رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لن يكون أي شيء كما كان من قبل في بلد أريقت بها الدماء. قتل 600 ألف شخص، وعدد الجرحى بالملايين، فيما أصبح 7 ملايين سوري في عداد اللاجئين، ومثلهم من المشردين والعاطلين عن العمل. لنترك كل هذا الألم جانبًا، لم يعد من الممكن إدارة سوريا بنفس النموذج السابق.
يجب إقامة نظام يجمع الشيعة والسنة والتركمان والأكراد والعرب تحت سقف واحد ويضمن عيشًا مشتركًا لهم. اليوم يهيمن على سوريا حكم دكتاتوري عسكري. هناك طلب من أجل سوريا ديمقراطية، لكن هل سيطبق هذا على أرض الواقع. هذا ليسَ واضحًا. هيكل اتحادي، أو نظام ولايات، أو سوريا مقسَّمة... لا شيء مؤكّدا، كل ذلك احتمالات.
*. هل سيبقى الأسد في السلطة؟
إنه من أكثر القضايا الشائكة، سيما وأن بشار الأسد هو المسؤول الأول عن مقتل 600 ألف شخص، وهو الذي استخدم أسلحة كيميائية، وقتل عشرات الآلاف من الأشخاص تحت التعذيب في السجون، وارتكب جرائم حرب ضد الإنسانية. بعض الأدلة على جرائم الحرب تم نشرها من قبل وسائل إعلام دولية بما في ذلك وكالة الأناضول للأنباء. تلك الأدلة موجودة الآن بمكتب محاماة في بريطانيا يتقاضى أجوره من قطر. سيتم استخدام تلك الأدلة في أول فرصة لمحاكمة الأسد.
على الرغم من كل شيء، الأسد لا يزال في السلطة، لكن كيف سيحكم الأطفال الذين قتل آباؤهم وأمهاتهم؟ تقول تركيا أن هذا مستحيل. إيران تدعم وستدعم بقاء الأسد حتى الرمق الأخير. روسيا كما ترون. الولايات المتحدة خارج اللعبة.
* ماذا سيحدث للنازحين في سوريا؟
هناك نحو 7 ملايين سوري، أصبحوا لاجئين في بلدان أخرى، ولكن البعض منهم أصبح نازحًا أو مهجرًا داخل البلاد. هناك نحو مليوني نازح على الحدود السورية مع تركيا، في أطمة واعزاز وإدلب. إنهم يقتاتون على المساعدات الغذائية التي تصلهم من تركيا، ويعيشون في خيام من النايلون، أو قماش، وفي ملاجئ مصنوعة من الصفيح. بينهم أسر مقاتلين في المعارضة. وضع هؤلاء الناس يلفه الغموض.
*. هل سيعود اللاجئون المنتشرون في أصقاع الأرض؟
هناك 2.7 مليون لاجئ في تركيا، و مليونان في لبنان، ومليون في الأردن. مجموع اللاجئين مع المنتشرين في أوروبا ودولٍ أخرى نحو 7 ملايين. ماذا سيحدث إذا أراد هؤلاء العودة إلى البلاد؟.
أين سيعيشون وكيف؟ ما هو مصير المنازل المدمرة، والممتلكات المنهوبة؟. هؤلاء السكان كانوا يشكلون تأثيرًا مهمًا على الخريطة السكانية والدينية في هذا البلد. الأسد لن يريد عودتهم مجددًا إلى سوريا.
*. هل سيرحل المقاتلون الأجانب إلى خارج البلاد؟
في سوريا مقاتلون من بلاد مثل إيران، والعراق، ولبنان، وأفغانستان، وطاجيكستان، واليمن، وباكستان. انضموا إلى الصفوف الأمامية للمعارك لدعم النظام السوري.
أما في صفوف المعارضة، فهناك مقاتلون من العراق واليمن والشيشان والأردن وبعض الدول الأوروبية.
تركيا تنظر بإيجابية إلى خروج المقاتلين الأجانب من كلا المجموعتين إلى خارج البلاد. لكن الأسد الذي فقد قواته العسكرية بات بحماية جيش عماده الميليشيات الأجنبية. لا يمكن أن نتوقع من طهران ودمشق أن ينظرا بإيجابية إلى تحرك كهذا. إذن ما الذي سيحدث؟.
*. وحدة الأراضي السورية وكانتونات منظمة "بي كا كا"
توافقت روسيا وإيران وتركيا على وحدة التراب الوطني السوري. وهذه الخطوة تسببت بانهيار المشروع الأميركي الهادف لإقامة كانتونات لمنظمة "بي كا كا" شمالي سوريا. تم الحيلولة دون اندماج تلك الكانتونات بعد إطلاق عملية "درع الفرات" وتحرير مدينة جرابلس. لكن مناطق مثل عين العرب (كوباني)، ومنبج، والحسكة، وعفرين لا تزال تحت سيطرة مسلحي منظمة "بي كا كا".
تم ترحيل العرب والتركمان والأكراد (المختلفين عن "بي كا كا" أيديولوجيًا) من تلك المناطق، وتغيرت التركيبة السكانية هناك. الولايات المتحدة تسعى لإقامة قواعد لها في المنطقة. ما الذي سيحدث لتلك الكانتونات ومسلحي "بي كا كا" فيها؟ خطر اندلاع نزاع جديد يلوح في أفق تلك المنطقة.
*. ماذا سيحل بداعش؟
كيف ستتم مكافحة تنظيم داعش الإرهابي الذي يسيطر على منطقتي الباب والرقة؟ داعش الذي لم يدخل حتى الآن في مواجهات واسعة النطاق مع قوات إيران والأسد، ما فتئ يهاجم قوات المعارضة، وتركيا. تركيا بدورها تُرِكت وحدها في هذا الصراع من قبل الجميع.
الولايات المتحدة أتت لقتال داعش إلا أنها نسيت الموضوع فيما بعد، واهتمت فقط ببناء الكانتونات. ماذا سوف تكون الخطوة التالية؟ هل ستتحالف إيران، ودمشق، مع روسيا والولايات المتحدة لانتزاع الرقة من داعش ؟.
... / ...
حتى تركيا، لا تملك تصورًا واضحًا حول مستقبل سوريا في الوقت الراهن. ركَّز الجميع على حلب. أي أحد لم يقم بإعداد أي مشروع حول ما سيحدث. الأنظار توجهت الآن نحو الأستانة التي من المقرر أن تستضيف قمة روسية، تركية، إيرانية. الولايات المتحدة تعيش ألم البقاء خارج اللعبة. ما الذي سيفعله ترامب بعد تقلده السلطة، ليس واضحًا بعد.
احتمالات نشوب صراعات شديدة مع الفاعلين الجدد باتت مرتفعة جدًا في هذه المرحلة.
حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة!
لم تضيّع أمريكا ترامب وقتا في الإجابة عن السؤال الذي ختمت به مقالي السابق. اختارت طوعا، فيما يبدو،... اقرأ المزيد
135
| 03 مارس 2026
معركة الوميض الأول
المعركة لا تبدأ حين تدوي الصفارات. تبدأ عند لحظة اشتعال محرك الصاروخ. هناك، في الوميض الحراري الأول، تتحدد... اقرأ المزيد
102
| 03 مارس 2026
الصيام قوة للروح والجسد
لكل عبادة فرضها الله تعالى علينا حكم عظيمة جهلنا معظمها وعلمنا القليل منها، ومن حكمة الله تعالى في... اقرأ المزيد
138
| 03 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2637
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2142
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1860
| 01 مارس 2026