رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما عادت سيناء أرض الفيروز ومستودع المعادن، لأنها غدت أرض الألغاز والأحزان. على الأقل فإنها بدت هكذا في نشرات أخبار الأسبوع الماضي التي كان الإرهاب في سيناء أبرز عناوينها. ولم يكن ذلك مفاجئا تماما لأن أحداثها الدامية ما برحت تطل علينا بين الحين والآخر طوال العام الأخير. ومنذ خضبت دماء الجنود المصريين أرضها أثناء الحروب وبعدها. فإن لون الدم خطف الأبصار وأنسى الجميع حكاية الفيروز. وحين تجدد فيها القتال ضد الجماعات الغامضة التي تشكلت وكبرت في الظلام حتى توحشت، فإن أخبار سيناء أصبحت زبونا دائما في صفحات الحوادث دون صفحات الترويح والسياحة. واحتلت صور الإرهابيين وجثثهم مكان صور الأفواج السياحية في منتجعاتها وشواطئها.
بالنسبة للمواطن العادي ظلت سيناء بعيدة عن العين والقلب طول الوقت. لذلك أصبحت عَصِيَّة على الفهم ومسكونة بالألغاز والأحاجي قبل الاحتلال الإسرائيلي (عام ١٩٦٧) وبعده، ثم شغل النظام في مصر بعد اتفاقية السلام باستثمارها سياحيا بأكثر مما عمل على احتضانها وتنميتها اقتصاديا وعمرانيا، حتى ذهب خيرها للسائحين بأكثر مما ذهب لأهلها المقيمين. وانتهى بها المطاف منطقة عسكرية مغلقة صار المجهول فيها أكثر من المعلوم. والمعلوم تلاحقه الشائعات بأكثر مما تسوقه المعلومات.
ما حدث في شمال سيناء يوم الأربعاء الماضي (الأول من يوليو) يقرب الصورة إلى الأذهان، ذلك أن جيشا صغيرا من أنصار بيت المقدس (جريدة الشروق ذكرت أن عددهم أكثر من ٣٠٠ شخص) حاول أن يقتحم مدينة الشيخ زويد الرئيسية في محافظة شمال سيناء. في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم هاجموا ١٥ كمينا ونقطة ارتكاز، بعدما قاموا بتلغيم الطريق إلى المدينة لقطع الطريق على أي إمداد للدفاع عنها (تم تفكيك ٥٥ عبوة ناسفة من محيطها). واستخدموا في ذلك عربات دفع رباعي وأسلحة ثقيلة مثل مدافع هاون وقذائف آر بي جي. وبعض تلك الأسلحة لم يظهر من قبل مثل صواريخ «كورتينا» المضادة للطائرات. وبعدما دخل المهاجمون إلى المدينة وحاولوا استعراض قوتهم فيها، تحركت القوات الجوية وظهرت في سماء المدينة طائرات إف١٦ المقاتلة ومروحيات الأباتشي التي حصدت المهاجمين وأفشلت خطتهم. وتضاربت المعلومات الخاصة بأعداد الضحايا المصريين، الذين ذكر في البداية أنهم ٦٤ شخصا، ولكن المتحدث العسكري صوّب الرقم بحيث أصبح ١٧ فقط، في حين أن قتلى المجموعة الإرهابية تجاوز عددهم ١٧٠ شخصا.
إذا نحينا جانبا التضارب في المعلومات المتعلقة بأعداد الضحايا، فالثابت أننا كنا بصدد عملية كبيرة في تجهيزاتها ومقاصدها. إذ لفت الانتباه نوعية السلاح الثقيل المستخدم، والمجموعة الكبيرة التي شاركت فيها، وجرأة المخطط الذي استهدف الاستيلاء على المدينة ورفع أعلام داعش عليها، في محاولة لاستنساخ التجارب المماثلة التي تمت في سوريا والعراق. وهو ما دل على سذاجة مستوى التفكير والإدراك لدى المخططين الذين لم يدركوا الفرق بين كفاءة القوات المسلحة المصرية وبين أوضاع الجيوش الممزقة في البلدين المذكورين.
رغم شح المعلومات التي توافرت عن المعركة، فإن ذلك لم يحجب أسئلة لا تزال مثارة حول هوية المهاجمين الذين لم نعرف ما إذا كانوا جميعا مصريين أم أن بينهم عناصر من جنسيات أخرى. (جريدة الشروق ذكرت أن بينهم فلسطينيين وأفغان وأوروبيين) كما أن هناك أسئلة أخرى حول مصادر ومستوى التسليح والخبرة التي توافرت لهم، وحول المخطط الذي وضع للعملية وما اتسم به من أحكام. وقبل كل ذلك وبعده فإن ثمة أسئلة أخرى حول تزايد خطر تلك المجموعة رغم أن المحاولات الحثيثة لإجهاض عملياتها والقضاء عليها لم تتوقف طوال السنتين الماضيتين، وهو ما يفترض أن يكون قد أدى إلى إضعافها وتوجيه ضربات قوية لقدراتها، ولكن ذلك لم يحدث بل حدث العكس.
ثمة حلقات لا تزال غامضة في خلفيات المجموعة التي بدأت في تسعينيات القرن الماضي صدى لفكرة السلفية الجهادية وحملت اسم «التوحيد والجهاد». هؤلاء أصبحوا لاحقا أنصار بيت المقدس الذين نشطوا في مواجهة إسرائيل وقاموا بتفجير أنبوب الغاز الواصل إليها عدة مرات في عهد مبارك، ثم التحقوا بتنظيم القاعدة وانتهوا مبايعين لزعيم جماعة داعش وإقامة ما سمى بولاية سيناء. وهي أطوار لم نعرف ملابساتها، كما تفسر نقل نشاطها من مواجهة إسرائيل من سيناء إلى نقل ذلك النشاط إلى الداخل المصري (الدلتا بوجه أخص). كما أن الغموض يكتنف ارتباطات المجموعة التي هي على اشتباك دائم مع حركة حماس في غزة. وهو اشتباك استخدم فيه السلاح عام ٢٠٠٩ حين أعلن أقرانهم آنذاك عن إقامة إمارة إسلامية في القطاع، الأمر الذي أدى إلى صدام سقط فيه ٢١ قتيلا. وقد بثوا شريطا قبل أيام هاجموا فيه حماس بعنف بدعوى أنهم لم يطبقوا شرع الله وطال هجومهم جماعة الإخوان التي تنتمي إليها حماس. لذلك كان مستغربا أن تشير بعض الصحف المصرية إلى أن ثمة تنسيقا بين داعش سيناء وبين الإخوان.
من الأسئلة الأخرى التي تثيرها المواجهات المسلحة التي لم تتوقف ضد الجماعات الإرهابية في سيناء ما يلي: إذا كنا لم نحقق ما نصبو إليه من حسم للصراع خلال السنتين الماضيتين، فهل نتوقع نتائج أفضل إذا سرنا على ذات النهج خلال الفترة المقبلة؟ وهل حان الوقت لطرح تفكير آخر في الموضوع يخاطب المجتمع السيناوي بلغة أخرى ويداوي جراحه بأساليب مغايرة تتجاوز الاشتباك إلى الاحتضان والاحتواء؟ وهل يمكن أن يكون للسياسة دور في التفكير الجديد؟.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3300
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1269
| 28 سبتمبر 2026