رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تضوي أفكار الشباب بعد الثورة بإشراقات كثيرة وأسئلة أكثر يلقونها على أنفسهم بعد اثني عشر شهرا من الثورة تجمع بين الأمل واليأس وكأن انفراجا قد بدأ يصيب اليأس والاكتئاب الذي أصاب جموع الشعب والشباب معاً بعد مرور أيام من تنحي حسني مبارك.
مزج الشباب بين الحلم والواقعية وأدرك أن الأفكار مهما كانت صعبة التحقيق وتبدو مستحيلة، تحتاج إلى جهد البناء كما هي تحتاج إلى زخم الدعم الشعبي.
ويؤكد الشباب بعداً جديداً استقر في يقينه ووجدانه أن الزعامة المطلقة كما السلطة المطلقة مفسدة مطلقة وأن العمل الجماعي يحتاج قيادة جماعية ولا يحتاج إلى القائد الفرد الأسطورة.
ويقرر الشباب في أمر الثورة معادلة اقتصاد القوة ورغم تعدد التجمعات، ورغم أن الوقت ينظم حالة الحضور والانصراف والاعتصام إلا أن هذا التعدد وتأثير الوقت المتاح أمامهم، أدخل معادلة اقتصاد القوة وتوجيهها في عملهم فاستقرت واحدة من سمات الأداء.
قبل الشباب بالتنوع السياسي فيما بينه وخاض البعض منه تجربة الانتخابات البرلمانية وخرج منها بضرورة التنسيق بين أطياف الشباب وهي معادلة لبناء وحدة أداء وليس وحدة التنظيم.
واكتشف إمكانية وحدة الأداء عند وضوح الهدف والمهام الواجبة لتحقيقه وتجنب البحث عن وحدة التنظيم التي مآلها إلى انقسامات أكثر وزمن يضيع من بين أيديهم.
كشفت الحوارات مع الشباب أن منهجا جديداً يحكم التفكير وأنه أقرب إلى منهج إدارة الأزمات وما يؤكد استيعابهم لهذا المنهج هو القدرة على اكتشاف "الفرص المتاحة داخل الأزمات" والإمساك بها حتى وإن كان الأمل في تحقيق نجاح فيها يبدو في البدايات ضئيلاً ولكنهم وبإصرار يسعون إلى تنظيمه.
وتخلص الشباب من مجرد الجدل العقيم حول الأفكار التي تطرح عليه وأصبحت هناك موجة لمستخدم مشرط الجراح في تناول الأفكار المثيرة للجدل فاقترب من الواقع أكثر.
وأعاد البعض من الشباب توجيه اهتمامه العملي فهو يخرج عن مسار دراسات تكميلية تعتبر استطرادا لدراساته الجامعية إلى آفاق جديدة في الدراسات الإدارية والاجتماعية أي أنه بعد تأهيل ذاته لمهام قادمة تحتاج إلى جيل جديد بتدريبات جديدة ومتنوعة غابت عنه في البدايات ولكنها ضرورة للاستمرار في تحمل مسؤولية المستقبل.
كانت أولى موجات الفتنة التي أصابت ثورة يناير 2011 هي محاولة خلق صدام بين الشباب والشعب والفصل التعسفي بين الأجيال وأحال الشباب هذا الأمر إلى معيار للقياس هو مدى خدمة الأفكار والمناهج لمطالب التغيير ومهامها.
ولم تعد هناك قاعدة "لن أعيش في جلباب أبي" ولكن ماذا يملك الآباء لغدنا وليس ما الذي قدموه من قبل وأوصلنا إلى ضرورة دفع الدم للتخلص منه وبدأ حركة التغيير. هذا التغير في التعامل مع الأجيال السابقة جعلهم قادرين على فرز الرؤى والآراء ومكنهم من الاستفادة من خبرات إيجابية موجودة داخل المجتمع بل بلغ الأمر بهم أن يحددوا ما الأسئلة التي يريدون إجابات عنها.
ووسط ضجيج بورصة أوراق التصويت في الانتخابات البرلمانية والنسب الساحقة لهذا أو لذاك تمكن الشباب من رؤية وتحديد القوى المؤثرة في المجتمع.
ورغم الصدامات المتكررة مع المجلس العسكري والقوة التي يملكها والقرارات التي يتخذها إلا أنه انتقل من مرحلة الهتاف ضده إلى مرحلة دراسة إمكانية الحركة والتغيير مع التوصيف الدقيق لموقفه.
وأدرك الشباب بأنه لا يملك إمكانية وقف آلة القتل ولكنه يملك إمكانية استمرار القبول بدفع الثمن من دماء الشهداء. أي أن الشباب أدرك أن هناك مستقبلاً يريده وأن الطريق إليه عبر صراع متصل وهذا الصراع بالكلمة والدعوة والعمل والشهادة يمكن أن يستعيد التوازن بين أطراف الصراع ويفتح أمام التغيير آفاقاً واسعة للتحقق.
واتخذ الشباب موقفاً من نتائج الانتخابات هو ذاته موقف العامة من الجماهير التي تقول بأننا جربنا الجميع فما هي الخشية من تجربة الآخرين. الشعب يقول بهذا لأنه لم يجد توازناً موضوعياً يخترق وعيه ويوجه اختياره وبغريزة البقاء والدوام لدى الشعوب التي تبنى قدرتها على الاستمرار في الحياة قبل بمخاطرة القبول بما هو مطروح عليه قاعدة "التجربة والخطأ" ولكن باتساع الزمن والكتل الشعبية رغم كل المحاذير التي أطلقت حول الجديد القادم ولكن لكونها فقط محاذير وليست بديلاً موضوعياً جرى الحشد من حوله لم تؤثر على الوعي في عمق الريف والمدينة وصارت الطوابير المحتشدة تعبر عن اختيار يبدو للعقلاء أن الشعب يضع أصبعه في عينه.
ولكن اختيار الشباب لذات الموقف هو رغبة لعدم خوض المعارك في غير توقيتها وهي رغبة في الوصول إلى عمق تكوين هذا القادم وتصنيفه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهي في الوقت ذاته تعبير عن مبدأ في الصراع بعدم خوض معارك لم يأت حينها بعد بينما الزمن كفيل بتغيير ميزان القوى داخل الصراع ولكن الزمن وحده غير كاف بل هو احتياج لضرورة بناء علمي لقوى التغيير في المجتمع.
والشباب بذلك يحاول الانتقال بالصراع من مرحلة الصدام والدم واحتمالات الحرب الأهلية إلى مرحلة توازن القوى في المجتمع وهي مهمة كل الأزمنة وهي السبيل الوحيد لتجنب الديكتاتورية أو الصراع الدموي في مواجهتها. والعظيم في هذا الاختيار أن الشباب بتنوعه لم يسقط الاستعداد لتقديم الشهداء.. معادلة صعبة ولكن الشباب يأخذ بها وهي دلالة اتساع الأفق في رؤية الصراع وإدخال المعامل الزمني فيه وليس الانزلاق إلى اللحظة وأحداثها.
وبهذه الخيارات أعمل الشباب قوانين التغيير العلمية دون أن يعلن عنها وتكاملت آراؤه وأفكاره وأداءاته لتؤكد أن الأسلوب العلمي للتفكير قد وجد لنفسه مكانا بين الشباب.
أدرك الشباب أن الجديد ينبع من القديم وإعادة توصيف تنوع الأجيال داخل القوى المطالبة بالتغيير من حالة الصراع إلى حالة الاستنباط والتكامل.
وأدرك الشباب قانون صراع الأضداد والمتناقضات بين الأطراف وفي داخل كل طرف على حدة فطرح أفكاره ورؤاه حتى وإن كانت في مراحل الشعارات وأصر عليها وقبل دفع ثمن الدم لها ففرضها على المجتمع وأحاطها بالاستعداد للشهادة ففرض استمرار حضورها وصارت تعمل أثرها بين الأطراف وداخل كل طرف منها وصار الجدل إيجابيا وليس سلبياً.
وأقام الشباب معادلة ترابط عناصر الحياة وربط بين كل ما هو مطروح عليه في منظومة تحاول صياغة ذاتها وأن كل العناصر المكونة للحياة في داخل الوطن هي حلقات في سلسلة تمثل قوام القوة والضعف داخل المجتمع وإن اختلفت القوة بين حلقات هذه السلسلة انقطعت وفقدت قدرتها على خلق الاستقرار الإيجابي داخل المجتمع وفتحت الباب أمام أسباب جديدة لتجدد الصراع.
واختيارات الشباب تؤكد قدرة ذاتية على إدراك دلالة التراكمات الكمية والتغيرات الكيفية وهذه المعادلة هي واحدة من قواعد الأسلوب العلمي للتفكير وإعمال معادلات التفكير العلمي في قضية التغيير وهي منهج ضروري للانتقال من حالة العشوائية إلى حالة الأداء المنتج.
وهذه القياسات لعناصر الأسلوب العلمي للتفكير ليست محاولة إلباس أداء الشباب وأفكاره قسرا صفة العلمية وليس الارتجال ولكنها عناصر تقيم ما وصل إليه عبر تجربة العام المنصرم.
إن اتجاه الشباب من مرحلة التوصيف والنقد ومجرد التظاهر والاعتصام إلى مرحلة جديدة يسعى فيها إلى الوجود في أداءات المجتمع والدولة ومكوناتها هو دلالة صحة وبدايات عملية لعملية التغيير بالوجود والحوار والمشاركة قد تبدو أنها تجريبية وفي البدايات ولكنها منهج جديد يضيف إلى نداءات المطالب باتجاهات حركة لا تكتفي بمجرد المطالبة.
نعم هو مشوار طويل ولكنها بديات صحيحة وفي اتجاه صحيح لم يسقط من يده أي من عناصر القوة التي يمتلكها.
"سمر" هي مهندسة شابة أضيفها هي ومجموعة العمل من مهندسين ومهندسات شباب أضيفها إلى "بائعة الذهب" "وابنة أبيها" اللاتي كن في حلبة المواجهة في يناير 2011 وهي كانت معهم هناك ومازالوا جميعا مرتبطين بميدان التحرير الرمز والفكرة ولكن تفكيرها هو الشاهد على كل هذه الملاحظات حول خيارات الشباب.
مجموعة عمل من المهندسين الشباب هي قوة المهمة الرئيسية لإدارة عملية انتخابات نقابة المهندسين تداعوا أفراداً للمشاركة التطوعية في إدارة الانتخابات وأعلنوا أن الأداء التطوعي لا يمكن أن يقبل مقابلا ماديا لجهده ويعلنون في النهاية أنهم جميعاً خلقت التجربة داخلهم إحساس الأسرة.
يحاورون كل من يمر بهم دون عرض الذات أو الجدل العقيم. يدركون حجم الفساد ويسعون إلى تغييره ولا يشيرون بأصبع الاتهام إلى أشخاص ولكنهم يقومون بتحليل النظم التي أدت إلى هذا. لا يشايعون طرفا دون طرف آخر بل إن صدمتهم قد تساوت فيها كل الأطراف إذا بعدت عن الموضوع وكان الحديث عن الذات.
سمر. سلمى. منال. سارة. سارة " أم علي". جوزيف. أمير. محمود. ياسمين. ياسين. كريم. إسلام. ماريان. رمضان ومصطفى. أسماء جميعهم إشراقات عقل وعلم وأداء وانتماء تؤكد أن الشباب قادر إذا ما وجد بيئة عمل صالحة بل ويستطيع الإدارة إذا وجد الفرصة. ونجحوا في جذب الانتباه للمحيطين بهم وباتساع الوطن كله في مهمة واحدة وبلغ الأمر أن الشباب في كافة المحافظات كان على ذات درجة الانتماء والحركة والأداء الإبداعي. كانوا صادقين صدقا يتجاوز الصدأ الذي أصاب العديد من الأجيال الماضية.
وهكذا مصر تجدد شبابها بهذه الدماء الجديدة.
أحسست بالأبوة لهم. أزحتها جانبا في الوجدان وأطلقت مفهوم "الزمالة" صفة الجمع بين زملاء مهمة على ذات القدر من المسؤولية وبالتالي من سلطة القرار وأيضا من نصيب في أسباب النجاح.
كلنا شركاء مسؤولية وجلباب الأب قد يكون حنونا أو صارما. ولكن توصيف " الرفاق " و" الزملاء " في منظومة العمل هو مصدر الندية والقوة لجماعية العمل.
وجمعتنا جميعا مسيرة لتكريم شهداء المهندسين، فأحسست بعودة الروح وكل من كانوا يوما قيادات للمظاهرات في زمن الستينيات والسبعينيات ذابوا داخل مسيرة الشباب.
يتجاوز الشباب توصيف النجاح والفشل والنصر والهزيمة في قاموس اللغة ويتحدثون عن تراكم الإنجاز عبر المراحل وأنه السبيل للبناء شرط أن يكون الهدف واضحا وأن تكون الإستراتيجية واضحة وأن يكون المجتمع وعاء التراكم ليس مثقوبا بفعل "الأنا".
نتائج أولية لثلاثة أشهر مضت تشوهت فيها علاقات كانت ممتدة عبر 45 عاما لأن "الأنا" تعاظمت داخل هذه العلاقات وفقدت الموضوعية مكانها بإطلاق رصاصات كاذبة في غير اتجاهها ولكن الموضوع "البناء" اكتسب زخم الشباب الصادق ليمتد بأعمارهم ومستقبلهم الذي يصنعونه على أعينهم العمر بي وأشعر أن الخلود قد أصابني بأن للوطن جنودا للمستقبل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5259
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2634
| 08 سبتمبر 2026