رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل يمكن تأجيل الحديث عن وقائع الداخل المصري والمنطقة على وشك الانفجار في وجه أهلها؟ وبأيديهم؟ هل رصاصات جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية ونداءات الاستغاثة والحديث عن قوافل الجثامين، هي مقدمة لأزمة لاستدعاء صواريخ "توما هوك" الأمريكية إلى القاهرة؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا سيمفونية الدم والرصاص والحرق ومواجهة الجيش المصري؟، هل هذه الرصاصات المتناثرة يمكنها أن تغير واقعا؟، وهل هذه الرصاصات القاتلة دون تمييز يمكنها أن تفتح أبواب القبول الشعبي لمن يطلقها؟، وهل من يطلق رصاصات القتل هو المتهم؟ أم من صاغ الرصاص عقيدة للتعامل مع المجتمع؟
الدم يصبغ أفق اللوحة المصرية بلون رمادي، وليس لونا أحمر كما هو لون الدم، وهو ذات لون أفق اللوحة العربية، رمادية اللون رغم نزيف الدم في ربوعها.
العلاقة بين لون الدم ولون الأفق، هي العلاقة بين الدم والقرار.
خمس وحدات بحرية تابعة للأسطول السادس الأمريكي تقبع حاملة صواريخ توما هوك انتظارا لأوامر قصف الأراضي السورية، لأن هناك اتهاما باستخدام أسلحة كيميائية وغازات لقتل ما بين 1000 إلى 1500 من أبناء الشعب السوري!، ومن سيتخذ القرار، الرئيس الأمريكي، الحاصل على جائزة نوبل للسلام!، ولماذا؟، عقابا لسلطة استخدمت ضد شعبها أسلحة الدمار الشامل!، هل هناك أكثر من هذا تلاعبا بالعقل؟، وهل هناك أكثر من هذا كذبا وخداعا؟، بالقطع لا، فالحارس الأمين على الشعب السوري، الرئيس الأمريكي هو ممثل لدولة إنتاج الدمار والقتل، في المنطقة العربية، وهو وحده صاحب القرار، وما عداه هو رتوش على الصورة إن لم تنفع فهي لن تضر.
من أهم التصريحات الإستراتيجية الأمريكية، بعيدا عمن يرفضون مقولة المؤامرة، تصريح قال به روبرت جيتس آخر وزير دفاع أمريكي مع جورج دبليو وبوش وأول وزير دفاع في إدارة أوباما، كان التصريح مواكبا لأسئلة عديدة عن دور المخابرات المركزية الأمريكية فور تفكك الاتحاد السوفييتي أول تسعينيات القرن الماضي وكان روبرت جيتس في حينها رئيسا للمخابرات الأمريكية، قال جيتس: "إن ما أطلق عليه صراع الشرق والغرب بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا، كان صراعا بين وجهي الحضارة الغربية، ولكن الآن يبدأ الصراع بين الغرب وبين الشرق الحقيقي وفي القلب منه الإسلام"، هذه حقيقة الإستراتيجية الأمريكية، حتى وإن استخدمت هذه الإستراتيجية الإسلام لصناعة فيالق الإرهاب في الدول الإسلامية ابتداء بقتال الإلحاد السوفييتي في أفغانستان لمواجهة الإلحاد، وانتهاء بفرق القتل والتفتيت للمنطقة العربية.
هي إستراتيجية وليست مؤامرة، لها رؤيتها، ومهامها، وأدواتها، ولا تتغير سواء كانت الإدارة الأمريكية من المحافظين الجدد أو هي من الحزب الديمقراطي.
كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل ــ أعانه الله على تحمل تبعات حريق مكتبته التي كانت لمصر وليس له شخصيا، وأرجو أن تكون للوثائق أصولها التي احتفظ بها دائما بعيدا عن إمكانية القرصنة كما قال مرة من قبل عام 1971، وأن يكون ما احترق صورا يتعامل بها ــ قال في كتابه "آفاق الثمانينات" على لسان اندروبوف زعيم الاتحاد السوفييتي السابق ورئيس الكي جي بي من قبل: "يمكن لأي زعيم دولة من دول العالم الثالث أن يطلب منا أي شيء، غير أن نطعم شعبه"، كانت الضائقة الاقتصادية قد حاقت بالقطب الثاني في عالم ذلك الزمن، ولكنها أيضاً مقولة تنم عن توجيه إستراتيجي لأي زعيم، أطعم شعبك من ناتج عرقه ولا تتسول الطعام.
كان ذلك زمن الحرب الباردة، أو الردع المتبادل بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن في عالمنا الآن، والذي مازال أحادي القطبية، ويد أمريكا وإسرائيل مطلقة فيه، خرج تصريح من روسيا الاتحادية يقول إن روسيا لن تقاتل دفاعا عن سوريا، أي أن إستراتيجية روسيا الاتحادية هي "عض الأصابع"، وليس تحمل مسؤولية قطع الأيدي.
المصالح تتكلم وليس ما يمكن تسميته التحالفات، فالتحالف يبقى قائما حتى لحظة انطلاق المدافع، ومن يملك إمكانية اتخاذ قرار الحرب، تبقى الساحة الدولية أمامه مفتوحة.
ويخرج علينا موقفان متناقضان، واحد من لندن والآخر من القاهرة، فقد رفض مجلس العموم البريطاني الاشتراك في العملية العسكرية على سوريا، وكتب روبرت فيسك بأنها "أغبى حرب غربية في تاريخ العالم الحديث".
ويبرر الرئيس الأمريكي اتجاهه لضرب سوريا بأنه يريد وضع حد يمنع تجاوز «الخط الأحمر» بشأن استخدام السلاح الكيماوي مستقبلا في الصراع في هذا البلد. لكن النائبة بمجلس العموم البريطاني سارة ولاستون ردت عليه بالقول إن أمريكا هي نفسها من تجاوزت هذا الخط عندما استخدمت الفسفور الأبيض في العراق، واستخدمت السلاح الكيميائي في الفالوجة تحديدا.
وكتبت في صحيفة «الجارديان» تحت عنوان «لماذا قمتُ بالتصويت ضد التدخل العسكري في سوريا؟» تقول: كيف لا يعد الفسفور الأبيض الذي استخدمته أمريكا في العراق سلاحا كيميائيا؟ ربما لأن أمريكا هي فقط من استخدمه؟
هذا ما يجري في لندن، أما في القاهرة، فيقول المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية: إن الجامعة لا تعطي الضوء الأخضر أو غيره، بل إننا نتحدث في إطار القانون الدولي ضمن أهمية الأزمة السورية من المنظور العربي، وكذلك من المنظور الأخلاقي والسياسي والإستراتيجي.
إطار ومناظير، وقانون دولي وأخلاقيات وسياسة وإستراتيجية، وكأني بكل ضحايا الشعب السوري والعراقي والفلسطيني والجزائري واللبناني يصرخون بالرجل: "أعربي أنت؟".
من المؤكد أن كل الأزمات التي مرت بالمنطقة العربية كان للجامعة موقف، ولكن عندما تضع الأزمة السورية أوزارها، سيسجل لنبيل العربي أنه أمين جامعة الدول العربية الذي كتب شهادة وفاة الجامعة وميثاقها.
وخرج شخص اسمه فهد المصري متحدث باسم المعارضة السورية باتصال تليفوني من خارج سوريا كما قال للمذيعة التي سألته بذكاء أين هو، إلى فضائية مصرية خاصة، منددا بتأخر التدخل الغربي!، والحركات السياسية والثورية عندما تواجه سلطة الاستبداد، تحيا فوق الأرض وتجعل من شعبها ظهيرا لها، ولكن عندما تستعين بالعدو التقليدي لوطنها، ولا أقول لنظام الحكم فيه، تخلع عنها رداء الانتماء لهذا الوطن، تماما كما كانت أصواتهم تعلو بالتكبير والغارة الإسرائيلية تضرب مواقع داخل سوريا.
على الذين يسعون لإسقاط نظام الحكم في سوريا الحذر من ضياع سوريا، وإن ضاعت سوريا فإن زلزالا سيطول كل المنطقة العربية، وأول ما سيضرب سيضرب مصر.
إن الخطر يحيط بمصر، والحديث أن عام 2015 هو عام الانتهاء من أمر مصر على أجندة المهام الأمريكية لا يجب تركه دون اعتبار.
الاعتبار الأول قبل السياسة والثورة والحرب، ألا يطلب أي زعيم من أحد أن يطعم شعبه، ولن ينتج شعب طعامه إلا إذا اعتقد يقينا بأنه يملك زمام أمره، وأن إرادته تعلو فوق القوة.
الاعتبار الثاني قبل الثأر للدم، أن في عالم السياسة ليس هناك إبادة لوجود تنظيمي، ولكن الكيانات التنظيمية والعقائدية تتآكل من داخلها، وعندما يلفظها مجتمع، يصبح ملأ الفراغ مسؤولية المجتمع، بكل مستوياته.
والاعتبار الثالث لملئ الفراغ، يبدأ بخطاب سياسي واضح يحمل القوة والصدق والشجاعة، يتحدث به من يعطي الرمز للوطن، ودرس يناير العظيم، أن الرمز للوطن لا يتمثل في فرد، ولكن الرمز للوطن هو إرادة شعبية تملك الرؤية وجسارة التعبير عنها.
والاعتبار الرابع أن صبغة الأرض بالدم لا تحول دون ضرورة تجاوز رمادية الأفق.
والاعتبار الخامس أن رمادية الأفق مصدرها التردد في إدراك معنى الثورة بأنها علم تغيير المجتمع، والمجتمع لا يتغير بتغير الأشخاص فيه، ولكن التغيير في جوهره هو إعادة ترتيب للقوى الاجتماعية داخل المجتمع. إن التغيير ليس بتغيير أوجه يذهب منها البعض ويعود البعض للمشهد وكأن الذاكرة قد أصابها العطب.
والاعتبار السادس وهو أن الثورة ليست عملية انتقام ولا هي مفتاح للانتهازية السياسية، قد يجد البعض نفسه متصدرا للمشهد، وهو في تاريخه لم يقدم مبررا وحيدا لاحتسابه لصالح الثورة، إن المشاهد الحالية هي من صنع حالة التصحر السياسي، إنها إطلالات جديدة لعناصر نظام ثار عليه الشعب، سواء كانت هذه العناصر ضمن حزب أو جماعة حكمت، أو كانت ضمن من عايشها سياسيا، وكان غايته أن يبقى في المشهد السياسي، ينطق بما يعجب الشعب، ويفعل ما يتيح له البقاء على حساب آلام الشعب.
والاعتبار السابع أن مهام الفترة الانتقالية وإن كان قد زاد عليها مواجهة خطر الإرهاب ورصاص الجريمة السياسية وصواريخ توماهوك الأمريكية، فإن الفترة الانتقالية كانت قبل بزوغ كل هذه الحقائق تدور وخطر الوجود الإسرائيلي في الشرق مصدر رئيسي لتهديد الأمن القومي.
الاعتبار الثامن أن الوجود الحقيقي للثائر الملتزم بقضية مجتمعه، يرتبط بمدى انتمائه لهذا المجتمع، أرضا وشعبا، وأن حديثا بمفاهيم إنسانية تتجاوز حق الحياة وتسبق ضرورات الوجود، هي انحراف ببوصلة الثورة ودور الثائر، هي حالة انتحار.
إن الحديث عن "العدالة الانتقالية" كبديل لإرادة الثورة في التغيير، والحديث عن مصالحات يدفع ثمنها نقدا، هو إعادة إنتاج لنظام الفساد ومؤسساته.
إن الثورة لم تضع قانون التطهير وممارسة الحياة السياسية لعناصر المجتمع، وعلى ذلك فإن إحالة أمر التطهير إلى قوانين نشأت في نظام يجري تغييره هو إعادة لنظام الفساد والاستبداد دينيا كان أو غير ديني من باب خلفي وهو مدخل الانقلاب على الثورة.
إن الكلمة الرئيسية لعنصر القوة في المجتمع تبدأ من إدراك مكوناته كما تريدها إرادة الشعب وتحتاجها.
إن كل محاولة لحصار الجيش المصري بادعاءات ممن لو ترك لهم الأمر لعايشوا أي نظام لأن أساس مطلبهم هو طموحات ذاتية، إن هذه المحاولات هي بالأساس تفريغ الأمة من عنصر حمايتها وحائط الصد الوطني الأول.
إن من لا يقف احتراما لعلم الوطن ونشيده القومي لا يستحق الحياة فوق أرضه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12075
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
7011
| 22 أكتوبر 2026
نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب اللاعبين، طويلاً، لكن ذلك سيظل في إطار التمـنيات وافتراض ما سيكون، أي أننا سنظل ندور في حلقةٍ مفرغةٍ لا نخرج منها. ولذلك ينبغي الحديث بوضوحٍ عن دورٍ فاعلٍ للإعلام الرياضي. وهنا، لا نتحدث عن النقل الخبري وإنما عن ممارسة التأثير السليم من خلال النقد والتحليل وإلقاء الضوء على سوء اختيار اللاعبين الـمحترفين الأجانب، وجوانب القصور في أداء وسلوك لاعبينا الـمحترفين الـمواطنين، وتوضيح الأسباب وطـرح الحلول الـممكنة. أما أنْ نظل جالسين في أبراجنا العاجيـة نراعي علاقتنا بالوكيل الفلاني والإدارة الفلانية واللاعب الفلاني، فهذا لا يجوز ويجعل من ممارستـنا لدورنا عاملاً من عوامل استفحال تراجع الـمستوى وزيادة التناقص في الرصيد الجماهيري لكرة القدم. وكلاء جلـب اللاعبين ليسوا كأصحاب مكاتب جلب الخدم والعـمالـة غير الـمحترفة، ولكن بعضهم يصر على أنْ يكون كذلك. لأنهم فيما يقـدمونـه للأندية من لاعبين محترفين، لا يضعون أنفسهم في صفها ولا يبالون بإسداء النصيحة الصادقة لها. وأيضاً، نجد في إدارات بعض الأندية نوعاً من اللامبالاة في تقييم ما يقـدم إليهم، وكأن الأمر لا يعدو كونه شراء سلعةٍ، فلا نلاحظ دوراً للاعبين القدامى في الأندية، على الأقل، في عملية اختيار الـمحترفين الأجانب، ولا نلمح أثراً لتقييم مدى إمكانية اللاعب الأجنبي الذي احترف في أنديةٍ أوروبيةٍ وأمريكيةٍ جنوبيةٍ على العطاء والاندماج في البيئة الكروية الـمحلية. وتكون النتيجة خسارةً للمستوى الفني للأندية والدوري والكرة القطرية، واستنزافاً للموازنات الـمخصصة للأندية. نحن بحاجةٍ لتجديد الأفكار السائدة حول العلاقة بين الصالح العام من جهةٍ، وتقديراتنا الشخصية لـما يصلح لنا ذاتياً من جهةٍ ثانيةٍ، فازدهار الكرة القطرية وارتفاع مستواها الفني يصبان في بوتقـة الـمصالح الوطنية العليا، ولسنا بغافلين عن كون الكرة أحد الوجوه الـمشرقة التي تطـل بلادنا بها على العالـم، ناقلةً إلى الآخرين صورةً حضاريةً رائعةً عنا. - كلمة أخيرة: الاحتراف مفهومٌ واسعٌ لا يتعلق بالاستعداد البدني للاعبين فحسب، وإنما يمتد ليشمل الأسس والبنى الفكرية والنفسية التي يقوم عليها الـمجتمع، والدور الذي تلعبـه الصحافة ووسائل الإعلام.
2835
| 22 أكتوبر 2026