رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قمت بعمل عدة اتصالات بشخصيات في المعارضة السورية حتى اعرف ما الذي يحدث في حمص، فهذه مدينة استراتيجية مهمة، إن سقطت فقد بدأت تتشكل حدود دولة الساحل النصيرية التي ستنفصل لا محالة عن بقية سوريا مشكلة موطئ قدم آخر لايران بعد لبنان، أي ان الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط سيكون بيد ايران واسرائيل ومحرما على العرب بشكل نهائي.
سأبدأ بما قاله لي العقيد فاتح حسون، وهو قائد جبهة حمص ونائب سليم ادريس في الهيئة العامة لأركان القوى الثورية والعسكرية التي اعترف بها مؤتمر اصدقاء سوريا على انها الذراع العسكرية للائتلاف الوطني السوري.
حاولت ان ابدأ في الحديث مع العقيد عن الاسلحة التي تصل الى الثوار، ولكنه قاطعني ليتحدث عن استراتيجية الارض حول حمص قبل الدخول في الحديث عن التسليح.
قال: يجب ان تعلم بان حوالي 30 % من سكان حمص والقرى المحيطة بها من الشيعة والنصيريين، وان هؤلاء يسيطرون على شبكة الطرق المحيطة بالمدينة بشكل كامل، حتى اننا لا نستطيع ان نحاصر اي معسكر او قاعدة لان ظهورنا ستكون مكشوفة، فطرق الامداد محاصرة بشكل كامل ولذلك يصعب ادخال الاسلحة اليها.
كان حديث العقيد متوازنا ودقيقا، ويعود بشكل تلقائي الى النقاط التي توقفنا عندها ليعيد شرحها لي مرة اخرى، مما اعطاني انطباعا بانه شخص منظم يعرف ما يفعل وما يريد قوله.
واصل بعد تلك المقدمة الطويلة التي اختصرت الكثير منها.
بعد سقوط القصير اصبحت حمص هي الهدف التالي، فحولها وعلى اطرافها يتواجد حزب الله الذي له خطوط امداد مفتوحة مع لبنان، وايضا لواء ابو الفضل العباس الذي له خطوط امداد مفتوحة مع الحدود العراقية، واعتقد ان سقوط حمص هو مسألة وقت فقط.
وحين سألت العقيد فاتح عن الاسلحة التي تصلهم، شعرت بتوتر في صوته، وقال: لم تصلنا اسلحة نوعية كتلك التي يتحدثون عنها، فوقعنا في حرج مع الكتائب المقاتلة التي تتهمنا بتخزين السلاح او بيعه للاستفادة من ثمنه، مع اننا لن نفعل ذلك ابدا ولكن — ثم اضاف — دعني اشرح لك كيف يصل السلاح الينا..
كل الدول التي تساعدنا بدون استثناء ترسل شحنات الاسلحة مشروطة، بمعنى انهم يقولون ان هذه الشحنة يجب ان تصل للكتيبة الفلانية، وأحيانا يأتي مندوب من الكتيبة لاستلام الشحنة قبل ان تصل الينا، فهناك تنسيق واضح بين الدول الداعمة والكتائب المقاتلة بشكل مباشر، ولكننا نحصل على 20 % من كمية هذه الشحنات حتى نقوم بتوزيعها على 5 جبهات، تخيل يا اخي!!
فطلبت منه ان يذكر لي هذه الجبهات، فرد قائلا:
جبهة حمص
الجبهة الجنوبية: دمشق ودرعا والقصير والسويداء
الجبهة الشمالية: حلب وادلب
الشرقية: دير الزور والرقة والحسكة والقامشلي
والغربية: طرطوس واللاذيقية
إن كمية الاسلحة التي بحوزتنا شحيحة جدا، لا تكفي حتى لتسليح جبهة واحدة، في حين ان بعض الكتائب لديها اسلحة اكثر من حاجتها، وبعضها لا يتدخل في القتال إلا ان طلبت منه الدول المانحة ذلك، لقد شاهدنا هذا الامر واضحا جليا في احداث القصير، فاحدى الكتائب التي كانت تمول من احدى الدول العربية رفضت الدخول في معركة القصير لان الدولة الداعمة لها طلبت منها ذلك، ولو دخلت لما سقطت القصير ابدا.
سألته، اذن انتم مكتب بريد، لا أكثر، قال: نعم اننا مكتب بريد مع الاسف، وان لم تتم تقويتنا فسننتهي، لقد طلبت منا بعض الدول الغربية مؤخرا تعيين 15 شخصا من الاركان في الائتلاف السوري على شرط ان لا يكونوا ينتمون الى اي من الكتائب او التيارات الاسلامية العاملة في الساحة، فهل تعلم ما الذي يعنيه ذلك؟
يعني اننا سنصبح جزءا من الائتلاف وسنفقد الاتصال بالكتائب الاسلامية العاملة في الساحة والتي رفضت هذه الشروط اصلا، مع العلم بان الكتائب الاسلامية هي الاكثر انضابطا والاكثر تدريبا وتأثيرا على الجبهات.
حاولت ان استفسر من العقيد عن دور جبهة النصرة وعن تمويلها، فرد علي قائلا:
هؤلاء ليسوا موجودين في حمص، فهم لهم جبهاتم التي يقاتلون فيها، وتسليحهم داخلي، فقد سيطروا على بعض ابار البترول وبعض مؤسسات الدولة ومستودعات للجيش وهم يستخدمون ما لديهم للقتال.
لقد ذكر لي العقيد الفاتح نبذة عن الكتائب المقاتلة والجهات التي تسلحها، وهي تتراوح بين السلفية الجهادية بكل تفرعاتها والعلمانية، ولكني سأتحفظ هنا عن ذكرها وذكر مصادر تسليحها لأن الامر قد يسبب التباسا ليس هذا وقته.
وقبل ان اغلق الهاتف مع العقيد طلب مني ان يوصل كلمة للقطريين، وسأنقلها هنا بدون اي تعديل..
"إن من افضل واصدق من تعامل مع الملف السوري هم القطريون، ولكنهم لم يعطوا حمص الاهتمام الكافي، هي تحتاج لضخ كبير من السلاح والذخيرة، اذا انهارت حمص فمعناه قيام الدولة النصيرية".
انتهى لقائي مع العقيد فاتح حسون
أما الشخص الاخر فقد طلب عدم ذكر اسمه او منصبه، ولكني سأنقل ما قال لي عن الوضع في الجبهات السورية، وقد بدا لي هذا الشخص مطلعا على الاوضاع بشكل استراتيجي، وهو يملك الارقام التي تؤيد اقواله في كثير من الاحيان، بدأ حديثه بالقول ان شحنات الاسلحة تصل الى جماعات محددة بعينها، ومع ذلك هي كميات لا تكاد تكفيها اصلا.
تكاد حمص تكون هي الهم المشترك بين كل من حدثتهم، فقد قال بعد حديثه المختصر عن شح الاسلحة ان الثوار في حمص لا يملكون اي اسلحة، فالمدينة تتكون من 14 حيا، بها 4000 شحص فقط، 500 عائلة والبقية من الثوار الذين بقوا للدفاع عنها، وهي محاصرة منذ سنة تقريبا وبالتحديد منذ مايو 2012، والثوار في حمص وريفها محبطون وهم يرسلون الرسائل لسليم ادريس يطلبون المدد الذي لا يصلهم بسبب سيطرة القرى النصيرية والشيعية على طول الطريق المكشوف.
واضاف هذا الشخص: نشعر وبشكل قوي بان العالم يريد ان يبقي دمشق وحمص في يد النظام على ان تسيطر المعارضة على الشمال، ثم يتم استنزاف الطرفين في حرب طويلة مهلكة حتى يطلبا التفاوض، وقد بدأنا نسمع عن مصطلح (توازن القوى) حتى من ضباط الاركان في المعارضة السورية، فمعنى ذلك ان هناك ضباطا في المعارضة السورية يعلمون بهذا المخطط وموافقون عليه.
واصل هذا الشخص كلامه بصوت به بعض الاحباط:
كتيبة واحدة كانت في القصير تملك ما يكفي من السلاح لتحرير القصير لم تتدخل في القتال لان من يمدها بالسلاح طلب منها عدم التدخل، هكذا نحن في المعارضة السورية، لا نملك امرا على الكتائب المقاتلة، انهم الممولون الذين يديرون الحرب على حسب رغباتهم (سأتحفظ هنا عن ذكر الكتيبة وممولها).
وقبل ان ينهي حديثه قال:
ستقسم سوريا الى قسمين قريبا ان لم يتم عمل شيء حيال حمص، فهذا ما يريده العالم من سوريا.
انتهى
ستسقط حمص كما سقطت القصير قبلها، وكما سقطت كل المدن الفلسطينية قبل ذلك بسنين، والسبب هو كل ذلك الخور والضعف والتآمر من بعض الانظمة العربية التي تعبث بمستقبل شعوبها وأمتها بعد ان غاب عنها الشعور بالانتماء والشعور بالمسؤولية والشعور بالكرامة.
عظم الله عزاءكم في حمص مقدما.
متى ترحل؟
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم... اقرأ المزيد
1269
| 01 يوليو 2026
هل طالنا التبلد !؟
للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر،... اقرأ المزيد
264
| 30 يونيو 2026
حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب
نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين... اقرأ المزيد
663
| 30 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4485
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
2361
| 29 يونيو 2026
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات والفرص والاستثمارات. وقطاع التدريب والتطوير المهني من أكثر القطاعات التي لا تحتمل الانتظار، لأنه يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع جاهزيته لسوق العمل، وقدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية. ومع ذلك، ما زلنا أحيانًا ندير التدريب بمنطق يراقب الإجراء أكثر مما يقيس الأثر، ويهتم بمن يقدّم البرنامج أكثر من اهتمامه بما أحدثه البرنامج في أداء المتدرب. هل وُجد التنظيم لحماية جودة التدريب، أم أصبح التدريب مطالبًا بحماية نفسه من تعقيدات التنظيم؟ لا أحد يعترض على وجود ضوابط تحمي المجتمع من البرامج الضعيفة والممارسات غير المهنية والادعاءات المضللة، بل إن القطاع يحتاج إلى حوكمة جادة ورقابة عادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما لا تكون حدود الاختصاص واضحة، وعندما تتعدد الموافقات والتفسيرات، وتُفرض متطلبات لا يعرف المستثمر أو المدرب أساسها التنظيمي أو القانوني، فالتنظيم الذي لا يستطيع المعنيون فهمه، أو معرفة مرجعيته، أو التنبؤ بقراراته، لا يبني الثقة في السوق مهما كانت النوايا جيدة. التدريب ليس نشاطًا جانبيًا، ولا ساعات تُستكمل للحصول على شهادة، إنه جزء من بناء رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع جاهزية الشباب والموظفين. التعليم يمنح الإنسان أساس المعرفة، أما التدريب فيحوّل المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة، ولهذا لا يمكن إدارة التدريب بعقلية التعليم التقليدي، فالتدريب يقوم على المرونة، وسرعة الاستجابة، والارتباط المباشر باحتياجات المؤسسات وسوق العمل. وحين نحمّله إجراءات لا تتناسب مع طبيعته، فإننا لا نرفع جودته، بل نفقد أهم ما يميزه: السرعة والابتكار. من يملك حق الحكم على المدرب؟ من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة جادة قضية تصنيف المدربين، فالمدرب لا يصبح مؤهلًا لمجرد إدراج اسمه في قائمة، كما أنه لا يفقد كفاءته لعدم وجوده فيها. الكفاءة التدريبية لا تُقاس بعنصر واحد، بل بمنظومة تشمل التخصص، والخبرة، والقدرة على تصميم المحتوى، وإدارة القاعة، ونقل المعرفة، وسجل الإنجاز، والأثر الفعلي للبرامج. وإذا تقرر إنشاء تصنيف مهني للمدربين، فيجب أن يقوم على معايير معلنة، ومستويات واضحة، ولجان متخصصة، وآلية عادلة للاعتراض والمراجعة. أما أن تتحول بعض المبادرات أو الإجراءات الداخلية تدريجيًا إلى متطلبات ملزمة على السوق من دون توضيح سندها واختصاص الجهة التي فرضتها، فإن ذلك يستحق الوقوف عنده. فالمبادرة تظل مبادرة، ولا تتحول إلى تشريع بمجرد تكرار تطبيقها. المستثمر ليس خصمًا للجهة المنظمة كما أن مركز التدريب المرخص ليس خصمًا للجهة المنظمة، بل شريك في تنمية المهارات الوطنية، فهو يستثمر في المقرات والتقنيات والكوادر وتطوير البرامج، ويوفر فرصًا للمدربين والمتخصصين. والمستثمر الجاد لا يطلب العمل بلا رقابة، بل يطلب أن تكون الرقابة واضحة ومتوازنة، وأن يعرف مسبقًا ما له وما عليه. لا يمكن أن نتحدث عن دعم القطاع الخاص، ثم نضع أمامه متطلبات متغيرة أو إجراءات يصعب التنبؤ بها. ولا يمكن أن نطالبه بالابتكار، ثم نحاصر كل فكرة جديدة بسلسلة طويلة من الموافقات. الرقابة الذكية لا تعطل السوق، بل تميز بين الملتزم وغير الملتزم، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء البعض. ولا تقيس جودة التدريب من أوراقه فقط، بل من أثره ونتائجه. ما الذي يحتاجه القطاع؟ ما يحتاجه القطاع اليوم ليس مزيدًا من التعقيد، بل مزيدًا من الوضوح، من خلال تحديد الجهة المختصة بتنظيم التدريب، والفصل بين التعليم الأكاديمي والتطوير المهني، ونشر المعايير والاشتراطات، وعدم تحويل المبادرات الاختيارية إلى متطلبات ملزمة إلا بسند معلن، وإشراك المراكز والمدربين في تطوير السياسات المنظمة للقطاع. إلى صانع القرار إن مراجعة منظومة التدريب ليست مطلبًا لفئة محدودة، بل استثمار في قدرة الدولة على تنمية رأس مالها البشري. فكل إجراء غير واضح قد يؤخر برنامجًا يحتاجه موظفون، وكل اشتراط غير مدروس قد يدفع كفاءة متميزة إلى مغادرة القطاع، وكل تداخل في الصلاحيات قد يربك مستثمرًا ويضعف الثقة ويحد من الابتكار. الدول التي تتقدم في الاقتصاد المعرفي لا تنظر إلى التدريب باعتباره ملف تصاريح، بل باعتباره بنية أساسية للتنمية. هل منظومتنا التنظيمية الحالية قادرة على صناعة قطاع تدريب يواكب طموحات الدولة، أم أنها ما زالت تدير قطاع المستقبل بأدوات الماضي؟ هذا السؤال ليس انتقادًا لجهة، بل دعوة إلى مراجعة وطنية مسؤولة. لأن مستقبل التدريب لا يخص المدربين والمراكز وحدهم، بل يخص كل شاب يستعد لسوق العمل، وكل موظف يحتاج إلى التطور، وكل مؤسسة تسعى إلى رفع إنتاجيتها، وكل دولة تراهن على الإنسان بوصفه أعظم استثماراتها.
2013
| 28 يونيو 2026