رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد الهوية الإنسانية -في خضم الثورة الرقمية الجارفة- تمثل كتلة صلبة متجانسة، بل تحولت إلى كيان سائل متحول، يتشكل ويتبدل عبر تفاعلات لا تنقطع مع فضاءات رقمية متداخلة. لم يعد توسع المنصات الرقمية ينتج مجرد تمثيلات افتراضية للذات، بل أنشأ واقعاً موازياً تتوزع فيه الهوية إلى أشباح متعددة، تتنقل بين الواقع المادي والعالم الرقمي في حالة من التشظي والتجزؤ المستمر. هذا التكاثر الهوياتي، بعيداً عن كونه تعبيراً عن ثراء داخلي، يثير إشكاليات عميقة حول وحدة الوعي وتماسك الشخصية، في عصر أصبحت فيه الخوارزميات هي المتحكم الأول بجدول ظهورنا واختفائنا، وبالتالي بوجودنا الرمزي.
تاريخيًا، كانت الهوية تُبنى من الداخل، بالتأمل، والتجربة، والتراكم الشخصي. أما في السياق الرقمي، فقد أصبحت الذات تُنتَج من الخارج، وفق منطق الصورة، والتفاعل، وعدد المتابعين. لم يعد الإنسان يعرف نفسه بوصفه كينونةً متفردة، بل بوصفه واجهة مرئية تُراقب وتُقيَّم. في هذا السياق، تنزاح مقولة ديكارت “أنا أفكر، إذن أنا موجود” لتحلّ محلّها سرديات جديدة: “أنا أظهر”، “أنا أُشاهَد”، «أنا أتفاعل».
أبحاث متعددة تشير إلى أن عملية بناء الهوية الرقمية لا تُترك للفرد بصورة حرة، بل تُوجّه عبر بنى رقمية وخوارزميات تحدّد معايير النجاح والظهور. فالفرد يعيد تشكيل صورته بما يتلاءم مع شروط المنصة: جاذبية بصرية، قابلية للاختزال، كثافة في التفاعل. وبهذا المعنى، تصبح الهوية مشروعًا تسويقيًا يتطلب صيانة مستمرة، وإنتاجًا دائمًا للرمزية، خوفًا من السقوط في هوامش النسيان الرقمي أو التعليق أو الحذف.
لا يمكن اليوم الحديث عن «ذات واحدة» في الفضاء السيبراني؛ بل نعيش حالة من الذات الموزعة، حيث يمتلك الفرد تمثيلات متباينة في كل منصة: شخصية مرئية على إنستغرام، أُخرى تفاعلية في بيئة الألعاب، نسخة مهنية على لينكد إن، وأخرى مختصرة في تيك توك. كل تمثيل من هذه النسخ يخضع لخطاب خاص، وجمهور مختلف، وقواعد أداء مستقلة.
هذا التعدد، وإن بدا أحيانًا شكلًا من الحرية التعبيرية، إلا أنه قد يفضي إلى تشوش هويّاتي واضطراب نفسي، لا سيما في المراحل العمرية الحساسة مثل المراهقة. وقد أظهرت الباحثة شيري توركل ببحث لها أن المراهقين في البيئات الرقمية الكثيفة يعانون من صعوبة في التمييز بين «الذات الأصيلة» و»الذات المؤداة»، مما يؤدي إلى اضطرابات في تقدير الذات، وشعور متزايد بالاغتراب.
وثمة دراسة حديثة أظهرت أن تعدّد الحسابات النشطة يرتبط بارتفاع معدلات القلق الاجتماعي، وزيادة التشتت الذهني، وضغط نفسي غير مرئي لإرضاء جماهير متعددة ومتقلبة، مما ينتج تمزقًا هوياتيًا يصعب على الفرد احتواؤه.
السمة الأبرز للذات الرقمية في جيل Z وجيل ألفا ليست فقط في تعددها، بل في سطحيتها التمثيلية. فالذات لم تعد تتشكل من الداخل، بل صارت مُصمَّمة للخارج؛ تُبنى من خلال الصورة المُفلترة، والتعليق القصير، والمقطع السريع. هذا النمط من البناء الهوياتي ينتج ذاتًا “حاضرة دائمًا” في الفضاء الرقمي، لكنها حضور مشروط بمدى التفاعل، لا بعمق التجربة أو اتساق المعنى.
إننا أمام لحظة مفصلية لا يُعاد فيها تشكيل الأدوات فحسب، بل إعادة صياغة الإنسان ذاته. الهوية لم تعد تُبنى داخل الأسرة والمدرسة والحيّ فقط، بل في التطبيقات والمنصات وتحت أعين جماهير افتراضية لا تنام. والمراهق اليوم لا يواجه فقط قلق “من أكون؟” بل قلق “أي نسخة منّي يجب أن أكون اليوم؟”. فجيل Z وجيل ألفا ليسا فقط امتدادًا زمنيًا للأجيال السابقة، بل يمثلان قطيعة بنيوية في بنية الذات والوعي والعلاقة مع الآخر. فجيل Z عاش الانتقال من الواقعي إلى الرقمي، بينما وُلد جيل ألفا داخل الشاشات وتفاعل أولًا مع الخوارزميات. وكلا الجيلين يعيشان تجربة إنسانية جديدة تُعيد تعريف الإدراك، والانفعال، والانتماء.
إنّ التحدي الأكبر في عصرنا ليس تطوير التقنيات أو تحسين الأدوات، بل هو تحدٍ وجودي وأخلاقي عميق: كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم يختزل القيمة في الإنجاز والكفاءة؟ كيف نعيد بناء الذوات في زمن أصبحت فيه الهوية تُقاس بعدد المتابعين وحجم التفاعلات الرقمية؟ الأسئلة الحقيقية التي تواجهنا اليوم ليست تقنية، بل هي أسئلة عن المعنى والغاية: كيف نربّي أبناءً قادرين على أن يكونوا أنفسهم بصدق، لا مجرد حسابات نشطة تلهث وراء الرضا الآني؟ كيف نعلّمهم فنّ التأمل في عالم يرفض التوقف، وقيمة البطء في ثقافة تُقدّس السرعة، وأهمية العمق في زمن السطحية؟
المعضلة الحقيقية تكمن في أننا نواجه نظامًا يعيد تشكيل الوعي البشري وفق قواعد الأداء والاستهلاك. فلم يعد التعليم مجرد نقل للمعرفة، بل أصبح تدريبًا على المنافسة في سوق لا يعترف إلا بالأرقام. ولم تعد العلاقات الإنسانية تعكس العمق العاطفي، بل تحوّلت إلى سلسلة من التفاعلات المؤقتة. أمام هذا الواقع، يصبح السؤال الأخلاقي ملحًّا: كيف نصنع مساحات مقاومة لهذا التيار؟ كيف نخلق بيئات تسمح للأبناء بالنمو دون أن يفقدوا أنفسهم في زحام التوقعات؟ الجواب لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في توظيفها لخدمة إنسانية أكثر اتساعًا، حيث يكون للوجود معنى يتجاوز الأداء، وللحياة قيمة لا تُقاس بعدد الإشعارات.
هذا ورغم هذا التحدي الجذري، فإن مستقبل الإنسان الرقمي لا يُحسم بالخوارزميات، بل بـ الوعي النقدي. فالتحول الرقمي ليس قدرًا، بل مجال للتفكير، والمساءلة، وإعادة التمركز. ما نحتاجه اليوم ليس فقط تنظيم «وقت الشاشة» بل إعادة تصوّر علاقتنا بالوجود في زمن تذوب فيه الذات الأصيلة داخل صور متعددة.
كبسولة لتقوية الإرادة
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار... اقرأ المزيد
45
| 01 مارس 2026
استفزازات الحكومات العراقية للكويت تحيي الهواجس وتهدم الثقة
كان صادما ومحبطا عشية الذكرى الخامسة والثلاثين لتحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي أن تقوم الحكومة العراقية بتقديم... اقرأ المزيد
51
| 01 مارس 2026
آمنون مستأمنون بإذن الله
قبل أي شيء وقبل الدخول في الحديث عن أي شيء دعوني أولا أن أدعو وأقول: اللهم اجعل بلادنا... اقرأ المزيد
42
| 01 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
13053
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2514
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2061
| 25 فبراير 2026