رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأخذ القضايا - كما هو معهود- حيّزًا متواصلًا في تفكير أصحابها أو مُعايشيها، ما دامت تنعكس بشكل ملموس على الواقع اليومي، أو -أقل القليل- على الغَدِ القريب. يجعلُ التجاذبُ القلقُ منها واقعًا ماديًّا لا بُدَّ من احتواء آثاره، وتقليصه في أدنى حدٍّ ممكن. هذا في حال لم يسنح المجال بعلاجه أو تجاوزه.
ما من قضية إلا ولها حل، يكمن في مكان ما، وينبغي استظهاره بتأنٍ وتَؤُدَة، واستيعابه بالنجاعة المُتوخّاة، وتعريفه بدقّة تامة.
وحين يتبدّى الحل بشكل واضح، وبوصفه حلّا مُحدّدًا لمُشكلةٍ مُحددة، فليس ثمة تبرير يحول دون الأخذ به وفق الشروط الزمانية والمكانية، وبغض النظر عن الاعتبارات الإكراهية التي قد تتراءى لدى المسؤول. ولو فرضًا -كما هو حاصل في معظم البلدان النامية- قرر الفاعل في مؤسسة تنفيذية ما، أو هيئة حكومية ما، تأجيلَ النظر في تطبيق إجراءات الحل، ولاسيّما بعد تبيّنها، فإن المشكلة لا شك أنها منقادة بوجه أو بآخر إلى حلّها المؤجَلِ هذا، ولو طال الدهر، واستطال المطاف.
هذا التمهيد الآنف هو من جنس البدهيات، حول شؤون الواقع وهواجسه. ثم لتبرز لنا في هكذا سياق: قضيةُ الزواج والطلاق وانخفاض معدلات الخصوبة في قطر بما هي إشكالية مستجدة، تفاقمت تدريجيًّا منذ الثمانينات، ولم تُسكَّن حتى هذا اليوم.
في البدء، وقبل الإحاطة بأهم دلالات هذه الظاهرة مرورًا بالتباساتها وصولًا إلى أسئلتها الولود، من الضروري الإشارة إلى مسألة جوهرية تتعلق بحقيقةٍ تحكم محددات النطاق الاجتماعي في قطر، وهي أن المجتمع القطري: مجتمعٌ حديث.
ينسى أو يتناسى العديد من الباحثين والمثقفّين، والمهتمّين بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلاد، الذين تدرُجُ ألسنتهم بمصطلح الدولة الحديثة ليلًا ونهارًا، إن المجتمع في قطر هو أكثر حداثةً من الدولة، وإنَّ لهذه الحقيقة لوازم واعتبارات ونتائج، تستلزم ضرورةَ التفكير في القضايا الاجتماعية ليس فقط من منظور مقابلتها بالدور المؤسسي الذي يؤثر فيها سلبًا وإيجابًا، بل أيضًا بقياسها على المعطيات التاريخية المهيمنة على طبيعة اتجاهات وسلوكيات الفرد والجماعة، بعضهم ببعض.
تُفضي حداثة المجتمع إلى حقيقة أخرى تقول: إن التركيبات الاجتماعية المتنوعة التي تُعبّر عن المكون الاجتماعي القطري المعاصر، وبما هي تركيبات تحملُ في طيّاتها اختلافًا خصائصيًّا على مستوى بعض العناصر الهُويّاتية الصغرى - لدى مختلف الجماعات- مثل اللهجة وما تكتنزه من مخزون ثقافي وما تستبطنه من ذاكرةٍ تقاليديّة، فإنها لا محالة آيلة إلى التناقض. ولكنه تناقض لا يعبر عن محض صراع؛ بل هو أقرب إلى أن يكون تجسيدًا لمرحلة تاريخية، شبه- حتميّة، تُؤَخَذُ فيها التباينات الاجتماعية نحو الانصهار في الوسط المدني المشترك المُعبّر عنه بالدولة.
وينبغي الانتباه إليه في هذا المقام إلى أن عملية الانصهار الاجتماعي ليست سوى ولادة جديدةٍ لثقافةٍ وذهنيةٍ جديدتين؛ وإنها انعكاس برهاني لجِدّة المجتمع وحداثته، كما أنها مؤذنة بتحولات نسبيّة تمس الخريطة الاجتماعية وتعيد تشكيل بنية الهُويّة الوطنية، أي تلك الأولويات المتعلقة بمسألة الانتماء الدولتي والمجتمعي وعواملها ومستوياتها، إلى جانب إعادة إنتاج المخيال السياسي لدى الجيل الذي وُلِدَ حديثًا، والأجيال التي لم تولد بعد، بأشكال وأنماط مختلفة.
والحق إن هذه التحوّلات تمثّل القنطرة الأساسية التي ينتقل عبرها التكوين الاجتماعي الكلي من وضعيته التشكيلية الأولى المتسمة باتساع الفجوات بين شرائح المجال الاجتماعي، إلى الوضعية الأكثر تطوّرًا من حيث ارتفاع نسبة التجانس بين أفراد المجتمع.
يبقى المذكور آنفًا بمثابة التعميم النظري الذي يهدف إلى رسمِ معالم الانتقال الافتراضية للمجتمع الحديث في الخليج والجزيرة العربية، وذلك من منطلق كونه لا يزال حديثًا ويعيش مخاضات متسارعة أغفلتها ولا تزال أعين التشخيص، وأفلتت هي بدورها عن أيدي النقد والتحليل المُواكِب لها.
ورّث ضعف الرصد لدى - ليس عموم الناس وحسب، بل أيضًا لدى- الفئة المتعلمة والمثقفة: قصورًا في تقييم الظواهر الاجتماعية وفضلًا عن فهم كوامنها حال وقوعها، واستيعاب سيروراتها بعد وقوعها، ما أنتج بدوره - ولا يزال- قصورًا مُضاعفًا في تَبَيُّنِ مآلات البنية الاجتماعية.
ربما استغرقتْ الفكرة السابقة مساحةً أكبر من التوضيح ما كان ينبغي لها ذلك لولا أهميتها التأسيسية، ومركزيّتها الكبرى -على الأقل عندي- في مقام التفكير الاجتماعي الخليجي.
ومن ثمّ، فإن قضية انخفاض معدل الخصوبة في المجتمع القطري، الناتجة أصالةً عن انحسار حالات الزواج وتزايد حالات الطلاق بشكل نسبّي، فترةً تلوَ فترة، ينبغي في الحقيقة أن تُقاس من منظور الحقيقة الاجتماعية المذكورة أعلاه، إلى جانب عوامل عديدة (داخلية وخارجية) لا تقل أهميّة، بل هي تتواشج على نحوٍ جدليٍّ مع حَداثَة المجتمع والدولة.
في السياق الداخلي، فقد مرّت الدولة بنقلة في منتصف التسعينيات، مثّلت بدورها حركة تصحيحية، اكتنفت تحوّلًا جذريًّا في تاريخ الدولة من جهة، وولادة جديدة لها من جهة أخرى. قاد مشروع النهضة الجديد، الذي ارتكز على الطفرة الاقتصادية ومداخيلها الضخمة، إلى: تطوير السوق القطرية، والاستثمار في مشاريع تعليمية كبرى، واستقدام وتأسيس مراكز البحث المختلفة، وتحويل وسائل الإعلام إلى مستوى أعلى من التفاعل والتأثير. وساهم كل ما سبق في نحت نموذج الرفاه الذي ترعرع في إطاره الجيل الحديث. والرفاه هنا بوصفه نموذجًا فإنه يتمظهر -أيضًا- في تقدّم المؤسسات التعليمية وتطورها، وارتفاع متوسط نسبة الخرّيجين الأكاديميين، وتوسّع سوق العمل، وتمكين المرأة؛ إذ أنه ليس مجرد رفاه شرائي أو استهلاكيّ.
وسنرى كيف أن انخفاض معدل الخصوبة أخذ يتضاءل طوال تمرحل الفترة الممتدة من منتصف التسعينيات حتى هذه اللحظة، فيما قد يبيّن نوعًا من العلاقة الطردية بين مشكلات الخصوبة والتحولات الاقتصادية الواقعة في العقود الثلاثة الأخيرة.
أما على الصعيد الخارجي، فقد أخذت النَقَلاتُ الثورية في الإعلام الحديث الجيلَ الصاعدَ في المجتمعات الخليجية نحو وعيٍ جديد يكاد يقطع مع سابقه. وأدّى انكشاف الأنماط الثقافية وغشيانها الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية المستخدمة على نطاق واسع، إلى تعاظمِ حالةٍ من التجاذب الثقافي.
جاء هذا التجاذب متزامنًا مع نشوء مئات من الجيل القطري الصاعد: ذي نزعةٍ غربيةٍّ في تكوينه المعرفي، وفي نسق تفكيره. ويعود سبب ذلك إلى أنه إما قد درس في جامعات غربية أو لأنه تخرّجَ من الجامعات الأمريكية المنضوية تحت ما يعرف بالمدينة التعليمية، ثم تشرّب -إثر ذلك- قدرًا مضاعفًا من ثقافتها بانسياق لا-واعي أو إعجاب شديد لا حيلة له عليه، ولأسباب يطول شرحها.
وفق الإحصاءات السكانية التي أجريت منذ منتصف الثمانينات في الدولة، واستنادًا إلى التقرير المنشور بعنوان «٩ عوامل وراء تراجع معدلات الخصوبة في قطر» تاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢، (وهو تقرير يتناول مشروع معهد الدوحة الدولي للأسرة حول المحددات الاجتماعية للخصوبة في دولة قطر والتبعات السياساتية)، فإن معدل الخصوبة الكلية -الذي يقيس عدد المواليد الذي يمكن للمرأة أن تنجبه طوال حياتها- قد نقص من ٤.٦٪ في ١٩٩٧م إلى ٢.٩ في ٢٠١٧م.
استنتج أغلب الباحثين الذين حاولوا فهم الأسباب الكامنة خلف هذا الانخفاض: أنّ اتساع شروط التعليم ومستوياته، وتمدد سوق العمل ومتطلباته، يُعدّان هما السببان الأبرز خلف تباطؤ معدلات الزواج، وارتفاع حالات الطلاق في قطر. وإليهما يُنسب الدور الأكبر وراء شعور الفرد - ذكرًا وأنثى- بالاستقلاليّة، والاستقلالية الماديّة على وجه التحديد، بحيث بدأ بعض الرجال ينظرون إلى منظومة الزواج بصفتها مجموعة من الأعباء المُكلْفِة، وكذلك الحال مع بعض النساء اللائي أخذن يتصوّرن الزواج باعتباره تقييدًا لحريّتهن أو طموحهن. لا خلاف على أن المحصلة التعليمية والعملية تُعَدّ عاملا من العوامل الرئيسة في مفاقمة هذه الظاهرة التي صرنا نعيشها - بما هي هاجس يتهدد مستقبل النسيج السكّاني- وذلك من جهة: أثر التعليم العالي وما يحتويه من انفتاح على نُظُم اجتماعية أخرى، على تبدُّلِ بعض التصورات تجاه فكرة الزواج.
ودور العمل وما يستلزمه من وقت وما يؤديه من أجر، في تحوّل المعايير الناظمة لمؤسسة الزواج لدى الجيل المعاصر.
يمكن حصر قَوام هذه التحوّلات في الفكرة الأساسية التالية: إن فكرة الزواج وبدلًا من أن تنبني على أساس تساكني وتراحمي تام، يشبع حاجة الزوجين ويحقق لهما الأمان العاطفي والنفسي، فقد أصبحت مُعرّضةً للتسليع الاقتصادي الذي يقاربها وفق منطق الربح والخسارة ويخضعها لقانون العرض والطلب. فيحدث كثيرًا أن تكون الأسباب المؤدية إلى العزوف عن الزواج، أو تلك المؤدية إلى الطلاق، هي نتاجُ قناعة ثاوية في ذهن النساء والرجال تتمحور حول سؤال «ما الذي لي؟ ثم ما الذي علي؟»، وهي قناعة ليست انعكاسًا لمبدأ الحقوق والواجبات، كما قد يُتصوَّر، بل هي مجرّد تَمَثُّلٍ عارمٍ لطغيان النماذج المعرفية - المادية على فضاء الذهنيات الاجتماعية السائدة، واقعًا وافتراضًا.
وحسب الإحصاءات المنشورة على موقع جهاز التخطيط والإحصاء، وفي عملية حسابية استنتاجية سريعة، بوسعنا أن نتبين واقعية هذه المشكلة، التي ربما تتحول في يوم الأيام القريبة إلى معضلة حقيقية، ففي الفترة بين أغسطس ٢٠٢٠ ويوليو ٢٠٢٢ - أي العامين الماضيين- شهدت حالات الزواج انخفاضًا بنسبة ٣٤.٢٪ لدى الذكور، و٣٨٪ لدى الإناث. في حين بلغ إجمالي حالات الطلاق ارتفاعًا قدره ٣١.٨٪ لدى الذكور، و٣٦٪ لدى الإناث. إن هذه المعلومات الآنفة تقوّض الفكرة الشعبوية الرائجة الظانّة قولًا بأن فترة وباء كوفيد قد حفّزت الزواج ورفعت نسبته، ولكن لغة الأرقام أصدق شاهدًا، وأبلغ دلالة.
يبقى القول بأن شتّى هذه التحولات إنّما تستدعي منا إعادة التفكير في الرهانات التي تحكم مسارَ انتقال المجتمع. كما تبقى ثمة تساؤلات مُلحّة، كأنما تجثم على العقل والضمير: ألا يعني التحول في معدلات الخصوبة تحوّلًا في القيم والتصورات والتفضيلات الاجتماعية؟ وهل هذه إلا تحولات للهُويّة، أي تمخّضات على مستوى أسس البنية الاجتماعية؟
ما الشكل الذي سيكون عليه المجتمع بعد عشر سنين/ عشرين سنة؟ هل تساءلنا عن ذلك تساؤلًا جادًّا؟ وكيف يمكن أن نفهم المسألة وأن نعالجها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*المقصود بلفظ حداثة في كل مواضع المقال هو كون الأمر حديثا وجديدا من الناحية الزمنية، لا منظومة الأفكار الخاصة بالحداثة.
من الظهور إلى التأثير الرقمي
لم يعد التحول الرقمي خياراً تكميلياً في عالم الأعمال، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة السوق وسلوك المستهلك... اقرأ المزيد
108
| 31 مايو 2026
الأصدقاء عبر الزمن
"قد تكون نفسي بالأمس لا تعرف من أكون الآن؟! ولا أصدقاء اليوم يعرفون ما سأكون عليه في الغد.... اقرأ المزيد
192
| 31 مايو 2026
لمن القول الفصل
خرج علينا الرئيس الأمريكي قبل أيام بتصريح غريب وفي غير موضعه، حيث ربط بين المفاوضات الجارية مع إيران... اقرأ المزيد
120
| 31 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1521
| 29 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1242
| 31 مايو 2026
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
831
| 30 مايو 2026