رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استطراد الحديث عن توازن القوى ليس حديثا عن تفاعل كيميائي محدد المعالم بمعادلات تربط بين المواد الداخلة فيه ووسط التفاعل، ولا هو حل لمسألة رياضية تقيم توازنا بين عوامل تؤثر فيها، وليس تفسيرا لحركة تيار كهربي تحكمه نظريات ومعادلات محدده في أي مكان وزمان، إلا إن خرجنا بكل هذا من حالة الجاذبية الأرضية، وانعدم تأثيرها، فقد تتغير القواعد الحاكمة ويجب اعتبارها، حتى أن العلم عندما وصل إلى النانو تكنولوجي ربط بينها وبين رحلات المسافات الفضائية كرحلة المريخ وما تتطلبه من سنوات ذهابا وعودة، واعتبروا أن الاستخدام الطبي العلاجي للنانو في زرع العلاجات داخل الجسم البشري هو مقدمة ضرورية لإتمام تلك الرحلات.
لكن الحديث عن التوازن داخل المجتمع هو علم بذاته، ينطلق من طبيعة المجتمع ومكوناته، وثقافته، وموقعه الجغرافي، ومصالحه، وعلاقاته الخارجية في إقليمه أو في العالم بأسره، وطبيعة المخاطر التي تحيط بهذا المجتمع، ونطاق تأثيره، ومجاله الحيوي، ونطاق نفوذه، وإمكاناته، ليس في واقع اللحظة ولا التاريخ وحدهما، ولكن في المستقبل الذي يريد هذا المجتمع صناعته. وهذا كله يفرض القراءة الجادة بعيدا عن الانفعال أو الاختباء خلف أحكام مسبقة، أو تجاهل وقائع فوق الأرض وتفسيرها بالهوى على غير حقيقتها، وفضلا عن ذلك كله هو تعامل مع حركة حية الأساس فيها هو الإنسان المكون الأساسي للمجتمع.
الحديث عن توازن القوى في مصر هو حركة فوق رماد ترسب من سحابة رماد بركاني أطلقها انفجار بركان يناير 2011 الذي لم يطلق حممه المنصهرة بعد ليعيد تشكيل تضاريس المجتمع الجديد الذي يريد.
تراكَم الرماد فوق الأرض ودفن كل المظاهر الإيجابية التي تجلت خلال الأيام الثمانية عشر الأولى وما تلاها، ولكن خروج سحابة الرماد لم يحل دون استمرار غليان الحمم التي تبحث عن اكتمال طاقتها لتخرج فوق الأرض وتعيد تشكيل تضاريسها الاجتماعية والسياسية، كما أنها لم تنه النظام السابق الذي استهدفت الثورة إسقاطه تحقيقا للثورة وتمكينا للأسس العلمية لتغيير المجتمع.
ورغم زلزال حركة الشعب ووضوح أهدافه ضد الفساد ومن أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وتجاوزه للنظام بمكوناته من سلطة ومعارضة وتنظيمات أو جماعات تعايشت مع هذا النظام، إلا أن هذا لم يحل دون التكالب الداخلي والخارجي على ثورة الشعب المصري، لتفريغها من مضمونها والحيلولة دون تحقيق أهدافها ولإجهاض الإرادة الشعبية ونزع أي إمكانية لاستمرار الثورة وبكافة الوسائل حتى القتل إن لزم الأمر، وهو أمر لم تنته المحاسبة للمسؤولين عنه والمتسترين عليه.
المكاشفة تتطلب صدقا مع النفس وعدم جلد الذات، فالحديث عن أمة ووطن ومستقبل شعب، لا يحتمل غير الجدية والصدق والتركيز وعدم الانسياق إلى دروب فرعية.
توقفت حركة الشعب عندما كان واجبا أن تستمر لتستولي على مقدرات السلطة لتتمكن من تحقيق أهداف الثورة، وإن بدا زمن التوقف قياسا على حياة الشعوب متناهيا في الصغر، غير أن هذا الزمن كان كافيا لتفقد حركة الشعب المبادأة ولتتحول من بعد ذلك إلى حركة مقاومة لكافة محاولات إجهاض الثورة والاستيلاء عليها. والتحول إلى حالة المقاومة أدى إلى فقدان الحركة للقدرة على تطوير أدائها لمهام تستوجبها أهداف الثورة، وساعد غياب عصب تنظيمي للثورة وقيادة موحدة لها، إلى تزايد الانجراف إلى معارك فرعية كانت تخدم الخطط المضادة لإلهاء الثورة وعناصرها عن غاياتها، وصارت تلك الحركة العفوية وكردود فعل هي رقص على طبول يدقها التحالف المضاد للثورة وتخدم أهدافه في الاستيلاء على الثورة والسلطة معا.
تمثل الخطر الأول في الانسياق إلى الاستفتاء ومن ثم التسليم بلعبة صناديق التصويت وخيار الانتخابات قبل الدستور، وحركة الشعب دون التماسك في رؤية متكاملة، ولم تملك تنظيما يجمع قواها الحية في حركة سياسية منظمة، فانتقلت مصر تحت دعاوى الممارسة الديمقراطية إلى سيطرة على السلطة بعيدة عن إرادة الثورة وتوجهاتها، وأكدت هذه السيطرة أن النظام السابق لم تجر إزالته وتطهير الوطن من توابعه، ولكن جرى توريث النظام لتحالف المجلس العسكري والتيارات الدينية، ليعود ذات النظام بذات السياسات والولاءات والتوجهات ولكن في ثوب جديد بصياغة يمكن الجزم الآن أنها كانت صياغة أمريكية بامتياز، تؤمن لها مصالحها ورؤيتها في المنطقة والالتزام بأمن إسرائيل والاصطفاف الطائفي وفق القواعد التي سنتها اللجنة الرباعية في زمن بوش الابن في أعقاب حرب لبنان عام 2006 والتي كان أعضاؤها ديك تشيني نائب الرئيس في ذلك الوقت وابرامز مسؤول الأمن القومي وزلماي خليل زادة وبندر بن سلطان.
من الصدق بمكان القول إننا نحاول الإسهام، ولا نملك الحقيقة كاملة، وستبقى محاولات الإسهام مجرد ملاحظات علها تكون إضافة حتى لا نكرر مأساة ما يجري من بعض الأطراف عندما يرون أنهم الحل، ليصبحوا بذلك جزءا من المشكلة.
ضرورة المكاشفة تتطلب رؤية لأهداف الثورة وما تعنيه في الضمير الشعبي العام، ودلالات إرادة تحقيق التغيير بالمجتمع، وتتطلب تحليلا سياسيا للواقع الحالي ومدى قدرة الكيانات السياسية القائمة أو التي يجري تأسيسها على التعبير عن عمق المجتمع المصري وليس تلك القشرة السطحية التي طفت في أعقاب الثورة والتي تملك شاشات الإعلام والصحافة والوجود بالضجيج السياسي دون طحن، على حساب المجتمع الذي يئن تحت وطأة الفقر والجهل والمرض والغلاء والبطالة، ثم هي تتطلب بعد ذلك الإجابة على سؤال كيفية امتلاك القدرة على الفعل وتحديد القوى صاحبة المصلحة في الفعل، وكيفية استثمار معامل الزمن لصالح الثورة.
ليس من الإنصاف القول بأن التيارات الدينية التي خرجت إلى السطح بعد الثورة أسوأ ما في المجتمع، ولكن انحراف أدائها وأهدافها وأساليبها، عن حاجات المجتمع وأهدافه جعلها أكثر تهديدا لتقدمه وللتغيير، من قوى الفساد وبقايا النظام السابق، ولن يكون من العدل عند تقييم المواقف إسقاط تحالفها مع المجلس العسكري ضد الثورة وعلى حساب التغيير، حتى إن التهديد شمل سيناء، والحديث عن أن الجماعات الدينية التي تحمل السلاح في سيناء، قوة مقاومة للعدو الصهيوني يقابلها في الوقت ذاته احتمال أن تلك التنظيمات التي تتستر بالدين يجري توجيه أهدافها وأدائها بواسطة المخابرات الإسرائيلية ولأهداف تتجاوز تحقيق ادعاء الإمارة الإسلامية إلى القضاء النهائي على القضية الفلسطينية بعد تقسيم جسدها بين سلطة وحكومة مقالة، بينما إسرائيل تنجز جملة أهدافها فوق الأرض.
وإذا كنا قد رصدنا من قبل محاولات تقويض الدولة المصرية من قبل جماعة الإخوان، غير أن خطرا أكبر على محاولة بناء أسس النظام الجديد هو سطو الإخوان والتيارات الدينية على الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وصم الآذان عن كل النداءات الموضوعية بإعادة تشكيل الجمعية بما يتيح التوافق الوطني اللازم لإعداد الدستور، وهو وحده السبيل لذلك، واستمرار المضي في هذا الطريق سوف يفجر الاستفتاء على الدستور ويجعل منه سبيلا للاقتتال بديلا عن كونه تعبيرا عن إرادة الأمة مجتمعة وتوافقها على العيش معا وفق عقد اجتماعي صحيح ويمثل إرادتها.
تمثل طبائع الأشخاص مصدرا آخر للخطر، ولعل قليلا من التركيز في دراسة المشهد، ترصد عناصر ترى ذاتها "الرئيس القادم"، ولم يعلنوا لأنصارهم الذين تجرفهم العواطف، هل يعني قولهم هذا إنهم قادمون إلى رأس السلطة فوق أنقاض الثورة وجثث الشهداء؟
إن ترك الفرصة لإعادة تشكيل الواقع بعيدا عن إرادة الشعب يعني أن مجرد تبادل السلطة هو في حقيقته تزييف لإرادة الشعب وخيانة له.
إن الصمت عن السطو على الجمعية التأسيسية والحديث عن الانتخابات القادمة، هو انحراف بالوعي الوطني، عن واجبه تجاه الدستور الجديد. إن معركة الدستور هي معركة الثورة الأساسية في هذه اللحظة، وتلك المظاهرات التي حاصرت مجلس الوزراء من قبل لمنع الجنزوري من دخول مبنى المجلس وحصار ماسبيرو ومبنى وزارة الداخلية، والتي فقد الشعب شبابا من خيرة أبنائه شهداء ومصابين وفي السجون، يصبح اليوم أقل قيمة من ضرورة النضال الشعبي من أجل جمعية تأسيسية حرة تمثل كل أطياف المجتمع لوضع الدستور القادم.
كافة الاجتهادات من أجل تأسيس كيانات حزبية أو كتل من الأحزاب هي احتياج للمجتمع، ولكنها في جملتها عمل على المدى المتوسط وليس لمواجهة الواقع الحالي الذي يتطلب حشدا لكل القوى من أجل قضية الدستور الوطني.
إن هذه الكيانات مطالبة أن تجد سبيلا للحوار المشترك لرؤية جامعة حول الفترة الانتقالية ووضع الدستور ومعايير التنمية والعدالة الاجتماعية، وإلا فإنها تكرر خطأ افتقاد الرؤية الذي تعاني منه حركة الثورة وتكرر خطأ التشرذم إلى شظايا سياسية.
كما أنها مطالبة بمد جذورها إلى القوى الاجتماعية في المجتمع، خاصة أن هذه القوى تعاني من عدم وجود تنظيمات نقابية كاملة تعبر عنها، والأمر يتجاوز العمال إلى المهنيين، كما أن الفلاحين يفتقدون أي تشكيلات تعبر عنهم وتجمع كلمتهم، هذا فضلا على أن الصراع يقسم كتلة القضاة في المجتمع والتي كانت قبل الثورة كتلة وازنة.
ولعله من اللافت للانتباه أمنيا ليس مجرد عودة نشاطات أمن الدولة السابقة والتي بدأت على استحياء منذ أشهر، غير أنها اليوم تأخذ منحى جديا، خاصة إذا أضفنا إليها المخابرات الحربية والأمن القومي، ويجري اليوم الحديث عن عودة الحرس الجامعي والذي جرى إلغاؤه بحكم قضائي من قبل، خاصة وأن الطلاب كتلة التعبير الرئيسية دائما داخل نضال الحركة الوطنية في التاريخ المصري، وكان تحالف العمال والطلبة هو كتلة المواجهة لأي نظام على مدى التاريخ المصري.
ورغم كل المخاطر التي تحيق بالثورة، فإن بارقة أمل تطل من استيعاب لحاجات المجتمع وضرورات البناء، ومع تنوع الفصائل اجتماعيا وإدراكها بضرورة توافر الرؤية والتنظيم، تطرح معها أهمية الجمع بين العمل السياسي والتنمية المجتمعية مما يزيد العبء على الجهد والوقت ونوعية الكادر وضرورات تأهيله، ويفتح الباب أمام مواجهة صحيحة لظاهرة التمويل الخارجي وتأثيرها على الحياة السياسية.
ورغم صحة هذه الرؤية في المزج بين العمل السياسي والاجتماعي، إلا أن هذا الخيار يفرض ضرورة اليقظة حتى لا يتبدد الجهد بين الاتجاهين خاصة وأن كليهما يبدأ من نقطة الصفر، وقد يؤدي الأمل والتصورات الطموحة للعمل الاجتماعي إلى وهم بأنه بديل للدولة ودورها، وليس أداء يدعم الاتصال السياسي بالجماهير.
إن اتجاه المجهود الرئيسي هو امتلاك الثورة القدرة على وضع دستور النظام القادم، وليس جماعة بعينها أو تيارا دون باقي أطياف المجتمع، ولعل البحث عن سبيل للحوار داخل المجتمع مع الوعي بكل دروس الفترة الماضية منذ 25 يناير 2011 هو السبيل الأمثل لطريق تحقيق أهداف الشعب بأقل خسائر ممكنة، والبديل سيكون سبيلا لأن تكسب حمم بركان الشعب طاقة انفجار لن يحول دونها متاريس الأمن أو وهم اختراق الدولة والتمكن من عناصر القوة فيها.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
889
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12090
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
7602
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2838
| 22 أكتوبر 2026