحّح فوراً.
فخلال سنيّ التدريس في الجامعة منذ عام 1983، وحتى اليوم في كلية المجتمع، لاحظتُ إصراراً من العديد من الطلبة، على أن أقوم بتلخيص الكتاب المُقرر، بل وهنالك مطالبات من بعض الطلبة والطالبات، بإلغاء بعض الدروس، مع غياب النقاش داخل الفصل. لذا، نجد الخريّج – في الأغلب – محدودَ الثقافة، غيرَ مُدركٍ لأبعاد ومفاهيم المجتمع والتحدّيات التي يواجهها، فيعيش مُنعزلاً عن هموم مجتمعه، وتتضخّم لديه (الأنا) غير المُنتِجة، ويدخل في مسؤوليات ما بعد الزواج، من سنٍّ مُبكرة، ولا يستطيع الفكاكَ من الاعتماد على والديه، بدءاً من السكن، والطعام، والمساعِدات في المنزل، إلى توصيل أبنائه إلى المدرسة.. إلى تحمّل ديونه! ونظراً لمحدودية استخدام بعض الطلاب لعقولهم بطريقة صحيحة، يحدثُ الطلاق، حيث تقول الأرقام إن حالات الطلاق وصلت إلى ما نسبته 38% من مُجمل الزيجات، ويحدث هذا خلال السنوات الأربع من الزواج.
كانت الوالدة، رحمها الله، تقول لي: " ادرس حتى تصير كَيْتَب"! أي تعلَّم حتى تُصبح كاتباً، أي موظفاً في الدولة. وهذا المفهوم ينطبقُ اليوم على معظم طلابنا، أي أن هدف التعليم الأسمى، لدى هؤلاء الطلبة، هو الحصول على وظيفة، وإن كان الطالب غيرَ مؤهلٍ لتلك الوظيفة، التي قد يصلها عبر واسطة معينة! أخبرني أحد السفراء الناجحين ذات يوم، قبل أكثر من 15 عاماً، أنه يُضطَر إلى كتابة المُذكرات لأنَّ الدبلوماسي الذي معه لا يُجيد كتابة المُذكرات!. فما بالكم لو عمل هذا الطالب في مؤسسة خدمية، تتعلق مباشرة بالجمهور، ناهيك عن قضية الإحساس بقيمة الوقت، والتمسك بقيم الوظيفة ومهامِها، وحُسن التعامل مع المُراجعين، مع عدم استخدام اللغة السليمة للاتصال مع الآخر.
لذا، نؤكد مراراً على طلبتنا وطالباتنا، أهمية استخدام (لغة الجسد) في التعامل مع الآخرين، فالابتسامة لا تُكلّف شيئاً، بل إنها أقلُّ استخداماً لعضلاتِ الوجه، من العبوس والتجهُّم.
نقطة أخرى واجهناها في التدريس، وتتلخص في حالة الغموض والصمت، وعدم التعبير عما يدور في خلد الطالب أو الطالبة، لذا، نجد العديدَ منهم ومنهُنَّ، لا يُشارك في الحوار داخل الفصل، ويكون، إما سارحاً خارج الفصل، أو مُلتصقاً بالهاتف، الذي يُحظرُ استخدامهُ في الفصل، كما تقول اللوائح الأكاديمية.
نقطة أخرى تتعلق بالإهمال الواضح في الاستعداد للامتحانات، والتكليفات خارج الفصل. فنجد الطالب يتأخر في تقديم المطلوب منه، في وقته، ويتعذّر بأعذارٍ واهية، وهذا يُربك عملَ المُدرس، ويجعله يتأخر في رَفع الدرجات، في موعدها على (البلاك بورد)، وبالتالي يتم لفت نظره من قِبل رئيس القسم. وإذا حدث ونبّهَ المُدرسُ الطالبَ أو الطالبة، يجدُ، في بعض الأحيان، ردوداً شائنة، لا تليق بمقام المُدرس، ما يُخالف الأعراف الأكاديمية. وللأسف، هناك مَن يتعامل مع المُدرس تعامله مع السائق، أو المُساعِدة في المنزل أو العزبة! على الرغم من أن التكليفات، والنزاهة، والتعامل مع المُدرس، والحضور، والامتحانات، تُوضَّحُ للطالب منذ اليوم الأول للفصل الدراسي، ويطلب المُدرس من الطلبة قراءة (توصيف المقرر)، كي يعرف الطالب ما له وما عليه.
إن عدم الاستقرار العاطفي والعقلي لدى الطالب أو الطالبة، يجعلهما، في حالات كثيرة، يرفعان صوتَهما على المُدرس، ما يُمكن أن يُضيّع وقتَ الفصل، وتقديم الطالب أو الطالبة للمساءلة الأكاديمية، ذلك أن البعض (دَمُهُم حارّ)، ولا يتقبلون أي توجيه أو مُلاحظة من المُدرس، بل يتصور هذا البعض أن المُدرس عدّو لهم، وهذا فهمٌ خاطئ لمهنة التدريس السامية، ودور المُدرس في جعل الطالب يستوعب المادة، ما يُساهم في تنميةِ شخصيته، وارتفاعِ مستواه التحصيلي والثقافي، عن ذاك المُرتبط بالمرحلة الثانوية.
وبعض الطلبة لا يقرأ (توصيفَ المقرر)، ولا يستوعبُ متطلبات المقرر، وليست لديه قُدراتُ واستعداداتُ لعمل التكليفات، كونه لا يدرس، ويُفضّل التسَكُّع في المقاهي أو التجوال في المولات، وعندما يأتي وقت تقديم الأوراق أو العروض التقديمية لا يفي بها، وقد يلجأ إلى بعض الأساليب " المُحّرمة" أكاديمياً.
إن سعةَ الاطلاع، وتنميةَ قُدرات القراءة من الأمور المُهمّة في جعل الطالب مُنتجاً وإيجابياً في الفصل، كما أن الحفظ، دون الفهم، لا يخلق إنساناً مُتعلماً، لأنه سوف ينسى ما حفظهُ بعد أسبوعين من تقديم الامتحان!!
لذا، فنحن نُنظمُ زياراتٍ ميدانية لبعض المؤسسات الإعلامية، في مقرر المدخل للاتصال الجماهيري، كي يطّلع الطالبُ، على الطبيعة، على التطبيق العملي، لما درَسَهُ في الفصل نظرياً. ونلاحظ أن بعض الطلبة لا يقدّمون تقاريرَهم، عن تلك الزيارات، بأسلوب رصين وصحيح، ويعتمدُ، بعضهم، على آخرين، في كتابة تلك التقارير، وهذا لا يرفعُ درجات الطالب، ولا يساهمُ في تنمية قدراته في الكتابة، ونلاحظ أن بعض الطلبة، لا يقبل الأسئلةَ التي تتطلب أجوبةً مقالية في الامتحانات، ويطلب أن تكون الأسئلة، (صح أو خطأ)، وهذا لا يُطوّر القُدرات الكتابية لدى الطالب، ويجعله أكثر اعتماداً على الآخرين، بل ولا يجعل الطالب يستخدم عقلهُ، في الكتابة الصحيحة، ولا يوسّع مُدركات الخيال والاستحضار لديه.
وبعض الطلبة لا يحضر النشاطات التي تُقيمها الكليةُ أو الجامعة، وينشغلُ بأمورٍ خارج حرمِ الدراسة، وهذا يُضيّع عليه فُرصَ الاستفادةِ من تلك النشاطات، والحوارات التي تجري فيها، مع أساتذة زائرين، غير هؤلاء الذين يُدّرسونه، والاطلاع على الأفكار الجديدة.
هنالك مفاهيمُ مجتمعية، حول الدراسة الجامعية وظروفها، ولابد أن تتعدَّل تلك المفاهيم لدى الطلبة وأولياء الأمور! يتساءل البعض: لماذا لا يخرج لدينا علماءُ ومخترعون ؟ أو أدباء لامعون؟ أو مهنيون يساهمون في التخصصات الدقيقة؟ ذلك أن بعض الطلبة يأتون إلى الجامعة أو الكلية، طمعاً في الشهادة – كما تقدَّم – وليس بهدف التعلُّم، ولابدَّ من تصحيح هذا المسار، وإقناعِ الطالب أن الهدفَ الرئيسي للدراسة هو: تأهيل الطالب لمواجهة الحياة، وفكِّ أسئلتها الصعبة.
الامتياز التجاري (الفرانشايز)
لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد الفروع التي تمتلكها الشركات، بل بعدد الشركاء الذين يستطيعون توسيع... اقرأ المزيد
270
| 02 يوليو 2026
كرة القدم.. تقودنا إلى اكتشاف العالم
لطالما كانت كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لكنها بالنسبة لي ليست مجرد أهداف وكؤوس ومنافسات رياضية،... اقرأ المزيد
267
| 02 يوليو 2026
ماذا خسرت دول الخليج ؟
يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ( لا نريد أن نكون شرطي المنطقة، وعلى دول الخليج أن تتحمل مسئولية... اقرأ المزيد
108
| 02 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4761
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4518
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3207
| 01 يوليو 2026