رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التقى الصديق في المعتقل بأحد قيادات الإخوان، والذي يتولى الآن منصبا تنفيذيا عاليا في مصر، وسأله حينها الصديق عن الجماعة وكيف يراها، وفوجئ بإجابة الرجل: إنهم ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام! كانت الإجابة مفاجأة للصديق في حينها وبذات القدر كانت مفاجأة لي حين سمعتها.
ومن ملاحظات الصديق على الرجل أنه يفعل كل شيء لنفسه وبيديه رغم أن في المعتقلات هناك من يقوم بالخدمة لمثل هذا الرجل، حتى أنه دعا الصديق إلى كوب شاي في زنزانته وقام بنفسه بغسل الأكواب وإتمام الضيافة.
ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام، وصف لا ينطبق على جماعة الإخوان وحدها، بل يكاد يكون سمة عامة تشترك فيها الجماعات والتيارات والتنظيمات والأفراد أيضا، أغلبهم قادم بالماضي، ويرتكن على سمعة تحققت في فترة ما من تاريخ مصر، ولم يطرح أي منهم بعد مبررا لوجوده هو بذاته، برؤية وخطة عمل ورجال.
بعيدا عن اليأس أو ادعاءات الحكمة والحكم المسبق على الأمور، تحيا مصر حالة أقرب إلى كابوس أسود يكاد يقتلع الأخضر من الأرض ويقتل أي أمل لدى الشعب الذي تتعاظم حالته سوءا كل يوم.
شهدت الأيام الماضية تشكيل أحزاب سياسية، واندماج لأحزاب متعددة، وإعلان ائتلافات وتيارات، وجميعها تدور بين ذات النخبة، وفي ذات القشرة السياسية من المجتمع دون أن تضرب بجذورها في المجتمع، وتحمل منهجا واحدا بعد انعزالها عن الشعب وهو "أنها وحدها الحل للأزمات"، ولا يجيب أي منها عن السؤال الجوهري كيف؟ وغاية ما تطالب الشعب به بكل معاناته أن يمنحها صوته في الانتخابات القادمة، ولم يقولوا لنا وفق أي دستور ستكون هذه الانتخابات، وطبقا لأي قانون انتخابي، ومن سيصدر هذا القانون، أم أن ما يحكم موقفهم من الدستور والقانون هو أحلام اليقظة.
استمرار الرفض والشجب والإدانة دلالة عجز عن الفعل، ومجرد الاكتفاء بالمطالب الجزئية حول الدستور والتشريعات المكملة، وعدم اتخاذ موقف موحد من الجمعية التأسيسية للدستور هو دلالة غياب الإرادة السياسية.
الحياة فوق الأرض المصرية كما الأفكار تنتقل من حالة اغتراب إلى مزيد من الاغتراب، وفترات الفعل الوطني فوق أرضنا تبدو محدودة ونادرة، نمسك بها لاستدعاء الرضا بالعجز عن الفعل والتسامح معه والتعايش، ونملك قدرة غريبة على إجهاض التاريخ والقيم، ونصم أي لحظة إنجاز في تاريخنا بالنواقص، ونخلعها من تربتها ومن الزمن الذي جرت فيه، وننزع عنها ما حققته، حتى يمكننا التعايش مع حالة العجز، وكأننا نهدم بأيدينا الصروح فوق رؤوسنا دون أن نقدم بديلا معاصرا، لنستمر في اجترار الحياة دون صنعها ودون توفير الأسباب الحقيقية لاستمرارها وتطويرها وتوفير احتياجات التقدم.
أعادت ثورة يناير 2011 كلمة الثورة إلى القاموس المصري من حيث اللفظ، وأبدعت للإنسانية نموذجا جديدا لحركة الملايين الشعبية دون تنظيم أو قيادة، ولكن غاب عن القاموس المصري أن الثورة هي علم تغيير المجتمع.
وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل الثورة الإيرانية بأنها رصاصة انطلقت من القرن السابع لتستقر في قلب القرن العشرين، وقياسا على هذا التعبير فإن الثورة المصرية انطلقت من القرن الواحد والعشرين ولم تستقر بعد، رغم كل محاولات إعادتها إلى ما قبل القرن السابع، إلى زمن الجاهلية.
أكلت الوحشة النفوس المصرية بعد الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، وكأنها استهلكت كل أرصدة الطاقة الشعبية، فعاد الناس إلى بيوتهم ينتظرون عائد الثورة، وصار السؤال الجوهري عائد الثورة لمن وبمن؟
حركة المجتمعات لا يصنعها المجهول، ولا تؤول إلى العدم، فهي طاقة خرجت من مكمنها، ولا تنتهي دون أن تصل إلى حالة الاستقرار.
التفكك والتفتت إلى جزيئات للحركة الشعبية في مصر ليست حالة انتحار جماعي للإرادة الشعبية التي تجلت في الأيام الأولى للثورة، لم يكن التفتت عاملا ذاتيا بقدر تضافر جهود القنص والقرصنة والإجهاض التي جرى ممارستها خلال الفترة الانتقالية، وتجلت الإرادة الشعبية في استمرار حالة المقاومة طوال الفترة الانتقالية وقدم فيها الشعب الشهداء وكان خطر الدم يحوم كالعنقاء فوق الرؤوس كلما تجاوزناه عاد من جديد يحاول اقتلاع الثورة كمفهوم من القاموس، وحصار نتائجها، والحيلولة دون استعادة أي إمكانية لتكرار الحركة الشعبية التي أسقطت رأس النظام السابق.
لم يكن اغتراب الثورة لفظا ووعيا ومنهاجا هو السمة الوحيدة للوعي المصري قبل يناير 2011، بل كانت هناك هجمة مستمرة على الهوية الوطنية والقومية، وكلما كانت تضعف الدولة والمجتمع، كانت الجهالة الفكرية تتفاقم حتى تماسك دخانها الأسود ليصنع شرنقة صلبة تحيط بالوعي الوطني.
انتقلنا من قتل الأفكار إلى حالة الفتن المتتالية، وكان أقصى وأقسى ما يمكن أن يعاني منه المجتمع هو الفتنة الطائفية وتقسيم المجتمع وفقا للديانة، وأنتجوا صورا جديدة للفتن، فأنتجوا فتنة الأجيال وفتنة التاريخ وأن الثورة تنسخ ما قبلها، وفتنة الهوية وكأن مصر طفل سفاح وجد على قارعة الطريق ومجهول النسب، وجرى تقسيم مجحف للمجتمع بين مسلم وغير مسلم، وليس غير المسلم هم أصحاب الديانات الأخرى ولكن غير المسلم هو أي مصري خارج التنظيمات الدينية ولم يقسم لهم قسم الولاء.
الصورة الجديدة للفتنة هي الفتنة في الدين ذاته، والانحراف به على ألسنة ترتدي مسوح رجال الدين وتنطلق على الفضائيات العربية، لا تمس الحياة السياسية كما كانت في البدايات، ولا تدعو إلى أحزابهم، ولا تهاجم من خالفهم بأنه علماني كافر، ولكنها تنتج فتاوى تبيح اللواط وزواج القاصرات والاستعمال الشاذ لهن، وتستخدم ألفاظا يعف الملحد عن استخدامها، بل إن إحدى الفتاوى أباحت لواط المجاهدين كضرورة تبيح المحظور لإعداد المجاهد للعمليات الاستشهادية!؟
خطر داهم لو صنع بغير لغة الضاد وبمسوح رجال الدين، لما انقطعت حفلات الطبل والزمر والمظاهرات تصف من أتى بها بالصهيونية والإلحاد والتقول على الدين الإسلامي الحنيف، ولكنها عندما تخرج منهم على الفضائيات العربية فهي أمر حمال أوجه؟!
اتهموا من كان خارج تنظيماتهم بالعلمانية، والعلمانية عندهم هي الكفر والشذوذ والزواج المثلي، ولم يحاول أحد التصدي لما يجري ويدور وتتناقله شبكة الإنترنت وأفلام الفيديو المنتشرة عليها، فمن لم يشاهد الفتاوى على الفضائيات تصل إليه في منزله وعلى شاشات الكمبيوتر والتليفونات بمقاطع فيديو عندما تسمعها تشعر بالخطر الداهم وكيف يجري هذا على ألسنة هؤلاء؟ ولماذا الآن؟ ولماذا لم يجد من يتصدى له؟
هل للإنسان العربي أن ينظر إلى الكون والمجرات والأنجم والكواكب ويرى اتساع هذا الكون الذي يعجز العلم حتى الآن أن يجد وحدة قياس لقياس اتساع المجرات والمسافات بينها.
هل للإنسان العربي أن يدرك معنى الزمن، واليوم الإلهي بألف عام مما نحسب، ويوم القيامة بخمسين ألف عام مما يعد البشر.
هل للإنسان العربي أن ينظر ما تخرجه الأرض من ثروة طبيعية، هل جاءنا رزق الطاقة دون جهد منا فنتوقف عن إعمار الأرض بالعلم ونكتفي بالإهلاك والاستهلاك.
هل للإنسان العربي أن يدرك أن الله علم آدم الأسماء، منح الله الإنسان المعرفة، وكلفه بإعمار الأرض.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
889
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8697
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2535
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026